الكلمة التي ألقتها الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد عام 1406هـ في حفل تكريم حافظات القرآن الكريم

الكلمة التي ألقتها الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد عام 1406هـ في حفل تكريم حافظات القرآن الكريم

الكلمة التي ألقتها الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد عام 1406هـ في حفل تكريم حافظات القرآن الكريم بالمدارس النسوية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة باعتبارها رئيسة لهذه المدارس ومساهمة في تأسيسها

بسم الله الرحمن الرحيم
   الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
  أمّا بعد… 
أيها الحضور الكرام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
  لستُ أدري ماذا أقول ؟ فالموقف الذي أقفه اليوم أكبر من الوصف ،وأعظم من الكلمات ؛ إذ أجد نفسي عاجزة عن التعبير عمَّا أشعر به ،وأنا أقف في موقف تحفُّ به الملائكة لأتحدث إلى جمع اجتمع من أجل سماع كلام الله ،والتدبر في كتاب الله ،والتزود من معينه ،والهدي بهديه ،ومثل هذا الجمع قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله ،يتلون كتاب الله ،ويتدارسونه بينهم إلاَّ نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة ،وذكرهم الله فيمن عنده ) رواه مسلم.
فأية قريحة أدبية ،وفصاحة بيانية ، وجزالة لُغوية تستطيع وصف ما أشعر به الآن ،وأنا أقف بين خير جمع اجتمع لأسمى هدف وأعظم غاية ،جمع غشيتهم الرحمة ،وحفتهم الملائكة ،وذكرهم الله فيمن عنده؟
 إنَّه شعور أمتلئ بالخشوع والرهبة ،واقترن بالبشر والغبطة ،وكيف لا ،وأنا أرى أمامي هذا الحشد الكبير من السيدات الفُضليات قد حضرن ليس من أجل المباهاة ،وإبداء مظاهر الترف ،ولا من أجل سماع الغناء ونغمات الطرب ،وإنَّما لسماع كلام الله ،والتزود بزاد التقى والهدى ،ومَّما زادني غبطة وسروراً ،تشريف حفلنا هذا سمو الأميرة سارة العنقري حرم صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز آل سعود أمير منطقة المدينة المنورة لتشاركنا فرحتنا بتكريم المتفوقات من حافظات كتاب الله اللائي سيستلمن جوائزهن هدية منها لهن بيديها الكريمتيْن عند نهاية هذا الحفل ،فيا سارة حقاً أنتِ سارة ،ويا سارة حقاً أنتِ بارة.
 سارة إذ أدخلت السرور إلى قلوبنا ،وقلوب أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا ،وبارة إذ بررت بنساء طيبة الطيبة ،وكنتِ قابلة منهن كل دعوة صادقة ،فقدمت ِ أهلاً وحللتِ سهلاً بين أهلك وأخواتك ،وباسم جمعية تحفيظ القرآن الكريم النسائية بالمدينة المنورة أرحب بك ،وبكل الحضور أجمل وأطيب ترحيب ،وجزاكن الله أيتها الحاضرات خير الجزاء على كل خطوة خطتها أقدامكن لحضور مجلسنا هذا ، مجلس العلم لتكريم أهل العلم.
ضيفاتنا الكريمات :
اسمحن لي أن أعطيكن فكرة موجزة عن مدارس تحفيظ القرآن للسيدات بالمدينة المنورة ،فكما يبدو لي أنَّ الكثيرات منكن لا يعرفن إلاَّ القليل عن هذه المدارس ، وربما فوجئ بعضكن بوجود مثل هذه المدارس في المدينة المنورة عندما استلم بطاقة الدعوة لحفلنا هذا ،فإليكنَّ قصة نشأة هذه المدارس.
 في سنة 1404هـ قدمت إلى المدينة المنورة سيدة فاضلة هي بحق نموذج للمرأة المسلمة المؤمنة التي نذرت نفسها لخدمة كتاب الله ،والعمل على نشر تعليمه ،والحث على تعلمه ،وهي السيدة الكريمة “نور بشناق” ؛إذ قدمت من أجل إنشاء مدرسة دار القرآن لتحفيظ القرآن الكريم للسيدات بالمدينة المنورة ،على غرار المدارس التي أنشأتها في الرياض وجدة ومكة مسقط رأسها ،وقد تعاونت معها مشكورة جمعية طيبة الخيرية النسائية ،وتبنَّت المشروع ،وتولت الإشراف عليه ،وأصبحت الجهة الرسمية المسؤولة عنها ،وعن ما أُنشئ من مدارس.
 وفي العام الذي يليه تبرع ثلاثة من أهل الخير بإنشاء مدارس أخرى هي :
1- مدرسة دار الإحسان بالحرة الشرقية .
2- مدرسة دار الهدى بقباء الطالع.
3- مدرسة دار التقى بخط الهجرة .
4- وفي مطلع هذا العام أُسستُ مدرسة دار الفرقان بمركز حمَّاد السكني التجاري بقربان ،ويبلغ مجموع عدد طالبات هذه المدارس  حوالي ستمائة طالبة من مختلف الجنسيات والفئات والأعمار والثقافات ؛إذ لا شروط للقبول على الإطلاق ،فتوجد الأميات والصغيرات ،وطالبات مختلف المراحل التعليمية من ابتدائية وإعدادية وثانوية ،وجامعية ،وتمثل السعوديات أقل نسبة من طالبات هذه المدارس مع أنَّه أحرى بهن الإقبال على مدارسة وتلاوة وتعلم كتاب الله ،لأنَّ بلدهن مهبط الوحي ،وقد كرّم الله العرب بإنزال كتابه بلغتهم ،فأقل شيء نعمله تجاه هذا التكريم أن تكون أكثر الناس إقبالاً على تعلمه ومُدارسته وتلاوته وتجويده ، ولكن للأسف الشديد فنحن كما قال تعالى في سورة الفرقان على لسان نبيه الكريم : ( وقال الرسول يا رب إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ) حقاً فلقد هجرناه فلم نتأدب بآدابه ،ولم نتخلق بأخلاقه ،ومعظمنا لم يمتثل لأحكامه وتشريعاته ،ولو التزمنا بها لما كانت حال الأمة الإسلامية التي هي عليها الآن.
لذا فإنَّ مدارس تحفيظ القرآن عليها رسالة كبرى ومسؤولية عظمى ،وهي غرس حب تعلم كتاب الله وحسن تلاوته وتجويده في نفوسنا لنغرس في نفوس الأجيال القادمة التي سنتعهدها بالتربية والتنشئة حب تعلم ،ومدارسة وفهم كتاب الله وتلاوته أناء الليل وأطراف النهار ليتحلوا بأخلاقه ،وليتأدبوا بآدابه ،لأنَّ من عاشر القرآن ولازمه ،وتخلَّق بأخلاقه ،وتأدب بآدابه ،وسار على نهجه لن يتسرب إلى قلبه حقد و  لا ضغينة، ولن ينطق لسانه كذباً ولا نميمة ،ولن يرتكب فاحشة ولا رذيلة ، وكيف لا وهو نور على نور فالمؤمن بنور القرآن ،ونور الإيمان يتقلب في خمسة من نور ،كلامه نور ،وعمله نور ، ومدخله نور ،ومخرجه النور ، ومصيره يوم القيامة إلى الجنة نور ، فمن يلازم هذا النور كلاماً وعملاً ومدْخلاً ،ومخرجاً تكون هذه حاله. 
  هذا ولكي نضمن استمرارية هذه المدارس وديمومتها ،وتحقيق أهدافها لابد أن ترتكز على قاعدة متينة صلبة ،تثبت بها كل العقبات ،وتصمد أمام كل المتغيرات ،فنحن القائمات على هذه المدارس لسنا بخالدات ،ولا أريد أن تموت هذه المدارس بموتنا أو بموت واحدة منا ،أو لأي ظرف آخر ،فلا أريد أن يكون مصيرها ،مثل مصير المدرسة التي أنشأتها في الرياض السيدة نور بشناق ،عندما كانت مقيمة في الرياض ؛إذ أُقفلت عند مغادرتها للرياض لعدم وجود من يشرف عليها ،وهذا ما حدث أيضاً للمدرسة التي أنشأتها جماعة تحفيظ القرآن بالمدينة المنورة ؛إذ أُقفلت عند سفر السيدة الأندونيسية ،التي كانت تشرف عليها ،لذا فأنا أقول إنَّ جماعة تحفيظ القرآن الكريم النسائية بالمدينة المنورة يجب أن تظل وتستمر سواءً كنا نحن عضواتها على قيد الحياة أو متنا أو سافرنا ، ومن أجل هذا كانت اتصالاتنا بالمسؤولين بالأمانة العامة لجماعات تحفيظ القرآن التابعة لجماعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للانضمام المباشر إليها باعتبارها جهة الاختصاص ،وذلك لنستطيع معها تحقيق طموحاتنا وأهدافنا التي ألخصها في النقاط التالية :
أولاً : أن تكون هذه المدارس نواة لمعهد عال للدراسات القرآنية تُدرس فيه العلوم القرآنية والإعجاز القرآني الفلكي والجغرافي والعلمي والطبي ،والتشريعي والتربوي ،والنفسي والاجتماعي واللغوي والبلاغي ، ويلتحق بهذا المعهد خريجات هذه المدارس ممن يحملن المؤهل الثانوي، أو والجامعي .
ثانياً : إنشاء مركز للبحوث والدراسات القرآنية.
ثالثاً إنشاء قسم للدراسات العليا للدراسات القرآنية ؛إذ الأحرى بنساء المدينة المنورة وفتياتها أن يكن العالمات الفقيهات ،ففي هذا البلد الطَّهر نزلت معظم آيات التشريع .
رابعاً : منح خريجات هذه المدارس شهادات معتمدة رسمياً يمكن أن يعملن بها في مدارس تحفيظ القرآن ،وفي مدارس الرئاسة العامة لتعليم البنات بعد أن يُصنِّف لها ديوان الخدمة المدنية المرتبة التي تناسب هذا المؤهل مع مراعاة المستوى العلمي لكل خريجة .
خامساً : نشر مدارس تحفيظ القرآن للسيدات في أحياء المدينة المنورة ،وضواحيها ،وقُراها.
سادساً : تحقيق الاكتفاء الذاتي من مدرسات القرآن الكريم.
  هذه باختصار شديد طموحات وأهداف جماعة تحفيظ القرآن النسائية بالمدينة المنورة ،وقد تتساءلن ما الذي تحتاجه هذه الجماعة لتحقيق ما تصبو إليه؟
في الحقيقة إنَّها تحتاج إلى :
1- الدعم المالي الثبات.
2- الإقبال على قراءة القرآن الكريم وحفظه ونعلمه وتعليمه ” خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه” ،هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  فبالدعم المالي نستطيع مواصلة الطريق ،فنحن الآن لسنا بحاجة إلى التبرع بشقة لإنشاء مدرسة ؛إذ تكرَّمت الرئاسة لتعليم البنات مشكورة بالسماح لنا بإنشاء مدارس في مباني مدارسها لأنَّ الدراسة في مدارس القرآن دراسة مسائية ،وإنَّما تحتاج إلى الدعم المالي السنوي الثابت، فالمدارس في حاجة إلى دعمكن لتحقق أهدافها، شمرًا على حضوركن ،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



Join the discussion