التسطيح الإعلامي لوعي المرأة

التسطيح الإعلامي لوعي المرأة

الأربعاء 1 ربيع الآخر 1431 ـ 17 مارس 2010 العدد 3456 ـ السنة العاشرة  
أميرة كشغري 
التسطيح الإعلامي لوعي المرأة 
جريدة الوطن في 17 مارس 2010م.
يقوم الإعلام بدور فاعل ومهم في التأثير على وعي المرأة بذاتها أولاً ثم بقضاياها وحقوقها التي مازالت تتأرجح بين مؤيد ومعارض

. وتشكل البرامج الإعلامية الخاصة بالنساء في الإعلام المرئي دوراً أكثر أهمية خاصة وأنها تصل إلى عدد كبير من النساء وشرائح متباينة في المستوى التعليمي والاجتماعي. واحد من هذه البرامج لفت نظري هو برنامج “كلام نواعم” الذي يعتبر برنامجاً خاصاً بالأسرة العربية عامة والمرأة على وجه التحديد.
ومع الأسف فإن حلقة كلام نواعم الأخيرة لم تكن تمثل تقدماً في مجال دعم الإعلام لرفع وعي المرأة. فقد شهدت تلك الحلقة جدلاً فقهيا بين الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد الكاتبة والناشطة السعودية المهتمة بقضايا المرأة، والشيخ عبدالله الجفن أستاذ الثقافة الإسلامية، حول علاقة الرجل والمرأة في الإسلام. بالطبع لا إشكالية في أن تثير مثل هذه الموضوعات قضايا جدلية قد لا يتفق عليها الجميع. لكن ما هو مؤسف ومحزن أن تنبري المرأة وهي مقدمة لهذا البرنامج في الدخول في جدل لا يخدم قضية المرأة ولا يقدم صورة واعية لنضج المرأة في مناقشة مثل هذه القضايا، بل يسيء إلى القضية نفسها ويعيدنا إلى نقطة الصفر.
ناقش البرنامج عدة قضايا خاصة بالمرأة في الإسلام مثل قضية القوامة والميراث وزواج القاصرات وغيرها من القضايا الفقهية المتعلقة بشؤون المرأة في المجتمع. وفي الوقت الذي أبدت فيه الدكتورة سهيلة حماد وهي باحثة وعالمة في قضايا التاريخ والفقه الإسلامي، وعياً وعمقاً معرفياً بقضايا التراث ونصوص القرآن والأحاديث لم تتمكن مقدمات الحلقة من فهم ما عرضته الدكتورة سهيلة، فقمن إما بالتعليق السطحي على ما أوردته الدكتورة من أحاديث أو بمهاجمتها بشكل فج من منطلق أن المرأة هي المقصرة والمطالبة بتقديم التنازلات والرضوخ لما يمليه عليها الزوج من باب الطاعة. ورغم أن الشيخ ذاته أبدى مرونة وتفهماً جيداً لمقتضى الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة في الزواج، إلا أن مقدمات البرنامج بدين وكأنهن قد وقعن لا شعورياً تحت تأثير تصورات مسبقة عن مداخلات الشيخ ووجهات نظره فيما يطرحه من آراء، و فشلن في استثمار نقاط الالتقاء أو تسليط الضوء المعرفي على نقاط الاختلاف، وبدين وكأنهن لم يستوعبن النقاط الإيجابية فيما قاله الشيخ أو في ما قالته الدكتورة سهيلة. 
واحد من المواضيع التي ناقشها البرنامج هو موضوع القوامة الذي أكدت الدكتورة سهيلة أنها لا تعني ما يفهمه الرجل في مجتمعنا من وصاية وتسلط وأمر على المرأة، بل يعني أن الرجل قوّام على المرأة، أي “يقوم على تلبية طلباتها”. وانبرت إحدى مقدمات الحلقة بالهجوم على الدكتورة سهيلة مؤكدة أن المرأة لا بد أن تعطي الرجل ما يستحقه مقابل ما يقوم هو به لها من خدمات، متجاهلة المغزى والمعنى الحقيقي لما عنته الدكتورة سهيلة في موضوع القوامة. وأكدت الدكتورة سهيلة أن الأحاديث التي تقول بأن الرسول تزوج عائشة وهي بنت 9 سنوات موضوعة، منددة بزواج البنات الصغيرات؛ مستدلة على ذلك شرعاً بأنه يتنافى مع وصف الله للزواج بأنه “مودة ورحمة”، كما أنه يضرّ بصحة الصغيرة وقد يقتلها، كما أنه يكون عاجزاً عن أداء واجباته الزوجية، حين تنضج هي. وكان جل ما سمعناه من تعليق إحدى المقدمات على هذه النقطة هو أن هذا “ناسخ ومنسوخ”، مما يدل على جهل أيضاً باستخدام المصطلحات.
 وعندما فندت الدكتورة سهيلة أحكام الطلاق المستندة إلى عدم الكفاءة بين الزوجين؛ مؤكدة أنها أيضاً تستند إلى حديث موضوع، وطالبت الفقهاء والعلماء بغربلة كتب التراث؛ مؤكدة أن يد المستشرقين طالتها بإدخال ما ليس فيها لم تستطع أي من مقدمات البرنامج استكمال النقاش أو التعليق على هذه النقطة المفصلية والمؤرقة التي يعيشها مجتمعنا، لينتهي البرنامج بتعليق من إحدى المقدمات مبتهجة ومهللة وكأن اللقاء كان “خناقة” بين الدكتورة سهيلة والشيخ الجفن.
   ما أراه مؤسفاً حقاً هو أن تكون المرأة هي ذاتها من يخذل المرأة التي تعرض قضاياها وتدافع عنها بعمق ووعي معرفي. يبدو أن المرأة المثقفة أو المتثاقفة، بدأت هي أيضاً تتشبع بما روجته العادات والتقاليد وبمقولات التراث لتعيد إنتاجها دون وعي أو مراجعة وبعيداً عن نقد الثقافة السائدة التي أنتجت هذا المنظور السطحي لقضايا المرأة والأسرة. فبالرغم من أن مقدمات البرنامج يعتبرن من النساء المثقفات والواعيات إلا أن درجة وعيهن لم تصل في تلك الحلقة إلى مستوى يؤهلهن للدخول في نقاش موضوعي معمق دون انعكاس لتشوهات النظرة الذكورية على منظورهن. كان من الأجدر أن تنخرط مقدمات البرامج الحوارية في مراجعة كتب التراث التي أشبعتها الدكتورة سهيلة بحثاً وتحقيقاً وغربلة قبل أن يتصدين لعرض آرائهن التي لم تساعد إلا في تسطيح الوعي النسائي الإعلامي. وأتطلع إلى أن ترقى برامج الأسرة في قنواتنا الإعلامية إلى مستوى يليق بتطلعاتنا نحو التأسيس لمجتمع تسوده القوانين المبنية على المعرفة لا على الجهل والتسطيح. 
http://www.alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=3456&id=18348&Rname=64

Join the discussion