ولاية المرأة لا حاجة لها لفتوى لأنّ لا اجتهاد مع النص (2-4)

ولاية المرأة لا حاجة لها لفتوى لأنّ لا اجتهاد مع النص (2-4)

 ملحق الرسالة بجريدة المدينة :الأحد, 10 أغسطس 2008
د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
من عجائب الأمور ربط ولاية المرأة بالقوامة

،فالدكتور عدنان حسن باحارث ،يقول “إضافة إلى مهمة القوامة على من تحته ، والإشراف والتوجيه والتأديب ضمن قطاع حكومي يضم آلاف الأشخاص ،ففي الوقت الذي لم يأذن الله للمرأة أن تقوم على زوجها في البيت ،فكيف يأذن لها أن تقوم عليه ،وعلى غيره من الرجال في الحياة العامة ؟ [ ملحق الرسالة ،8/2 /1429هـ الموافق 15/2/2008م ،ص 6]

هذا القول يوضح خطأ كبيرا في مفهوم القوامة ، يقول تعالى : “الرجال قوامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم” فالقوامة مشروطة بشرطين :
أولهما : “بما فضَّل الله بعضهم على بعض” ،أي بمن هو أصلح للقوامة ،فهل الرجل الفاسق المدمن للخمر ،أو المخدرات ،أو الزاني ،أو القاتل ،أو الإرهابي، أو المريض نفسياً يكون قيماً على زوجه العالمة ،أو الفقيهة ،أو الطبيبة ،أو الأستاذة الجامعية ،أو المعلمة ،أو الأديبة والمفكرة ؟ لذا قال جل شأنه الرجال ،ولم يقل الذكور ،والمرأة الفاضلة الحازمة سديدة الرأي يطلق عليها في اللغة رجلة ،فكلمة الرجال تطلق على الذكور والإناث .
ثانيهما : “بما أنفقوا من أموالهم” الرجال قوامون على النساء الملتزمون بالنفقة عليهن ،فالقوامة هي ليست عامة على كل النساء حتى الابنة إن تزوجت تنتقل القوامة من الأب إلى الزوج .
وربط الولاية بالقوامة خطأ كبير ،ويعني هذا أنَّ المرأة مهما كانت ثرية ،وتملك من الشركات والمصانع لا يحق لها إدارتها لأنَّ العاملين فيها رجال ،والرجال قوَّامون على النساء!!
وإن كانت القوامة تحول بين المرأة والولاية كيف جاء قوله تعالى : “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المُنكر”؟
أمَّا قول الدكتور باحارث “إنَّ ما سجله التاريخ الإنساني من تولي بعض النساء زمام عروش الدول أنَّها نادرة وشاذة ؛ إذ لا يزال الرجل هو المسيطر على زمام الشؤون السياسية منذ فجر التاريخ”
فأقول هنا العلة في ندرة تولي المرأة زمام عروش الدول يعود إلى كون الرجل هو المسيطر على الشؤون السياسية ،وهو الذي يتحكم في منحها ومنعها ،وكثر الذين يحملون فكراً مثل فكر الدكتور باحارث ،ويحولون بينها ،وبين تولي المناصب القيادية .
أمَّا قول الدكتور باحارث إنَّ المرأة لم تتول أي منصب قيادي في العهديْن النبوي والراشدي ،فهذه مغالطة كبرى ،فالمرأة كانت أول مستشار في الإسلام ،وهي السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ،فقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمشورتها في الوحي ؛إذ أشارت عليه بأن يذهب إلى ورقة بن نوفل لأنَّ لديه علما بهذه الأمور ،وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأيها ،كما نجد أنِّ أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها عارضت القوى السياسية في مكة بإسلامها ،وبدعمها للرسول صلى الله عليه وبني هاشم في حصار شعب بن أبي طالب ؛إذ كانت تمدهم سراً بالطعام ،كما عارضت القوى السياسية في مكة الصحابية الجليلة سمية من آل ياسر ،أوَّل شهيدة في الإسلام ،كما تولت أمانة سر الهجرة السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها “ذات النطاقيْن” التي اؤتمنت على سر الهجرة ،وتحمَّلت خطورة تزويد الرسول صلى الله عليه وسلم ،وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه بالزاد ،وهما في الغار ،كما نجد المرأة هاجرت إلى الحبشة والمدينة المنورة ،وشاركت في بيعة العقبة بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم على عقد تأسيس الدولة الإسلامية الأولى ،وفي بيعة الرضوان عاهدت الرسول على القتال في سبيل الله ،والمرأة ثبتت في القتال ،وكانت أشجع من الذين تركوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أحد ؛إذ تصدت نسيبة بنت كعب للسهام الموجهة للرسول صلى الله عليه وسلم ،ووقفت بصمود وثبات ،وتلقتها عنه بينما فر الرجال ، وكانت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم السيدة صفية أشجع من حسَّان بن ثابت في غزوة الخندق ،وحاربت المرأة في حروب الردة ،وشاركت في الفتوحات الإسلامية ،ولعل “خولة بنت الأزور” دليل على هذا المشاركة ،وكانت فارسة حسبها البعض خالد بن الوليد ،وهي تقاتل الروم ملثمة ،كما شاركت المرأة بالقتال في المعارك البحرية ،كما روت المرأة الحديث ،ولم توصف رواية حديث بالخلط ،أو التدليس بينما وصف بعض الرواة بذلك ،كما اؤتمنت المرأة على حفظ النسخة الوحيدة للقرآن الكريم المصدر الأول والأساسي للتشريع ،وإضافة إلى أخذ الرسول صلى الله عليه بمشورة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية ،وأخذ سيدنا عمر رضي الله عنه برأي المرأة القرشية في مسألة تحديد المهور ،وقال قولته الشهيرة “أخطأ عمر وأصابت امرأة” ،فقد أخذ برأي المرأة في ولاية عثمان بن عفان رضي الله عنه للخلافة، كما كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تُفتي في زمني أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ،وكانت لها استدراكات على بعض الصحابة ،كما كانت أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحرث رضي الله عنها كانت تفتي أيضاً ،وعند محاجة نصارى نجران للرسول صلى الله عليه وسلم في طبيعة المسيح عليه السلام ،خرجت السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الرسول عليه الصلاة والسلام ،وولديها الحسن والحسين للمباهلة، وتولت السيدة عائشة رئاسة الوفد الذي ذهب إلى البصرة لإجراء الصلح بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما إثر مقتل عثمان رضي الله عنه ،وكما أشرتُ في الحلقة السابقة إلى بعض الولايات التي تولتها المرأة في العهدين النبوي والراشدي .
فبعد كل هذه المشاركات يأتي الدكتور باحارث بجرة قلم ينفي أي ولاية أو أية مشاركة سياسية للمرأة في العهديْن النبوي والراشدي !!!
أمَّا عن كتابة المرأة للوحي رغم معرفة بعض النساء للكتابة ،فالمعروف أنَّ الشفاء من بني عدي رضي الله عنها هي التي تعرف الكتابة ،وكانت تعلم النساء الكتابة ،ثمَّ أنَّ كتابة الوحي تتطلب أن يكون الكاتب على طهارة كاملة ،ومعروف أن طبيعة المرأة لا تجعلها كاملة الطهارة كل أيَّام الشهر ،ومع هذا فإن المرأة إن لم تُشرَّف بكتابة الوحي ،فقد شرَّفها الله أن تكون الأمينة على النسخة الوحيدة للقرآن الكريم .
وعدم تولي السيدة عائشة الخلافة ،مع أنَّها أهل لها ليس لأنَّ لا ولاية لامرأة ،وإنَّما يعود إلى أنَّ السيدة عائشة لها خصوصية خاصة بصفتها أم المؤمنين.
 إنَّ خصوصية أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن تبينها الآيات 30 – 33 من سورة الأحزاب ، فهن إن أتين بفاحشة يضاعف لهن العذاب ،وإن عملن عملاً صالحاً يضاعف لهن الأجر ،وليس لهن الزواج بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وعليهن القرار في البيت ،يقول تعالى : “ يَا نِساءَ النَّبي مَنْ يأتِ مِنكن بِفَاحِشةٍ مَُّبِيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسيِراً .ومَنْ يَقْنُتُ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعَمَلَ صَالِحَاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدَنا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً.يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مَّن النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعُ الذي في قلبه مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً . وَقَرْنَ فِي بُيوُتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجَنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيةِ الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِين الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إنَّما يُريد اللهُ لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرَّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَّكُمْ تَطْهِيراً” ،و في الآية 53 من السورة ذاتها ،يقول تعالى : “ … وإذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدَاً إنَّ ذلكمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً”
أمَّا القول بأن ارتقاء بعض النساء قمة الهرم السياسي ،فإنَّه لا يتعدى حوادث فردية شاذة قصيرة مستنكرة حصلت في زمن غفلة الأمة وخمولها ضمن ظروف سياسية واجتماعية خاصة ،هيأت لهؤلاء النسوة فرصاً للبروز السياسي عن طريق الخيانات السياسية والاحتيال ،أو عن طريق أحد المحارم بحيث ترث منه الملك، ولم يكن عن طريق اختيار الشعوب ورضاها”
فهذا ما سأبحثه في الحلقة القادمة إن شاء الله.

suhaila_hammad@hotmail.com
Join the discussion