حقوق المطلقات الضائعة!

حقوق المطلقات الضائعة!

حقوق المطلقات الضائعة!

د. سهيلة زين العابدين حمّاد
    ملحق الأسرة بمجلة المستقبل
من الظواهر الاجتماعية المؤسفة ازدياد نسبة الطلاق ومشاكله في الآونة الأخيرة ،وهذا ـ في رأيي ـ يرجع إلى عدة عوامل منها:
-عدم إعداد أبناء وبنات هذا الجيل للحياة الزوجية الإعداد الجيد ،فالفتاة تكون مشغولة بالدراسة ،وفي الغالب تتزوج قبل إتمام دراستها الجامعية على أن تكملها بعد الزواج ،فهنا الفتاة لم تكن مهيأة لتحمل مسؤولية الزوج ،والبيت والأولاد ،فهي متعودة على أن يقدم إليها كل شيء جاهزاً من طعام وملابس ،وترتيب غرفتها …الخ ،وفجأة تجد نفسها مسؤولة عن نفسها وعن زوجها ،وعن ابنها إن أنجبت ،إضافة إلى انشغالها بالدراسة ،فتحدث مشاكل بين الزوجين قد تنتهي بالطلاق ،وتصبح مطلقة وهي ابنة العشرين ،أو لم تكن قد بلغت العشرين بعد. والمطلقات في هذه السن كثر في هذه الأيام للأسف الشديد .
أمَّا بالنسبة للأبناء ،فمنهم من يكون مستهتراً لا يقدِّر الحياة الزوجية، ويريد من زوجته أن تكون مثل مذيعات بعض القنوات الفضائية، ومنهم من يكون ملتفاً حوله قرناء السوء وقد ينزلق في هاوية المخدرات ،ومنهم من يسئ فهم القوامة فيعطيها مفهوم الاستعباد والاسترقاق ،وهناك من الأزواج من يسيئون إلى زوجاتهم بالضرب ويقولون الله عزّ وجل قال “واضربوهنَّ “وهم هنا لم يستخدموا هذا الحق في محله ،ولم يفهموا معنى الضرب ،فالضرب لا يكون إلاَّ في حالة امتناع الزوجة عن زوجها في حقه في معاشرتها ،والآية الكريمة واضحة إذ يقول جلَّ شأنه في الآية 34 من سورة النساء: ( واللاتي تخافون نُشُوزَهُنَّ فعِظوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المضَاجِعِ واضْرُبُوهُنَّ فإنْ أطَعْنَكم فلاَ تبْغوا عَلَيْهِنَّ سبِيلاً إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيَّا كَبيرَاً)،ومعنى قوله تعالى (واللاَّتي تَخافُونَ نُشُوزهُنَّ فَعِظُوهُنَّ )أي إذا نشزت الزوجة عن فراش زوجها يقول لها: اتقي الله وارجعي إلى فراشك ،فإن أطاعته فلا سبيل له عليها. فإن أبت هجرها في المضجع ،فأن أبت ضربها، والضرب هنا لا يكون ضرباً مبرّحا ـ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية (اضربوهن إذا عصينكم في المعروف ضرباً غير مُبرَّح)وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له :يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر ؟قال: ( حرثك فأت حرْثك أنَّى شِئت ،غير أنْ لا تضرب الوجه ولاَ تُقَبِّح ولا تهجر إلاَّ في البيت ،وأطعم إذا طَعِمت واكسُ إذا اكتسيْت ؛كيفَ وقد أفضى بعضُكُم إلا بعض إلاَّ بما حلَّ عليها ) والضرب غير المبرَّح يكون كالخبط على اليد مثلاً ،ولكن الذي نسمعه عن ضرب الزوجات غير ذلك البتة ،فمنهم من يضرب ضرباً مبرّحاً لأتفه الأسباب، فمن تلك التي  تقبل على نفسها أن يصفعها زوجها على وجهها ،أو يقذف بها على الطاولة أو “البانيو”، إذا لم يعجبه الطعام ، أو لم يعجبه كي الثوب أو الشماغ؟؟ 
فحدَثٌ مثل هذا يحدث شرخاً كبيراً في العلاقة الزوجية يؤدي إلى الطلاق ،لأنَّ المرأة قد تتحمل كل شيء إلاَّ أن تُمسُّ كرامتها، وامتهانها وضربها  أكبر إهانة لها.
فعدم إدراك كل من الزوجين حقه على الآخر، عدم تهيئة الزوجين للحياة الزوجية ،وعدم إدراك الزوج لحقوق المرأة في الإسلام ،وفهمه الخاطئ لبعض حقوقه ولبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ـ في رأيي ـ من أهم أسباب ازدياد نسبة الطلاق في مجتمعنا في الآونة الأخيرة، ووجود هذا الكم الهائل من المطلقات من بنات لم يبلغن سن العشرين بعد ،وهذا يرجع إلى قصور في التربية الأسرية ،وفي مناهج التعليم ،وفي المؤسسات الاجتماعية والإعلامية ،وسبق وأن اقترحت أن تقرر مادتي مكانة المرأة في الإسلام ،والأسرة المسلمة على البنين والبنات في المرحلة الثانوية أو نجعلها من ضمن مادة الثقافة الإسلامية المقررة في الجامعات في جميع  التخصصات حتى يتم بناء أسرنا الجديدة بناءً سليماً لا يهددها شبح الطلاق  .
المهر المؤجل
  يرى البعض أنَّ تأجيل المهر كمؤخر حلاً للحد من الطلاق ،وأنا لا أتفق مع هذا الرأي ،لأنَّ ذلك قد يدفع بالزوج إلى التنكيل بزوجته وتعذيبها للتنازل عن كل حقوقها ،لذا نجد الفقهاء الأربعة وإن اختلفوا في كون المؤجل كل الصداق أو بعضه بغرض التسهيل ،فلقد أجمعوا على ضرورة تحديد مدة التأجيل عند عقد الزواج ،فلا تكون مجهولة ،وقد استدلوا بذلك على تحديد سيدنا شعيب عليه السلام مدة تأجيل مهر ابنته ما بين ثمان وعشر سنوات عندما زوَّجها من سيدنا موسى عليه السلام ،وإن كان دفع المهر معجلاً هو الأصل في الشريعة الإسلامية ،وهو الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ،وصحابته رضوان الله عليهم.
الغلو في المهر للحد من الطلاق
  كما يرى البعض أن ارتفاع المهر قد يحد من الطلاق نبأن يجعل الرجل يفكر أكثر من مرة قبل أن يقدم على هذه الخطوة ،وأنا لا أرى في هذا حلاً ،وإنَّما تعقيداً للحياة الزوجية ،لأنَّ الزوج الذي يريد أن يطلق زوجه ،ويقف ارتفاع مهرها حائلاً بينه وبين طلاقها ،سيؤدي إلى كثرة الخلافات بينهما ،وقد يتشاجر معها لأتفه الأسباب التي يفتعلها ،فينشأ الأولاد في بيت يسوده التوتر ،وتكثر فيه المشاحنات ،ممَّا يؤثر على نفسياتهم ،وقد تتكون فيهم عقداً نفسية تؤثر على سلوكياتهم مع الآخرين ،كما تؤثر على تحصيلهم العلمي ،وعلى قدرتهم الإنتاجية  ،إضافة إلى سوء الحالة النفسية للزوجين ،وهذا ينعكس على صحتهما ،وعلى عمليهما.
والذي أراه أنَّ حسن الاختيار القائم على أسس سليمة قائمة على التوافق الفكري والثقافي والتكافؤ الاجتماعي  ،وإعداد الزوجين لتحمل مسؤولية الزواج والأولاد إعداداً سليماً من أهم عوامل الحد من الطلاق.
أسباب ضياع حقوق المطلقات
أمَّا عن حقوق المطلقات الضائعة ،فهذا مرجعه في المقام الأول في رأيي إلى نظرة الرجل الدونية للمرأة ،فهو لا يقر بأهليتها الحقوقية المالية ، رغم أنَّ الإسلام أعطاها هذا الحق دون الشرائع والأديان الأخرى ،ولها أن تتصرف في مالها كما تشاء في حدود ما أباحه الشرع دون أخذ إذن أحد ،والمجتمع للأسف الشديد يحرم المرأة من أن تكون قيِّمةً على مالها ،إذ يلزمها أن توكل رجلاً ليباشر أعمالها وأموالها، وفي الغالب تكون فريسة سهلة لهذا الوكيل الذي يحتفظ بجُلِّ مالها لنفسه ولا يعطيها سوى القليل بعد استجداء واستعطاف وكأنَّه يجود عليها بماله الخاص ،وهذا ليس من الإسلام بشيء فإن كان الإسلام أعطى المرأة حق نظارة الوقف أي مباشرة أموال الغير أليس من باب أولى أن تكون قيِّمة على مالها؟
فبعض الرجال ـ وهذا البعض ليس بقليل للأسف الشديد ـ يستكثر على المرأة زوجة كانت أو أختاً أو ابنة أو عمة أو خالة ،أو بنت أخ أو بنت أخت أن تكون ذات مال ،فإن كان وكيلها ،فيقتر عليها ،ولا يعطيها كامل حقها ،فهل ننتظر  أن يعطي الرجل مطلقته حقوقها المالية؟ 
فالخطأ كما قلت يرجع إلى قصور التربية الأسرية في المقام الأول ،فالأسرة لم ترب أبناءها الذكور على احترام حقوق أخواتهم الإناث، وإعطائهن هذه الحقوق وحمايتها والحرص عليها ومراقبة الله في تعاملهم معهن  ،في حين تربي بناتها على التنازل عن هذه الحقوق ،فمن العيب كل العيب أن تطالب المرأة بحقها ،ولا تجرؤ أن تلجأ إلى القضاء إن واجهها اعتداء على حقوقها ،أو إن فقدت هذه الحقوق، فكثيراً من النساء سلبت منهن أموالهن من قبل أقاربهن سواءً كانوا أخوانهن أو أزواجهن  أو أعمامهن أو أخوالهن ،ولم يجرؤن على المطالبة بها عن طريق القضاء ،مما يزيد من تفاقم هذه المشكلة ؛إذ لم يوجد رادع لهؤلاء يردعهم .
والسكوت على المطالبة بالحقوق يتنافى مع التربية الإسلامية ،وما تتمتع به المرأة المسلمة من شخصية قوية في الثبات على الحق والمطالبة به ،فها هي الفتاة التي ذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لتشكو له أباها عندما زوجها من ابن عمها دون رضاها قائلة للرسول عليه الصلاة والسلام إنَّ أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته ،فذكر لها الرسول أنَّ من حقها أن يلغى عقد هذا الزواج ،فأقرت ما فعل أبوها وقالت إنَّما أردتُ أن أبين للنَّاس  أنّه ليس للآباء من أمر بناتهم شيئاً ،أي ليس لهم تزويج بناتهم دون رضاهنَّ.
وهاهي أم هانئ رضي الله عنها  أخت سيدنا علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه ذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لتشكو له أخاها سيدنا علي عندما أراد قتل من أجارته ـإذ أعطى الإسلام المرأة حق إجارة المحارب ـ قائلة له هذا ابن أبي وأمي يريد قتل من أجرته ،فسألها الرسول صلى الله عليه وسلم عمن أجارته ،فسمته له ،فقال لها عليه الصلاة والسلام قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ،مقراً بذلك إجارتها .
فالمسؤول عن ضياع حقوق المرأة المالية بصورة عامة الأسرة والمجتمع ،وسلبية المرأة التي تربَّت عليها ،ولم تستطع التخلص منها لعدم تقبل مجتمعها الجهر بالمطالبة بها ،فتعيش في قهر وغبن لضياع حقوقها وعجزها عن المطالبة بها . 
الحقوق المالية الشرعية للمرأة المطلقة
أمَّا عن الحقوق المالية للمطلقة فهي إضافة إلى ما هو مكتوب في عقد الزواج ،لها الآتي:
-لزوم المعتدة بيت الزوجية :يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية إلى أن تنقضي عدتها ،ولا يحل لها أن تخرج منه ،ولا يحل لزوجها أن يُخرجها منه ولو وقع الطلاق ،وهي غير في بيت الزوجية ،وجبَ عليها أن تعود إليه بمجرد علمها به لقوله تعالى في الآية رقم 1 من سورة الطلاق : ( يَا أَيُّها النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوُا العِدَةَ واتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)
-لقد اتفق الفقهاء  على أنَّ المطلقة طلاقاً رجعياً تستحق النفقة والسكنى طوال عدتها  ،واختلفوا في المطلقة طلاقاً بائناً لا رجعة فيه ،فقال أبو حنيفة لها النفقة والسكنى مثل المطلقة الرجعية لأنّها مكلفة بقضاء مدة العدة في بيت الزوجية ،فهي محتسبة لحقه عليها، فتجب لها النفقة ،وتعتبر هذه النفقة ديناً صحيحاً من وقت الطلاق ،ولا تتوقف على التراضي ولا قضاء القاضي ،ولا يسقط هذا الدين إلاَّ بالأداء أو الإبراء. وقال الإمام أحمد :لا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس : أنَّ زوجها طلَّقها البَتَّة ،فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم (ليس لكِ عليه نفقة)وقال الشافعي ومالك : لها السكنى بكل حال ولا نفقة لها إلاَّ أن تكون حاملاً ،لأنَّ عائشة رضي الله عنها وابن المسيب أنكرا على فاطمة بنت قيس حديثها ،قال مالك سمعتُ ابن شهاب يقول : المبتوتة ـ أي المطلقة طلاقاً بائناً لا رجعة فيه ـ لا تخرج من بيتها حتى تحل ،وليست لها نفقة ،إلاَّ أن تكون حاملاً فيُنفق عليها حتى تضع حملها . وعدة الحامل إلى أن تضع حملها .
_للأم حق حضانة صغيرها إن كانت أهلاً لذلك ،ومادامت غير متزوجة  لقوله صلى الله عليه وسلم (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) ،
-وعلى الأب أن يدفع للأم أجرة الرضاع وأجرة الحضانة إن طلبت ذلك لقوله تعالى في الآية 6 من سورة الطلاق : ( فأنْفِقوا عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى.)
-وعليه أيضاً أن يؤمن السكن للأم الحاضنة إن لم يكن للأم مسكن مملوك لها تحضن فيه الصغير، وعليه أن يدفع أجرة مرضعة   إن احتاج ابنه إلى مرضعة ،وعليه أيضاً أن يدفع أجرة خادمة لابنه أن احتاج إلى خادمة ولم تستطع الأم خدمته.
-هناك بعض الزوجات يسهمن بأموالهنَّ الخاصة في بيوت قد اشتراها أزواجهن  ،ولكن يكتبون هذه البيوت بأسمائهم ،وعندما يطلقوهن تضيع حقوقهن ،ولا ترد لهن أموالهن إلاّ من يخشى الله منهم ،ويرد لهنَّ أموالهنَّ. 
هذه باختصار حقوق المطلقة ،وأغلب المطلقات لا يحصلن على هذه الحقوق لتفريطهنَّ فيها من جهة بسبب التربية والضغوط الاجتماعية التي يتعرضن لها  ،ولضعف الوازع الديني لدى المطلقين، ولعدم احترامهم لحقوق المرأة وأهليتها الحقوقية المالية ،وهذا ناتج أيضاً عن قصور التربية، ولجهلهم بحقوق المرأة في الإسلام.
قد يجد كلامي هذا اعتراضاً شديداً من بعض القراء من الرجال ،ولكن أقول لكل معترض  قبل أن تعترض راجع نفسك  ،وأنظر كيف تعامل أمك وزوجك وأختك وابنتك، وهل أنت بالفعل تعطيهن كامل حقوقهن المالية؟ وهل تعترف بالأهلية الحقوقية المالية لهن؟ ،وإن كنت من المنصفين الذين يخافون الله ويخشونه ، فانظر حولك ،هل جميع أقاربك وأصدقائك منصفين عادلين مثلك أم لا ؟وهل يعترفون بهذه الأهلية للمرأة أم يعاملونها كأنّها قاصر ،بل أقل من القاصر فالقاصر يحفظ ماله إلى أن يبلغ سن الرشد ،ويكون حارس قضائي عليه بينما المرأة تؤخذ أموالها من قبل وكلائها ،ولا تُردُّ لها.
أنا واثقة تماماً لو قام بهذه الوقفة سيتفق معي في ما ذهبت إليه.
                                                                        
 suhaila_hammad@hotmail.com 
    
Join the discussion