المجالس البلدية وغياب المرأة

المجالس البلدية وغياب المرأة

د. سهيلة زين العابدين حمّاد
جريدة الخليج الإماراتية في 24/8/2004م.
تخطو المملكة العربية السعودية خطوات جادة وحثيثة نحو الإصلاح في مختلف المجالات، ولا سيما في المجال السياسي.

 ومن الخطوات الأساسية التي خطتها نحو الإصلاح السياسي، إنشاء مؤسسات المجتمع المدني، وفتح مجالات مشاركة المرأة في هذه المؤسسات، وفي مجالات أخرى في الحياة العامة، ومن ذلك:

إنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وهذه خطوة رائدة تعد سبقاً للمملكة العربية السعودية لم تسبقها إليه الدول العربية، وهي بهذا تعد رائدة في هذا المجال. وقد عقدت حتى الآن ثلاثة مؤتمرات، شارك فيها نخبة من المثقفين والمثقفات يمثلون مختلف الأطياف من مختلف مناطق المملكة، ونوقشت في هذه المؤتمرات قضايا جد مهمة وحساسة، وكان طابع الشفافية يميزها؛ إذ لم تكن هناك خطوط حمر في هذه المؤتمرات، ومن أهم المكاسب التي حققتها هو إيجاد التقارب بين مختلف الاطياف، وتصحيح الكثير من الرؤى تجاه بعض التوجهات والتيارات، وهذا ينصب في مصلحة الوحدة الوطنية.

الموافقة على إنشاء الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، وهي جمعية مستقلة لا تتبع أية جهة حكومية، وإبداء جميع الجهات المسؤولة كامل استعدادها للتعاون معها في سبيل تحقيق أهدافها، وإعطاء كل ذي حق حقه. والجمعية لا تزال في مرحلة التأسيس، وقد أصبح لها مقر، وهي ماضية في وضع اللائحة التنظيمية لها وفي الهيكلة الإدارية لتساعدها على الانطلاق في تحقيق أهدافها، ومع هذا فقد بدأت في مباشرة أعمالها، وتلقت شكاوى وقضايا، وأسهمت في حل بعضها، وبعضها الآخر في طريقه إلى الحل.

إنشاء المجالس البلدية، وجعل نصف أعضائها يتم بالتعيين، والنصف الباقي بالانتخاب، وهي خطوة تمهيدية لإجراء انتخابات عامة لجميع أعضاء المجالس البلدية في دورات قادمة، لأن طبيعة المجتمع لا تزال تتحكم بها النعرة القبلية، فهو غير مؤهل تأهيلاً كاملاً للعمليات الانتخابية. وقد صدرت لوائح الانتخابات، وشروط الترشيح.

ولكن من الملاحظ غياب المرأة في انتخابات وترشيحات المجالس البلدية، رغم أنه أعلن من قبل مشاركة المرأة في الانتخابات والترشيحات، ولم يوجد نص في لائحة الانتخابات على إبعاد المرأة، وقصر عضوية المجالس على الرجال. ولكن فوجئنا أن أجهزة الإعلام المختلفة أثارت قضية استبعاد المرأة من عضوية المجالس البلدية، وقد فسر بعضهم هذا الغياب بأن المجتمع لن يتقبل مشاركة المرأة فيها، وبعضهم الآخر فسره بأن هناك ضغوطاً من بعض علماء الدين المتشددين، ولكن هذا ليس مبرراً مقنعاً، لأن مشاركة المرأة في المجالس البلدية حق كفله لها الإسلام، فقد ولى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشفاء من بني عدي أمر الحسبة في المدينة المنورة، أي مراقبة الأسواق، وهو ما يعادل وزارة الشؤون البلدية، ولم يستنكر المجتمع آنذاك هذه الخطوة، كما كانت السيدة أسماء بنت نهيك الأسدية تراقب الأسواق في مكة المكرمة، وهي صحابية جليلة، وكانت تمسك بعصا تضرب بها الغشاشين، وحجابها لم يحل بينها وبين القيام بهذه المهمة، وذكرت الروايات أنها كانت ترتدي حجاباً سميكاً. فإن كان الإسلام قد أعطى المرأة هذا الحق، وقد تقبله المجتمع المسلم في صدر الإسلام، فكيف لا يتقبل المجتمع المسلم مثل هذه المشاركة في ذات المنطقة بعد مضي أربعة عشر قرناً؟

كما أن الإسلام أعطى المرأة حق البيعة، وآية البيعة جاءت بصيغة موجهة للنساء، وهي الآية الرقم 12 من سورة الممتحنة، وقد بُنيت عليها بيعة الرجال، والذي يُنكر حق المرأة في البيعة، فهو بالتالي يُسقط بيعة الرجال لأن بيعتهم مبنية على بيعة النساء. واستبعاد المرأة من العملية الانتخابية فيه حرمان لها من حق منحه إياها الإسلام، ولا مبرر قط لأي عالم دين أن يُنكر حق المرأة في البيعة، وبالتالي في الانتخابات، لأن الانتخابات في مفهوم المجتمعات الحديثة، هي البيعة، كما لا يحق لأي عالم دين أن يُحرم عضوية المرأة في المجالس البلدية، وإن كانت حجة البعض أن عضوية المرأة في المجالس البلدية تعرضها للاختلاط، فلتكن اجتماعات هذه المجالس عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة.

لقد أتيحت للمرأة فرصة المشاركة في الحوار الوطني، وأثبتت جدارتها. صحيح أن الحوار الوطني الأول بدأ من دون مشاركة المرأة، ولكن في الحوار الوطني الثاني شاركت عشر نساء أثبتن جدارتهن، وأجمع المشاركون على بلوغ المرأة السعودية مرحلة من النضج، ومن العمقين الفكري والثقافي مما يؤهلها للمشاركة في مناقشة قضايا الوطن، وتقديم حلول لها. وتمت المطالبة من قبل بعض المشاركين بأن تكون مشاركة المرأة في الحوارات القادمة مناصفة مع الرجل، وبناءً عليه كانت مشاركة المرأة في الحوار الثالث مثل مشاركة الرجل، فكان عدد المشاركات فيه هو نفس عدد المشاركين.

كما نجد ان الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ضمت بين أعضائها الأربعين عشر نساء، انتخبت ثلاث منهن في المجلس التنفيذي، وواحدة منهن رئيسة إحدى اللجان، واثنتان منهن نائبتا رئيس. ونشاط هؤلاء النسوة في الجمعية واضح، فقد أثبتن أهليتهن للمكان الذي وُضعن فيه، وتقبل المجتمع هاتيْن المشاركتيْن ورحب بهما، واحتفى بهما الإعلام والإعلاميون، فعلى أي أساس يُردد الآن استبعاد المرأة من المجالس البلدية، ولا يوجد نص في اللائحة يُشير إلى ذلك؟ علماً بأن المرأة أكثر اتصالاً بما ستقدمه هذه المجالس من خدمات، فالمرأة أكثر معاناة وتضرراً من الرجل عند قصور الخدمات البلدية، كنقص المياه في بعض الأحياء السكنية، وانعدام وجود مجار في بعضها، أو عدم وصول شبكات الهاتف، أو عدم تعبيد الطرق وإنارتها في بعض الأحياء، ولا سيما الجديدة منها، كما لا ننسى أن وجود المرأة في المجالس البلدية سيؤدي حتماً إلى تطوير أداء الخدمات في المرافق العامة، وفي نظافة الأحياء السكنية وتجميلها، وتوفير جميع الخدمات لها، بما فيها المكتبات العامة، وأندية ثقافية، والعناية بنظافة البيئة.

لقد أتيحت الفرصة للمرأة بأن تُشارك في الحياة العامة، وبدأت المرأة تتولى مناصب قيادية كوكيلة للوزير في شؤون تعليم البنات، وتولت منصب مديرة للشؤون الصحية لأول مرة، إلى جانب عمل المرأة السعودية في وزارة الخارجية، ووجود ممثلة لسيدات الأعمال في الغرفة التجارية، وإلغاء اشتراط موافقة ولي أمر المرأة على ممارستها أنشطتها التجارية، وما أصدره مجلس الوزراء من قرارات كقصر تولي بيع احتياجات النساء الخاصة بهن على النساء، وتوسيع نطاق عمل المرأة كإنشاء أقسام نسائية في بعض الدوائر الحكومية، والعمل على إنشاء مدينة صناعية نسائية في جدة.

ثمة الكثير من الخطوات التي تتناقض مع استبعاد المرأة من المشاركة في انتخاب أعضاء المجالس البلدية، وترشيح نفسها للعضوية، خاصة أن الإسلام قد أعطاها هذا الحق.

والذي أراه أن يُعطى للمرأة حق الانتخاب في المجالس البلدية، أما عضويتها فتكون بالتعيين، فمادام نصف الأعضاء سيكون بالتعيين، فلتكن للمرأة ثلاثة مقاعد على الأقل في كل مجلس بلدي، وتكون في البداية بالتعيين في المدن الكبرى مثل الرياض، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، والدمام، وحائل، والطائف، وذلك لأن الرجل السعودي لا تزال تسيطر على فكره عادات وأعراف وتقاليد تستنكر على المرأة أن تكون في موقع الندية معه، فهو ينظر إليها نظرة دونية، وأنها دونه مرتبة، فلن ينتخب امرأة، وهذا الفكر ذاته هو الذي حال دون انتخاب النسوة الأربع اللواتي رشحن أنفسهن للانتخابات البلدية في البحرين، فلئلا تتعرض المرأة السعودية إلى ذات الهزيمة، فأرى أن تعيينها في المجالس البلدية، هو الحل الأمثل الآن.

Join the discussion