يا قلم !!!!(1)

يا قلم !!!!(1)

 يا قلم !!!!(1)
سهيلة زين العابدين حمّاد
ملحق الندوة الأدبي : الأحد 27 محرم 1408هـ العدد 8684
أيهذا القلم مالي أراك حزيناً غاضبا ،تحجم عن التسطير وأنت المسطر؟!!
يا عدة الكفاح والجهاد !! يا رفيق الحياة وزاد الآخرة!!
يا من اقترن باسمي ما تخطه ريشتك ،ويرسمه مدادك!!

لمَ أنت اليوم خازلي ،فكلما أمسكتُ بك أجدك تفلتُ من بين أناملي ،فتسقطُ على الورق رافضاً الكتابة؟
 الأفكارُ تزدحم في رأسي والدموعُ تنهمر من عيني لتكون مداداً أملأ به جسدك بعدما أنزفت الجراحُ ما بك من مدادٍ فشحَّ ونضب لتعودَ إليك الحياة من جديد فتعاود الكتابة ،ولكن … باءت كل محاولاتي بالفشل ،وأبيتَ الكتابة ،وظلَّتْ أوراقي بيضاء خالية ممَّا للسطورِ من أثر، بينما الأفكار لا تزالُ تبحثُ عنْ منفذٍ لها بين السطورِ علَّها ترى من خلالها النور.
يا عدة الكفاح والجهاد !! يا من أدَّخِره ليوم الحساب!! 
 هل أسأتُ إليك؟ 
هل خُنتُ أمانتك؟
  يعلمُ اللهُ خالقي أنَّني منذُ وضعتُك بين أناملي ،قد عاهدتُه أن تكونَ عدتي في جهادي ،فأنت سيفي الذي بوساطته أحارب الباطل في سبيل الحق لإعلاءِ كلمة الله الحق ،ويشهدُ على هذا ما خطَّتُه يدي بك ،فابحث عن سطوري ،تفحص كلماتي ،نقِّبْ عن مؤلفاتي، ستجدني قد حافظتُ ـ بفضل من الله ـ على أمانتِك ،وجاهدتُ في سبيلِ الحفاظِ عليها ،ولن أتخلى عنها ولو كان الثَّمَنُ حياتي.
يا عدة الكفاح والجهاد !! يا رفيق الدَّرْبِ في هذه الحياة!!
لمَ أنتَ مُعَذِّبي ،وأنا أجدُ السعادةَ كلَّ السعادةِ معك ،فتؤخرني أيُّها الرفيق  عن مواصلةِ الطَّريق ،وأنتَ تعلمُ أنَّني في سباقٍ مع الزَّمن .
  أجل فأنا في سباقٍ مع الزمن ،أريدُ أنْ أُدوِّنَ أكبرَ قَدْرٍ ممَّا أحملهُ في داخلي قبلَ أنْ تفيضَ الرُّوحُ ويفنى الجسد ،لا أريدُ أن ألقى وجهه الكريم وقد كتمتُ علماً ممَّا علَّمني إياه ،فحتى هذه اللحظة لمْ أُدوِّنْ إلاَّ القليل ممَّا أحملُ من علمٍ ضئيلٍ ،إذ لا يزالُ في داخلي الكثير الكثير..
  فهل تريدني يا أعزّ من الرُّوحِ أنْ أُلْجَمَ بلجامٍ من نار ساعة الحساب ؟ 
 لقدْ أضعتَ من عمري الآن ثلاثة أشهر ،مضتْ عليَّ وكأنَّها قرنٌ من الزَّمانِ؛ إذ أحسستُ بالشيخوخةِ والهرمِ قد تملَّكا جِسمي بعد ما مزَّق أحشائيَ الألم!
كيف لا أتألم وأنا أرى الذين خانوا أمانتك ،وأساءوا استخدامَك قد غدا لهم الحماةُ والأنصار؟؟؟
كيف لا أتألم وأنا أرى للباطلِ مناصِرين ومُؤِّيدين ،وللحقِّ مخْرِسين ومُسْكِتين؟؟؟
كيف لا أتألم ،وأنا أرى الإسلامَ يُحاربُ من بني الإسلام ؟!! 
 أنتَ يا قلم ! سلاح ذو حَدَّيْن : أحدُهما يبني  ،والآخرُ يهدم ،يهدمُ أساس الإنسان عقيدته وفكره، وإذا هدم فهو يهدم هذا الأساس ليدمرَّ معه كلَّ شيءٍ،فتنهارُ المبادئ والقيم ،ولا يبقى من إنسانيةِ الإنسان وآدميتهِ إلاَّ أطلالاً ،وما أكثر الذين استخدموا حدَّك الهدَّام فجعلوا معظم بني الإنسان أتباعاً لهم يُروِّجونَ لهم ما يكْتُبون ،ويُردِّدُون كالببغاواتِ ما يقولون دون وعيٍ أو إدراك ، فغدت أقوالُ الهدَّامين هدياً ونبراساً للتابعين ،بل هي العقيدة التي يدافعون عنها دفاع المستميت!
 يا عدة الكفاح والجهاد …يا من وهبْتُه زهرةَ العمرِ والشباب!! 
 ما سرُّ موقفك هذا معي ؟؟ 
 لماذا ترفضُ مواصلةَ الطريقِ برفقتي؟؟
  ما الذنبُ الذي اقترفتُه في حقك؟؟
  ألكوني استخدمتُ حدَّك البنَّاء لأقهرَ به ذاك الحدَّ الهدَّام الآخذ في الزِّيادةِ والانتشار ،وقد جعلَ من الحقِّ باطلاً ،والباطلِ حقاً ؟!! 
 ألكوني أردتُ الاسهامَ في تصحيحِ مسارِ الفكرِ وتنقيتهِ من شوائبِ البدعِ والشِّركِ والإلحاد؟!!
 أجبني يا قلم !! استحلفُكَ بالذي أقسمَ بك ،وبما تسطِّرُه ،وإنَّه لقسمٌ جدُّ عظيم أنْ تُجبني ؟! فافصِحْ لي بربِّك عن السَّبَبِ ،فقد أعياني كثرةُ التفَّكيرِ بالتعب !!
  منْ قال لكَ إنَّني قد تخليتُ عنكَ ،ورفضتُ السَّيرَ معك ؟ 
 أنا ـ يا فكر ـ معك طالما فيكَ عِرقٌ ينبضُ ،وعقلٌ يُفكّر ،ولكنك أسأتَ فهمي ،وما حدثَ منَّي ـ في الآونِة الأخيرة ـ ما هو إلاَّ حمايةً لك من كُلِّ امتهان ،فما أبيتُ لك الكتابة ،ولكن .. أبيتُ لك الضيْم !!
  إنَّ الفكرَ يجبُ أن يُكرمَ ولا يُمْتَهَنَ صاحبُهُ ،ولا يُهان، لقد كرَّم اللهُ ابن آدم ،وميَّزَّه بعقلهِ وفكرهِ عن سائرِ المخلوقاتِ ،فأرقى ما في الإنسانِ فكره ،وإذا أُمْتُهِنَ أرقى ما فيه ماذا بقي له؟؟ 
  وكيف إذا كان هذا الفكرُ فكراً إسلامياً يُجاهدُ في سبيلِ إعلاءِ كلمةِ الحقِّ؟
  لذا رفضتُ ـ في الآونةِ الأخيرة ـ التجاوبَ معك ،لأنَّني لا أريدُكَ تسطِّر بي كلمةً واحدةً ، وأنتَ مطعونٌ في كرامتِك ،مكلومٌ في عزِّتِك .
 أو تعلم لقد أنزفتُ مدادي عمداً لتجفَّ ريشتي فلا تتمكنُّ من الكتابةِ بها؟ !!
 أو تعلمُ فلقد لا مست ريشتي دموعَ العيْنِ ،ولكنَّها رفضتْ أنْ تجعلَ منها مدادا، فالدُّموعُ مدادُ الضُّعفاءِ ،والفكرُ الإسلاميُّ ليس بضعيفٍ ،إنَّهُ قويُّ بالحقِّ فلاَ يَكْتبُ إلاَّ بِمدادِ الأقوياءِ.
وهل تراني يا قلم قد استسلمتُ ورضيتُ بالامتهان ؟
 لا ورب العزِّة لمْ أرضْ بهِ مهما كانَ الثَّمنُ غالياً ،إنْ كانَ يرْضى بهِ أيُّ فكرٍ ،ولكنَّ الفكرَ الإسلامي يأبى كُلَّ ضَيْمٍ وامتهان ؛ إذْ كيْفَ يَرْضى بالذُّلِّ والضَيْمِ ،وهو الذي يسعى إلى تحريرِ الإنسانِ مِنْ ذُلِّ التبعيةِ والاستعبادِ ؟ 
 العبوديةُ للهِ وحدهُ الواحد القهَّار ،وليسَ لماركس ولينين وسارتر وغيرهم من أذنابِ الشَّيطان.
  أنا يا فكر وكرامتُك توأمان لا نفترقان ،وهاهي كرامتك قد أعيدت إليك ،وها أنا ذا قد عدتُ معها !
 تدركُ يا قلم إنَّ الطريقَ التي سنسلكها معاً طريقٌ جدُّ شاقة وطويلة ،طريقٌ وعِرة ليست ممهدة ؛إذْ سنواجهُ تياراتٍ عنيفة وقوية ،لأنَّنا سنسيرُ في اتجاهاتها المضادة .
  تدركُ يا قلم أنَّ حدَّكَ الهدَّام قد غلبَ حدَّكَ البنَّاء فعمَّ العالمُ الخرابَ والدَّمار والإرهاب وسفك الدِّماء ،وما خلاصُ العالم إلاَّ بغلبةِ حدِّكَ البنَّاء ؛ إذْ به يُقَوَّمُ كُلُّ اعوجاجٍ ،ويُصحَّحُ كُلُّ انحرافٍ ،ويُقَاومُ كُلُّ إلحادٍ ،فَيَعُمُّ الإيمانَ العقول والقلوب والنُّفوس ،وتعودُ للإنسانِ إنسانيتُه وآدميتُه ،فلنُعاودُ معاً مسيرة البناء يا عدة الكفاح والجهاد!!!
…………………………………
(1) كتبتُ هذه الخاطرة بعدما تمكّن أنصار الأستاذ توفيق من توقيف نشر الحلقات الأخيرة من بحث ” فكر توفيق الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي الذي نشر على حلقات على مدى ثلاث سنوات، وذلك بعد عجزهم عن الرد عليّ، وعندما علمتُ بذلك كتبتُ هذه الخاطرة ، وبعد نشرها أُعيد نشر باقي البحث إلى نهايته. 





Join the discussion