معاركي الأدبية مع المعارضين لحقوق المرأة السياسية

معاركي الأدبية مع المعارضين لحقوق المرأة السياسية

معاركي الأدبية مع المعارضين لحقوق المرأة السياسية

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

تنويه

بمناسبة حصول المرأة السعودية على حقوقها السياسية ،وحق المشاركة في الحياة العامة بقرارات من خادم الحرمين الشريفيْن الملك عبد الله ــــ حفظه الله وأيّده بنصر من عنده ـــ أهدي قراء المدونة وقارئاتها كتاب ” الخطوط الحمراء ” “رؤية جديدة للحقوق السياسية للمرأة في الإسلام”، وسيتم تحميله ـــ إن شاء الله ــــ في المكتبة اليكترونية بالمدونة قريبًا ــ.

وأقدّم بهذه المناسبة أيضًا ردي على المعارضين لحقوق المرأة السياسية ، فعندما ناقشتها ــ قبل عدة سنوات ــ في أحد البرامج الفضائية قال أحد مشايخنا عني ” أنّي أفتح أبواب جهنّم “؛ إذ كان الحديث عنها في مجتمعنا السعودي ــ آنذاك ــــ من الخطوط الحمراء ، وكتبتُ سلسلة مقالات في ملحق الرسالة الصادر عن جريدة المدينة المنورة على حلقات في الفترة من 26/4إلى 26/5/1423هـ الموافق 7/7 إلى 5/8/2002م، وكان يُشرف عليه آنذاك الأستاذ عبد العزيز قاسم ، الذي قال لي عندما قرأه :”ستجدين معارضة شديدة ، قلتُ له أنا على أتم الاستعداد لمحاورة المعارضين، لقوة مالي من أدلة وحجج وبراهين ، وبالفعل واجهتني معارضة شديدة، بدأها بعض تلامذة لبعض مشايخنا، ثمّ كتب فضيلة الشيخ سليمان الخراشي معارضته لما كتبته ورددتُ على كل المعارضين ، ولكن سأبدأ بمعارضة فضيلة الشيخ سليمان الخراشي.

وأود أن أوضح نقطة جد هامة ،وهي أنّي لم أخترق هذه الخطوط الحمراء إلاّ انطلاقًا من إحساسي بالمسؤولية تجاه ديني ووطني ، فإثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م ، اتخذت الإدارة الأمريكية من المرأة المسلمة وعدم حصولها على كثير من حقوقها ذريعة للتدخل في شؤون بعض الدول العربية والإسلامية ، بممارسة ضغوط على حكوماتها ليمكّنها ذلك من تنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير لتكوّن امبراطوريتها العظمى، فتعالت في الكونجرس الأمريكي ــ آنذاك ــ أصوات تُطالب بفرض عقوبات اقتصادية على المملكة العربية السعودية، لأنَّ المرأة فيها مهضومة الحقوق، وهذا يعني أنَّه ستمارس ضغوط على المملكة لتستجيب للمطالب الأمريكية ،فالأمر جد خطير ،ويتطلب منا المواجهة والمكاشفة لمعرفة مواطن الخلل في تعاملنا مع المرأة لنصلحها ،ولنجعل مرجعيتنا في الإصلاح مكانة وحقوق المرأة في الإسلام ،فإذا ما نظرنا إلى المرأة نظرة الإسلام لها ، ومنحناها كامل حقوقها فيه لن يجرؤ أحد الادعاء بأنَّ المرأة في بلادنا مهضومة الحقوق، بل سنقدم للعالم أجمع نموذجاً يحتذى في إنصاف المرأة ووضعها في المكانة التي تستحقها، وعندئذ ستصلح حال المرأة المسلمة ،وبالتالي تصلح مجتمعاتنا ، فالمرأة مربية صُنّاع القرار الأولى ، فكيف تستطيع تربيتهم على العزة والكرامة وحرية إبداء الرأي ،والثبات على الحق ، وهي ضعيفة، يُنظر إليها نظرة دونية ، ناقصة الأهلية ، ملكها زوجها بعقد النكاح ،ولكنها كالدار المستأجرة إن مرضت ،فهو غير مسؤول عن علاجها!!!

إنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، ومن هنا أصبحت أمتنا في ضعف وخذلان، وتقدّم التنازلات تلو التنازلات.
الرد على فضيلة الشيخ سليمان الخراشي:

لو جاءت من غيرك …وأنت العالم الجليل!!
جريدة المدينة ـ ملحق الرسالة عام 1423هـ 2002م

لقد سعدت كثيراً عندما رأيت في بريدي الكتيروني رسالة من فضيلة الشيخ سليمان الخراشي يرد فيها فضيلته على ما كتبته عن الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام في ملحق الرسالة الصادر عن جريدة المدينة المنورة ،وذلك في الفترة من 27 ربيع الآخر إلى 26 جمادي الثانية 1423هـ ،سعدتُ به لأنَّني أريد فتح الحوار مع أهل العلم من ذوي الاختصاص المتسمين بالدقة في التعبير والتوثيق في المعلومات ،والتمعن في الأقوال ،وعدم إصدار الأحكام إلاّ بعد التأكد من صحتها، وفضيلة الشيخ سليمان الخراشي الذي عرفته عنه ،أنَّه من ذوي هذه الصفات ، ولكنني فوجئت بأنَّ فضيلته كتب رده على ما كتبته دون أن يتأكد ممَّا كتبته ،فنسب لي أقوالاً لم أقلها ،واتهمني باتهامات باطلة سامحه الله عليها ،والذي آلمني وأوجعني أنَّ الأسلوب الذي اتبعه فضيلته أسلوب بعيد عن النقاش العلمي والموضوعي القائم على الحجة والبينة والإقناع فخاطبني بعبارات وألفاظ كأنَّه يخاطب بها مستشرقة تكن عداءً دفيناً للإسلام ،أو علمانية لا تؤمن بدين ،أو داعية من دعاة التغريب تريد” خلط الحق بالباطل” ،و”توهم” ،و”متوهمة”، و”تدعي”، و”ادعت”، و”تخالف شرع الله”، و”تخالف شرع رب العالمين”، و”تشاق رسول الله” و “تخالف حديث نبوي” ،و”تلقف أفكاراً شاذة ” ،و “أقوالاً باطلة” “دون خوف من خرق إجماع أو مشاقة نص صريح “اتباعاً للهوى “و”تخيلات ووسوسات مرضية”، و”الفهم السقيم”، “اللغة القلقة”، “تنقل شبهاتهم”، تردد ما رددوه” هذه العبارات وغيرها التي استخدمها فضيلته في مداخلته ،كل هذا لأنَّني خالفت رأياً هو يؤمن به ،ولم أقل ما يريدني أن أقوله ،ومخالفة الرأي لا تعني البتة مخالفة الدين حتى فضيلته يخاطبني وكأني خرجتُ عن الدين ،كل هذا لأنَّي قلتُ أنَّ للمرأة حقوقاً سياسية منحها إياها الإسلام وفق نصوص قرآنية قطعية الدلالة، ومنحها إياها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم. والذي أثار دهشتي أنَّ فضيلته كتب في رسالته لي أنَّه بعث لي بها من باب النصيحة وأنَّه لن ينشرها ،وإذ بي أجد الملحق يعلن عن نشره لرد فضيلته ،فهاتفتُ الأستاذ المشرف ،وقلتُ له سوف أكتب ردي ،وأرجو أن تؤجل ردودي على المعارضين ،وتنشر هذا أولاً لأنَّ فضيلته قد اتهمني باتهامات باطلة وخطيرة وصلت إلى حد التكفير ،وحبذا لو نشرته مع رد الشيخ سليمان الخراشي فقد بعث لي برده على البريد الكتيروني، فقال لي قد يكون الذي أرسله لك خلاف ما أرسله للنشر فانتظري حتى تتطلعي على ما سينشر، ثمَّ اكتبي ردك ،فأخذتُ بنصيحته ،ولكن عندما قرأتُ ما نشر لم أجد فيه خلافاً لما بعثه لي، ولم يغير منه كلمة ولا حرفاً .

واستأذن فضيلته ،والقراء الكرام في الرد على ما كتبه لأوضح لفضيلته مواطن الالتباس عليه ،وليصحح من أحكام أطلقها عليَّ جزافا، وليتراجع عن التهم الباطلة التي وجَّهها لي ، ونشرها للقراء ،خاصة وأنَّ فضيلته رمى من مداخلته تشكيك القراء في مصداقية ما أكتبه ،فقال : ( وقد أحببتُ أن أشير إلى شيء من تجاوزات وأخطاء الأستاذة نصحاً لها وللقارئ الذي قد يفوت عليه بعضها ثقة بكاتبتها)

وسأبدأ بِ:

أولاً : الرد على تهمة اتباع الهوى وتلقف أفكار شاذة ،وأقوال باطلة دون خوف من خرق إجماع أو مشاقة نص صريح :

إذ قال : ( وسبب تعجبي –بل ألمي!- أن الأستاذة سهيلة بعد هذا العمر المديد والجهد المشكور في عالم الكتابة لم تجن من ذلك سوى ترديد ما نشره العصرانيون ومن نسميهم فقهاء ضغط الواقع في أبحاثهم ودراساتهم، من أفكار شاذة وأقوال باطلة يتلقفونها من هنا وهناك دون ورع أو خوف من خرق إجماع أو مشاقة نص صريح، إنما هو اتباع الهوى –والعياذ بالله-)

ويعيد فضيلته ذات الاتهام في موضع آخر فيقول : (نقلت الأستاذة جل ما في مقالاتها من كتب وأبحاث العصرانيين ومدعي الانتصار للمرأة، ومن سبق له أن اطلع على إنتاجهم علم أنها تردد ما رددوه وتنقل شبهاتهم كما هي. وكنا نربأ بالأستاذة عن هذا الإنتاج العفن الذي يضاد شرع الله في كثير مما أتى به .

وأتساءل هنا ما الذي رددته من أقوال من أسماهم بالعصرانيين من فقهاء ضغط الواقع في أبحاثهم ودراساتهم من أفكار شاذة، وأقوال باطلة دون ورع أو خوف من خرق إجماع أو مشاقة نص لاتباع الهوى؟

وما الذي يضاد شرع الله في كثير مما كتبته؟

هل حق المرأة في البيعة ،وحق الشورى ،وحق الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وإجارة المحارب تخالف شرع الله ؟

وقد نصت عليها آيات قرآنية قطعية الدلالة، وهي البيعة والشورى والولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،و إجارة المحارب .

كان حرياً بفضيلته أن يذكر ما جاء في مقالاتي مخالفاً لشرع الله ،أمَّا أنَّه يطلق اتهاماً خطيراً كهذا دون بينة فلا يليق بعلمه ومكانته.

لقد استدللتُ بهذه الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة بآيات قرآنية ،وهي آية البيعة ،وآية الشورى ،وآية الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبأحاديث نبوية ،وتفسير المفسرين في قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) مثل ابن كثير والطبري والقرطبي والشوكاني وسيد قطب ،وتوضيح المعنى اللغوي للولاية وفق ما أورده ابن منظور من قول سيبويه في لسان العرب ،ووفق ما جاء في المعجم الوسيط ،وما ذكره ابن عبد البر عن تولي الصحابية الجليلة أسماء بنت نُهيك أمر السوق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ،[ أنظر: جريدة المدينة ـ ملحق الرسالة ،العدد 14220،الصادر يوم الاثنين 27 ربيع الآخر 1423هـ الموافق 8يوليو2002م]

هل في هذا ترديد لأقوال باطلة وأفكار شاذة تخرق إجماع الأمة ،وتشاق نصاً ،وتتبع الهوى؟

كنت أود لو أنَّ فضيلته تمعن في أبعاد قوله هذا قبل أن يطلقه، فهل في القرآن والسنة والتفسير ومعاجم اللغة ينطبق على ما ذكره؟

للأسف فضيلة الشيخ يعمم في أقواله ،وكان الحري به أن يستشهد بنصوص لي تثبت إتباعي للهوى وترديدي لأقوال باطلة وأفكار شاذة لفقهاء من أسماهم بفقهاء ضغط الواقع ،أريد من فضيلته أن يحدد بالضبط أسماء كتب من نقلتُ عنهم، ويحدد بالصفحات ما نقلته عنهم ليقيم عليَّ حجته!

أنا واثقة تمام الثقة أنه لن يجد مثل هذه النصوص لأنَّني لم أنقل من أحد سواءً كان من أولئك الذين لم يفصح عن أسمائهم ،أو من غيرهم ،فأنا لم أنقل من أحد ،وما كتبته هو بناءً على نصوص قرآنية قطعية الدلالة ،وأحاديث نبوية شريفة ،واستدلالات من الواقع التاريخي في العهدين النبوي والراشدي، فأنا صاحبة فكر ،ولستُ بناقلة .ومن استدل بآرائهم أذكرهم بالاسم ،مبينة مصادري ومراجعي توثيقاً لما أكتبه.

ثانياً: فقهاء ضغط الواقع

وقبل أن انتقل إلى نقطة ثانية لدي وقفة عند عبارة : (ومن نسميهم فقهاء ضغط الواقع في أبحاثهم ودراساتهم، من أفكار شاذة وأقوال باطلة يتلقفونها من هنا وهناك دون ورع أو خوف من خرق إجماع أو مشاقة نص صريح، إنما هو اتباع الهوى –والعياذ بالله-)

أقول هنا من أهم ما تتميز به الشريعة الإسلامية ،بل وتنفرد به أنّها صالحة لكل زمان ومكان ،ومن صلاحيتها هو فتح باب الاجتهاد القائم على حسب الظروف المكانية والحياتية ،فما يصلح لمجتمع لا يصلح لمجتمع آخر ، وما يصلح لذات المجتمع في زمن ، قد لا يصلح له في زمن آخر، ومراعاة أحوال الناس من الأمور التي يراعيها الفقهاء ،ولذا نجد الاختلاف بينهم ، وإلاَّ لما تعددت المذاهب، فمراعاة مقتضيات الواقع لابد منها ، فهل الفتوى في المجتمع السعودي يلزم بها المسلمون الذين يعيشون في أوربا أو أمريكا، وهل الفتوى التي تصلح للمسلمين في تلك البلاد تصلح لهم في السعودية ؟

هذا وقد عقد ابن القيم الجوزية في كتابه “أعلام الموقعين” فصلًا عن تغير الفتوى واختلافها بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال ،وتغير أعراف الناس وعاداتهم ،ومهّد ذلك بكلام على بناء الشريعة على مصالح العباد ، وأنَّ بها صلاح الناس واستقرارهم ،وقد ضرب أمثلة كثيرة على قاعدة تغير الفتوى واختلافها ،وبيَّن أنّ الاختلاف فيها لاختلاف أحوال الناس وعاداتهم وظروفهم كإنكار المنكر ،وما يترتب عليه من المصالح أو المفاسد ،وأنَّ الحكم يتبع ذلك ،وما جاء في الشريعة من النهي عن قطع الأيدي في الغزو ،وإقامة الحدود في أرض العدو ،وإسقاط عمر ( رضي الله عنه) حد القطع عام المجاعة ملاحظة للحالة التي يعيشها الناس. [ د. نادية شريف العمري : ص 249-250 ،مؤسسة الرسالة،ط3 ، 1405هـ ـ 1985م]

ثالثاً: الرد على مقولة اللغة القلقة التي صيغت بها مقالاتي

انتقل إلى نقطة ثانية ،وهي تؤكد أنَّ فضيلته اتبع الظن في ما كتبه ،بل نجده بنى بعض آرائه على التحليل النفسي من بعد وكأني به يعلم ما بالأنفس والسرائر ،والتي لا يعلمها إلاَّ الله ،يقول فضيلته : (من قرأ مقالات الأستاذة لن تخفى عليه تلك اللغة القلقة التي صيغت بها المقالات، وكأنها توحي للقارئ بأن الكاتبة غير مقتنعة تماماً بكثير مما ذكرته، وأنها أقحمت نفسها إقحاماً فيه، ولبست ثوباً فصل لغيرها لا لها. ،فلسان الحال يقول لها: ليس هذا عشك فادرجي ،إنما هو عش أهل التغريب والعصرنة .)

واسأل فضيلته: هل يعلم ما بداخلي حتى يقرر فضيلته أني قلقة ،وغير مقتنعة بما كتبته؟

إنَّ الله وحده العالم بالسرائر ،وليس لأحد من خلقه أياً كان أن يزعم ذلك؟ ولو كنت غير مقتنعة بما كتبته لما كان ردي على المعارضين في إحدى وستين صفحة سوف تنشر على عشر حلقات ـ إن شاء الله ـ ،ولما كتبت هذا الرد ؟،وقد قال لي الأستاذ عبد العزيز قاسم عندما اطلع على الموضوع قبل نشره ،إنَّ هذا الموضوع سيجد معارضة من البعض ،فقلتُ له : أنا مستعدة أن أرد على كل من يعارضني.

أود أن أوضح لفضيلته أنِّني لا أكتب إلاَّ ما أؤمن واقتنع به ،لأنِّني صاحبة رسالة أهدف بها صلاح هذه الأمة ،وحجتي في ما أكتبه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فلمَ أكون قلقة ؟ ,ومادمتُ صاحبة رسالة ولدي حجة فلمَ أنقل من الآخرين وأردد كالببغاء ما يقولون ؟ فأية إهانة أهنتني بها يا فضيلة الشيخ ،وأي تجريح جرّحتني به، فوالله عندما بدأت الكتابة قبل ربع قرن لم يقلها أحد عليَّ ،وكنت مبتدئة ،ألا ترى أنَّك قد ناقضت نفسك بهذا القول ؛إذ كيف بكاتبة قديرة ـ كما وصفتني في مقدمتك ـ تنقل من الآخرين وتردد ما يقولون؟

رابعاً: الرد على تهمة التكفير بالخروج عن الجماعة

ثُمَّ هل يعقل أنَّ كاتبة نذرت نفسها للجهاد بالكلمة أن تكتب خلاف ما تؤمن به ،وتلبس ثوبي التغريب والعلمنة ،وهي من جاهدتهما على مدى ربع قرن ؟ سامحك الله يا فضيلة الشيخ ،لقد أكثرت من اتهاماتك، فتارة تتهمني بالعلمنة ،وتارة أخرى تتهمني بالتغريب ، وثالثة ،تتهمني بالخروج عن الجماعة ،بل وتكفرني بقولك : (خالفت الأستاذة إجماع علماء الإسلام في عدم جواز شهادة المرأة في “الجنايات” (انظر الإجماع لابن المنذر، ص 64-65). وفي هذا خطورة على دينها –هداها الله-، قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: “الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص” (الفتاوى 19/270).

وسأتوقف عند شهادة المرأة في الجنايات ،لأنَّ فضيلته كفرني بشأنه وسأورد نص ما كتبته بهذا الصدد ليتبين لفضيلته أنَّه تسرع في إطلاق اتهاماته، وفي تكفيري ، وأنَّه لم يتثبت ممَّا يكتبه، ولم يقرأ ما كتبته جيداً، فالذي قلته : (ومن الولاية حق القضاء ، وقد قال فقهاء الحنيفية : ” يجوز أن تكون المرأة قاضية في غير الحدود والقصاص ،لأنّه لا شهادة لها في هذه الجنايات ،ولها شهادة في غيرها. وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشَّهادة” ،وإن كنتُ لا أتفق مع ما ذهب إليه الفقهاء بأنّ لا شهادة لامرأة في الجنايات ، فلو اقتحم رجل بيتًا ليس فيه إلاَّ نساء أو مدرسة للبنات وقتل فيها من قتل لا تقبل شهادة النساء اللواتي شهدن الوقعة، وهن الشاهدات الوحيدات للحادثة؟ معنى هذا أنّه استبيحت المجتمعات النسائية لعدم قبول شهادة النساء في القضايا الجنائية، أرجو أن يناقش هذا الأمر المجمع الفقهي .)

هذا نص ما كتبته بالضبط، وبإمكان القراء الكرام الرجوع إليه في ملحق الرسالة العدد المشار إليه سابقاً.

وهنا أسأل على أي أساس قرر الفقهاء عدم قبول شهادة المرأة في الجنايات؟

هل يوجد نص قرآني أو حديث نبوي ينصان على ذلك؟

فأين هو النص الذي خالفت الإجماع عليه حتى ينطبق على ما استدللت به من قول الإمام ابن تيمية؟ إنَّ قول الإمام ابن تيمية لا ينطبق على الحالة التي ذكرتها ، فهو يخص مخالفة الإجماع المبني على نص من الكتاب والسنة ، وعدم قبول شهادة المرأة في الجنايات لم يبن على نص من القرآن ،ولا من السنة!! فكم تمنيتُ أن لا يقع مثل فضيلتكم في مثل هذا المأزق ،والوقوع في إثم التكفير ،و إنَّه لإثم جد عظيم. أسأل الله أن يغفره لكم، ولا أخالكم تجهلون حكم من يكفِّر مسلمًا.

وأسأل هنا إن لم يكن هناك نص في الكتاب ولا في السنة يمنع قبول شهادة المرأة في الجنايات هل بنى الفقهاء حكمهم على القياس ؟

إذا قلنا بنوه على القياس ،فالشرع لم يسقط شهادة المرأة في أمور دقيقة تتعلق بالرضاعة ،والبكارة والثيبوبة، وهي تتعلق بالعرض والنسب، بل اكتفى بشهادة امرأة واحدة فيها ،كما ساوى بينها وبين الرجل في الشهادة في الملاعنة ،أربعة شاهدات أو أربعة شهود. وفي الديون والمبايعة جعل شهادة أنثيين معًا تعادل شهادة الرجل ،فهو في كل الأحوال لم يسقط شهادة المرأة ،بل اكتفى بواحدة في البكارة والرضاعة القائمة على النسب ، وساوى بينها وبين الرجل في الملاعنة ، وجعل شهادة اثنتين برجل في الديون والمبايعة .في حين نجده لم يكتف بشهادة رجل واحد ولا في أية حالة من حالات الشهادة ، فعلى أي أساس لم تقبل شهادة المرأة في الجنايات ؟

هنا خطأ في الاجتهاد لا بد من مراجعته ، وليس تكفير من ينبه إلى خطأه ،وما يترتب عليه من مخاطر تهدد أمن وحياة النساء، فهو بمثابة إعلان إسقاط العقوبة والقصاص عن من يقتحم مدارس وكليات البنات، أو قصور الأفراح مثل ما في مجتمعنا ، أو في بيوت لنساء لا يوجد فيها رجال، ويقتل منهن من يقتل لا عقوبة على الجاني لأنَّ الشاهدات كلهن نساء ، ولم يوجد رجال يشهدون بالوقعة ،هل هذا منطق؟ هل هذا ما جاء به الإسلام؟ لا … وألف لا …

كما أنَّ هذا يعطي مدخلًا لدعاة الاختلاط ببيان أهمية الاختلاط بين الجنسين ليوجد رجال يشهدون في مثل هذه الأحوال، وهذا يعني وجود خلل في الاجتهاد وليس في التشريع ، وشريعتنا الإسلامية بريئة من هذا الخلل الذي وقع فيه البشر، ذكرني بخطأ أولئك الذين منعوا طالبات المدرسة المتوسطة من الخروج دون عباءات وأغلقوا أبواب المدرسة التي تحترق فماتت خمسة عشر فتاة حرقًا، مع أنَّ الشرع يبيح للمرأة أن تخرج بأية حالة هي عليها إن لم يتسن لها ستر ما يجب ستره، وهي في حالة الخطر ، فإن كانت عباءتها في فصل يحترق ،هل عليها أن تدخل في النار بحثًا عن عباءتها لتخرج بها، أم تخرج قبل أن تلحق بها النيران؟ ،وإن احترقت عباءتها تظل في مكانها لتحترق هي الأخرى كما احترقت عباءتها أم تلوذ بالفرار، فإن ظلت في مكانها تنتظر النار تحرقها ،ف كأنها انتحرت ،والإنسان مسؤول عن نفسه ،وعن حمايتها؟ علماً بأن الطالبات لابسات زي المدرسة وهو زي طويل وساتر ،كما أباح الشرع للرجل الأجنبي أن يحمل المرأة الأجنبية عنه من الماء إن كانت تغرق لإنقاذها من الغرق ، أو من منزل يحترق إنقاذاً لها من الحرق، ولا يتركها تغرق أو تحترق لأنَه لا يجوز له حملها ، مع أنَّه في هذه الحالة سيؤثم لو تركها تموت وهو بإمكانه إنقاذها، فالضرورات تبيح المحظورات ،ولكن أخطاء الاجتهاد لدى البعض في مثل هذه الحالات ـ كما رأينا ـ تكون على حساب حياة المرأة.

وممَّا يثير الدهشة أنّ فضيلته ،وهو عالم دين يصر على استمرارية خطأ فادح كهذا، ويعتبره يمثل إجماع فقهاء الأمة ،بدلاً من أن يدعو إلى إصلاحه. ومع هذا فأنا طالبت المجمع الفقهي أن ينظر في هذا الأمر، أي تركتُ البت فيه للمجمع الفقهي. وأذكِّر فضيلة الشيخ أنَّ الإمام ابن تيمية سجن أكثر من مرة لأنَّه كان يختلف في فتاواه واجتهاداته عن بعض علماء عصره ،بل في سنة 707 هـ طلب إلى السلطان بمصر لمحاكمته على عقيدته ،وحاكمه قاض من خصومه ـ زين الدين بن مخلوف ـ فلم يسمع له دفاعاً وسجنه، وفي سنة 707 أخلي سبيله ثمَّ عاد إلى السجن بشكوى من الصوفية ،وسجن للمرة الثالثة في دمشق .

فهل بمخالفته في بعض فتاواه لعلماء عصره أصبح كافراً خارجاً عن الجماعة؟؟

وأود أن أسأل فضيلة الشيخ سليمان ما معنى الإجماع ؟ ومن هم الفقهاء الذين أجمعوا على عدم قبول شهادة النساء في الجنايات ؟ عشرة ؟،عشرون ؟،ثلاثون؟ مائة؟ أياً كان عددهم هل هذا العدد يمثل كل فقهاء الإسلام على اختلاف العصور والأمصار حتى نقول بإجماع الفقهاء في أية مسألة من المسائل الفقهية أو الشرعية؟

وإن أجمع عدد منهم على أمر خطأ ،فهل المطلوب منا الالتزام به رغم ما فيه من قصور وخلل، والأمة لا تجتمع على خطأ كما جاء في الأحاديث النبوية الشريفة؟

الإجماع في اصطلاح الفقهاء وعلماء الأصول اتفاق المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي ،وشرطه أن يستند إلى دليل لأنَّ القول في الأمور الشرعية من غير دليل خطأ، والأمة لا تجتمع على خطأ كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلابد إذن أن يكون إجماع المجتهدين عن دليل لئلا تجتمع الأمة على خطأ لأنَّ غير المجتهدين تبع للمجتهدين ،فإذا وقع المجتهدون في الخطأ وقعت الأمة في الخطأ ،وهذا منفي عنها بنص الأحاديث النبوية ،ومستند الإجماع أي دليله ،قد يكون نصاً من الكتاب والسنة ،كما قد يكون قياساً أو عرفاً ،أو غير ذلك من أنواع الاجتهاد ،وقال الأكثرون أنّ الإجماع بشروطه ممكن الوقوع ،وقد وقع فعلاً فيما مضى ،ففي عصر الخلفاء الراشدين ،ولا سيما في عهدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ،حيث كان المجتهدون معروفين ومستقرهم في المدينة ،والرجوع إليهم لمعرفة آرائهم ميسور ،أمَّا بعد هذا العصر حيث تفرَّق المجتهدون في الأقطار ،وكثر عددهم فمن العسير القول بوقوع الإجماع ،وأقصى ما يستطاع قوله إنَّ أحكاماً اجتهادية اشتهرت ،ولم يعرف لها مخالف ،ولكن لا يخفى أنَّ عدم معرفة المخالف لا يدل على عدم وجود المخالف .

وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : ( من ادعى الإجماع فقد كذب ،وما يدريه لعل الناس اختلفوا في ذلك )

وأقول هنا : فإن وجد من يخالفه خرج عن دائرة الإجماع ،وعدم قبول شهادة المرأة في الجنايات لم يجمع فيه ،فقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في باب شروط من تقبل شهادته: ( القصاص وسائر الحدود فلا يُقبل إلاَّ رجلان حُرَّان إلاَّ ما روي عن عطاء وحمَّاد أنَّه يقبل فيه رجل وامرأتان ،ولا تقبل الشهادة على القتل إلاَّ مع زوال الشبهة في لفظ الشهادة على نحو ضربه فقتله . )

أرأيت يا فضيلة الشيخ أي إثم اقترفته بتكفيري على مخالفة ما لم يتم الإجماع عليه ،وفيما لا نص فيه، ولا قياس؟؟؟

خامساً ولاية المرأة،ونسب لي قولاً لم أقله

انتقل إلى ولاية المرأة، والتي أوقعت فضيلة الشيخ في بعض المزالق، يقول فضيلته تقديماً لما سيقوله فيا بعد : (خلطت الأستاذة في مقالاتها بين الحق والباطل. فذكرت حقوقاً شرعية للمرأة؛ كحقها في الميراث أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في إجارة المحارب، وغير ذلك من الحقوق التي جاءت بها الشريعة. ولكنها أفسدت هذا كله عندما مزجتها بشيء غير قليل من حقوق متوهمة للمرأة قلدت فيها الآخرين وخالفت فيها شرع رب العالمين –كما سيأتي-.) وما الذي سيأتي ؟

قوله : (استدلت الأستاذة بقوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) على أنّ للمرأة أن تتولى منصب الإمامة العظمى (الخلافة) !!، وهذا من أعجب ما رأيت من الاستدلالات؛ لأنّ هذه الآية تبين أن المؤمنين ذكوراً وإناثاً يتناصرون ويتعاضدون ويتعاونون على الخير، ولا دخل لها بالولاية (بكسر الواو) من قريب ولا من بعيد. ولم يقل بهذا القول الغريب الذي جاءت به الأستاذة أحد من المفسرين. ولهذا فإن الكاتبة عندما لم تجد أحدًا منهم يؤيد رأيها هذا، نقلت بعض أقوالهم ! فنقضت قولها بيدها وهي لا تشعر !

وقوله: (قالت الأستاذة بأنّ الحديث الصحيح “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” : (لا يلغي حق الولاية للمرأة) وأنّه مقصور على الفرس فقط ! ثم استشهدت بأن بعض الدول الإسلامية قد تولت فيها المرأة منصب الإمامة العظمى وبعض المناصب الكبيرة. )

ثم قوله : ( قلت: وفي قولها هذا مشاقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة صريحة لحديثه السابق؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لا سيما وقد أكده صلى الله عليه وسلم (بلن) الدالة على التأبيد المطلق للنفي. وأمّا استدلالها بتولي النساء في بعض البلاد الإسلامية لبعض المناصب؛ فإنّ الإسلام حجة على الخلق وليس العكس، وما مثل الأستاذة في استدلالها هذا إلا كمن يرى جواز شرب الخمور أو السماح بذلك؛ لأنّ لبعض الدول الإسلامية فعلته !)

وقوله : [ادعت الأستاذة أن عائشة رضي الله عنها كانت لها “الولاية” في موقعة الجمل!! وهذا غير صحيح أبداً، لأنّ عائشة رضي الله عنها لم تخرج محاربة ولا طالبة للخلافة ! وإنّما خرجت –بعد أن أقنعها الناس- داعية للإصلاح بين المتخاصمين، وكان هذا اجتهاداً منها رضي الله عنها. ثم ندمت بعد ذلك، وكان من قولها –كما في المستدرك (3/119)-: “وددت أني كنت ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام وأنّي لم أسر مسيري مع ابن الزبير” وكانت إذا قرأت (وقرن في بيوتكن) بكت حتى تبل خمارها. (انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 2/177).]

ولكي تتضح الصورة أمام القارئ الكريم ٍادعوه لقراءة نص ما كتبته بهذا الصدد ليتبين أي منزلق انزلق فيه فضيلته ، فنسب لي ما لم أقله ،وبنى عليه مشاقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفتي لحديثه مخالفة صريحة ،فتعالوا نسترجع معاً ما كتبته : ( إذاً الولاية في قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) هي ولاية من أجل إعلاء كلمة الله وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض ،وهي ولاية للمرأة كما هي للرجل، وليست قاصرة على الرجل فقط، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الفرس ( لا يفلح قوم ولوا أمرهم لامرأة ) لا يلغي حق الولاية للمرأة فيحتج بها الكثير قائلين لا ولاية لمرأة ،دون أن يتقصوا في مناسبة الحديث ومقصده ،إنَّ الدين الإسلامي لا يناقض بعضه ،والسنة النبوية لا تنقض القرآن الكريم ،وإنَّما شارحة له مفصلة لأحكامه، مكملة له، فما هي إلاَّ وحي من الله تعالى ،والحديث النبوي الشريف يتحدث عن الفرس ، وعن أحوالهم المتردية فلم يعد فيهم رجال صالحون للحكم فتولت أمرهم امرأة، ولذلك فلن يفلحوا ما دام رجالهم بهذه الحال من الوهن والضعف ،فالولاية هنا الولاية الكبرى ،ولاية رئاسة الدولة ،وإن كان يرى البعض أنَّ هذا الحديث يخص المناسبة التي قيل فيها، فأعطوا للمرأة حق الولاية العامة ،كما رأينا في أندونيسيا والباكستان وإيران ،وهي دول إسلامية ،ففي أندونيسيا تولت امرأة رئاسة الدولة، وفي الباكستان رأست المرأة الحكومة ،و في إيران سمح للمرأة بالترشيح في انتخابات الرئاسة، وهناك من أعطى المرأة حق الولاية بتوليها عدد من الوزارات والسفارات والملحقيات الثقافية، كما في مصر والسودان وسوريا وتونس والمغرب، وأعطي للمرأة في الكويت مؤخراً حق الولاية في الجامعة فأصبحت مديرة للجامعة الوحيدة بالكويت ،كما أصبحت سفيرة وملحقة ثقافية، وهناك من أعطى للمرأة الحق في عضوية مجلس الشورى ،كما رأينا في مصر وعُمان ،وغيرهما، وهناك من جعل المرأة مستشارة للرئيس في شؤون المرأة والأسرة والطفل كما في السودان، ومنهم من سمح للمرأة بترشيح نفسها في المجالس النيابية والشعبية كما في كثير من البلاد العربية ،وأعطي هذا الحق مؤخراً للمرأة القطرية والكويتية والبحرينية، وهناك من أعطى للمرأة حق القضاء كما في السودان ، بينما نجد دولاً تحجب حق القضاء والإفتاء عن المرأة ،مع أنَّها أصبحت وزيرة وسفيرة ونائبة في البرلمان وعضوة في مجلس الشورى ، وهناك من يضيق دائرة الولاية، بل يغلقها تماماً ويلغيها حتى يحرم المرأة من حق عضوية مجالس أمناء ،ومجالس إدارة مؤسسات دعوية تطوعية لا علاقة لها بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد بحجة أنَّ لا ولاية لامرأة منكراً قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ). فالمسألة في الحقيقة لم تعد اجتهادية بقدر ما هي تتعلق بما يريده الرجل ، فالأمر بيده فهو الذي يسمح ،وهو الذي يمنع. ولكن لو رجعنا إلى القرآن الكريم، وإلى الشواهد والوقائع التأريخية نجد أنَّ للمرأة حق الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هي للرجل، وولاية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل في نطاقها الكثير، وإلاَّ لما كانت الولاية لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في موقعة الجمل، وهي الفقيهة العالمة المفتية والراوية للحديث، والتي تربَّت في بيت النبوة، وكان معلمها خير الأنام وخاتم الأنبياء والمرسلين، فقد كانت على رأس الوفد الذي كان يضم طلحة والزبير ومن معهم ،والذي توجه إلى البصرة ، إثر مقتل عثمان رضي الله عنه بقصد الصلح وتهدئة ثائرة الناس ،وقد روى ابن شهاب الزهري عن عائشة رضي الله عنها قولها : ( إنَّما أريد أن يحجز بين الناس مكاني ،ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال ،ولو علمتُ ذلك لم أقف ذلك الموقف أبداً) [ أنظر ملحق الرسالة ،العدد المشار إليه سابقاً]

والذي نلاحظه بعد قراءتنا لما نسبه لي ،ولما كتبته بالفعل نجد الآتي :

1- أنَّ فضيلته يقول :[ إنّني استدللت بقوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) على أنَّ للمرأة أن تتولى منصب الإمامة العظمى الخلافة]،والحقيقة أنّني عرضت الآراء على اختلافها بشأن ولاية المرأة فقلت : [وإن كان يرى البعض أنَّ هذا الحديث يخص المناسبة التي قيل فيها ،فأعطوا للمرأة حق الولاية العامة ،كما رأينا في أندونيسيا والباكستان وإيران …الخ ]،ثم قلتُ : ( أمَّا الولاية الكبرى ، الإمامة والرئاسة ، فكما يقول ابن حزم في المحلى هي المقصودة في قوله صلى الله عليه وسلَّم ( لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة ) والله اعلم.

فمن أين أتى بمقولة أنَّني قلت للمرأة حق الخلافة؟؟؟

هل قولي إن كان يرى البعض أنَّ هذا الحديث يخص المناسبة التي قيل فيها ، فأعطوا للمرأة حق الولاية العامة يعني أنّني قلت أنَّ للمرأة حق الخلافة؟؟؟،مع أنّني ذكرت رأي من نفى الولاية للمرأة على الإطلاق ،فلماذا لم يقل فضيلته أنّي نفيت الولاية للمرأة ،كما قال إنّي قلت بولايتها الخلافة ؟

ثمَّ أنَّ الذي أخذ بخصوص السبب، وأعطى للمرأة حق الولاية العامة مخالفًا بذلك من أخذ بعموم اللفظ مثل فضيلة الشيخ” الخراشي” يعني أنَّه شاق الرسول صلى الله عليه وسلم ،وخالف الحديث، مع استدلال الفريق الأول بأنَّ القرآن بذكره ملكة سبأ ، وإشادته بحكمها قد ناقض الأخذ بعموم لفظ حديث (لن يفلح قوم ولو أمرهم لامرأة )، فقوم سبأ قد أفلحوا في الدنيا والآخرة بولاية المرأة عليهم ، والأخذ بخصوص السبب قاعدة فقهية اجتهادية مثلها مثل قاعدة الأخذ بعموم اللفظ، فلماذا يحكم الفريق الآخذ بعموم اللفظ بمشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة حديثه مخالفة صريحة على من أخذ بخصوص السبب ؟

الذي يلاحظ على مداخلة فضيلة الشيخ ،أنّ فضيلته يستسهل إطلاق أحكام جد خطيرة ،كالتكفير ،والمشاقة للرسول عليه لصلاة والسلام والمخالفة لحديثه ،والعلمانية أي اللادينية ، والتغريبية أي يغلب عليها الفكر الغربي لمجرد أنّها تخالف رأيه، مع أنّه يدرك أبعاد هذه الاتهامات الخطيرة، وعظم إثمها.

3-قوله استدلالي بتولي النساء في بعض البلاد الإسلامية لبعض المناصب قارنًا هذا الاستدلال بمن يرى بجواز شرب الخمور أو السماح بذلك ، لأنَّ بعض البلاد الإسلامية فعلته، والحقيقة أنَّني استدللتُ بذلك بناءً على اجتهاد علماء ، ثمَّ أنَّ مقارنة سماح الدول الإسلامية بشرب الخمر فيها بما تولته المرأة من ولايات في تلك البلاد ليس في محله ،لأنَّ الولاية لا تتم إلاَّ باختيار أهل الحل والعقد وبيعة الناس وانتخابهم ،وترشيح المرأة في الانتخابات لا يتم إلاَّ بعد موافقة العلماء، أمَّا قوله أنّي نقضتُ نفسي لأنّي لم أجد ممن استدللتُ برأيهم يؤيد رأيي ،فهو قول مردود، ويكفي أن أرد ما استدللتُ به من قول سيبويه : (قال : والوِلاية على الإيمان واجبة، المؤمنون بعضهم أولياء بعض) .وما قاله سيد قطب في “ظلال القرآن” :(ويقول سيد قطب في تفسير الآية 71 من سورة التوبة : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) إذا كان المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ،إذا كانوا جِبلة واحدة وطبيعة واحدة ،فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، إنَّ المنافقين والمنافقات مع وحدة طبيعتهم لا يبلغون أن يكونوا أولياء بعضهم لبعض، فالولاية تحتاج إلى شجاعة، وإلى نجدة ،وإلى تعاون، وإلى تكاليف. ويعود إلى قوله تعالى : ( بعضهم أولياء بعض ) …يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله ،وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض.) فكيف لم أجد ما يؤيد حق المرأة في الولاية ،والآية ذاتها صريحة قطعية الدلالة ،وقد أكد هذا الحق معنى الولاية في اللغة والاصطلاح ممن استدللت بأقوالهم وتفسيراتهم ؟

4-وقع فضيلته في منزلق خطير ،وهو إنكار ولاية المرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواردة في قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )،وأنَّه لا علاقة لها بالولاية لا من قريب ،ولا من بعيد ،كيف ؟ وقد جاء قوله تعالى بهذه الصيغة التي تدل على الولايه ، وهي : ( بعضهم أولياء بعض ) و ( يأمرون ) و( ينهون) فكيف يكون الأمر والنهي بلا ولاية؟ هذا وعند رجوعنا إلى أطروحة الدكتورة فاطمة نصيف للدكتوراة ” حقوق المرأة وواجباتها في ضوء الكتاب والسنة ” التي شرفتني بإهدائي نسخة منها في عام1404هـ ،و قبل إصدارها في كتاب إن كانت قد أصدرتها، والرسالة بإشراف عالم جليل هو فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد بن أحمد غلوش، وهي مقدمة لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى ، وهذه الكلية هي أول كلية أنشئت في المملكة، نجد الدكتورة فاطمة ،وهي عالمة جليلة وداعية غطَّت شهرتها الآفاق، ولا غبار على علمها وفقهها ، تقول هذه السيدة الجليلة الفضلى حول تفسير هذه الآية : [ كما قررت سورة التوبة ، وهي آخر سور القرآن نزولاً وجوب تحمل النساء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالرجال سواءً بسواء، فقال عز وجل : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله )، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالقول والفعل والكتابة، ويشمل كل ما من شأنه إنكار المنكر أو إحقاق الحق ،وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم التناصح أساس الدين ،بل كل الدين ]

فهل الدكتورة فاطمة نصيف هي الأخرى متأثرة بالعلمانيين ودعاة التغريب ؟

1- أعطى الرسول صلى الله عليه والسلام والخلفاء الراشدين من بعده هذه الولاية ،فلقد تولت أسماء بنت نُهيك الأسدية رضي الله عنها أمر السوق في مكة في عهده عليه الصلاة والسلام، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولى ابنته حفصة رضي الله عنها نظارة الوقف الذي أوقفه ، كما ولى الشفاء من بني عدي الحسبة ،أمَّا ما ذكره فضيلة الشيخ أنَّ ابن حزم ذكره في الأثر بلا إسناد، فأقول إنَّ مذهب ابن حزم هو الظاهرية أي يأخذ بظاهر النص ،و لا يأخذ بما لا يؤيده نص ، وقد استدل بولاية المرأة بقوله : ( برهان ذلك : قوله عليه الصلاة والسلام : ( المرأة راعية على مال زوجها ،وهي مسؤولة عن رعيتها ) وقد أجاز المالكيون أن تكون وصية ووكيلة ،ولم يأت نص من منعها أن تلي بعض الأمور ، وبالله التوفيق. )

وعند قراءتنا للمحلى نجد ابن حزم يستدل كثيراً برأي الإمام أبي حنيفة ،ويقول في هذه المسألة : ( وجاز أن تلي المرأة الحكم ـ وهو قول أبي حنيفة ـ كما استدل كثير من الفقهاء بتولي الشفاء الحسبة في عهد سيدنا عمر ، وإن كان سيدنا عمر يأخذ برأيها، وهذا ما ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ، وقال: ( ربما ولاها شيئاً من أمر السوق )

ونلاحظ هنا ابن حجر لم يذكر إسناده في ما قاله ، فهل يعني هذا أنَّنا نلغي ما قاله ، كما ألغى فضيلة ” الشيخ الخراشي” ما ذكره ابن حزم عن تولي الشفاء رضي الله عنها لأنّه لم يذكر إسناده؟ وتقول الدكتورة فاطمة نصيف في باب “المرأة والولاية العامة” : ( وإذا كان الإسلام قد قصر الخلافة “الولاية العظمى” على الرجال فإنَّه لم يمنع المرأة أن تتولى من الولايات ما يتناسب مع طبيعتها وقدراتها ،وما يتلاءم مع ظروفها فقد ولى عمر بن الخطَّاب الشفاء بنت عبد الله العدوية امرأة من قومه ولاية السوق ) ومرجعها في هذا الاستدلال المحلى لابن حزم ، كتاب الشهادات ،فلو كان من أقوال المبتدعة كما قال الإمام بن العربي لما أعتمد في أطروحة علمية فقهية ، هذا وقد استدلت الدكتورة فاطمة بما جاء في الإصابة عن ما للشفاء رضي الله عنها من مكانة لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،فقالت الدكتورة فاطمة : ( فقد جاء في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة ما نصه : “وكان عمر يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضلها ،و ربما ولاها شيئاً من أمر السوق ،روى ذلك حفيداها أبو بكر وعثمان ابنا سليمان ابن أبي حثمة) [ ص302]

6-واضح أنَّ فضيلة الشيخ نسب لي ما لم أقله بشأن خروج السيدة عائشة إلى البصرة إثر مقتل سيدنا عثمان، فأنا لم أقل إنّها خرجت للقتال، ولم أقل إنّها خرجت طلباً للخلافة، كما يقول فضيلته إنَّي قلتُ ذلك ،وإنَّما الذي قلته إنَّها خرجت من أجل الصلح، وقد ذكرتُ قولها بأنَّها لو علمت أنّ الأمر سينتهي إلى قتال لما خرجت.

7- أين الباطل الذي ذكرته وخلطته بالحق، كما يقول فضيلته؟

سادسًآ : إحرام المرأة في وجهها وكفيها

يقول فضيلته : (قالت الأستاذة: “إن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، فلا يجوز أن تتنقب أو تغطي وجهها وتلبس قفازاً وهي محرمة، وإن فعلت فعليها أن تفدي، ولكنا نجد البعض يلزم المرأة بتغطية وجهها وهي محرمة….” الخ كلامها، وفيه خلط كثير لابد من توضيحه: فقولها بأنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تتنقب أو تلبس القفازين صحيح؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولكن ليس معنى هذا أنه لا يجوز لها أن تغطي وجهها بغير النقاب كما قد يفهم البعض، ومنهم الأستاذة، إنما المعنى أن لا تغطي وجهها أو كفيها بما يكون مفصلاً على مقدار العضو، وهو ما يسميه الفقهاء “المخيط”، ولكنها تستر وجهها عن الأجانب بسدل جلبابها أو خمارها. وهذا ما فعله زوجاته صلى الله عليه وسلم ونساء الصحابة رضي الله عنهن. قالت عائشة –رضي الله عنها-: “كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه” رواه أبو داود. وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: “كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام” رواه الحاكم وقال على شرط الشيخين. وعن فاطمة بنت المنذر قالت: “كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها” رواه مالك في الموطأ .)

وأقول هنا في هذه المسألة الآتي :

حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لا يلزم المحرمة بتغطية وجهها أمام الأجانب ، وهذا نصه :(كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ،وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يُصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ، فقالت : يا رسول الله إنَّ فريضة الله على عباده في الحج أدركت شيخاً كبيراً لا يثبتُ على الراحلة ،أفأحج عنه ؟ قال “نعم” . وذلك في حجة الوداع )

ما رواه ابن حزم بطريق الحاج بن المنهال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال : رأى ابن عمر امرأة قد أسدلت ثوبها على وجهها ـ وهي محرمة ـ فقال لها : “اكشفي وجهك فإنَّما حرمة المرأة في وجهها. “

وروى ابن حزم أيضاً عن طريق سعيد بن منصور عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : ” الذقن من الرأس فلا تغطه ،وقال : إحرام المرأة في وجهها ،وإحرام الرجل في رأسه “،وقال أبو حنيفة “لا يغطي المحرم وجهه فإن فعل فعليه فدية ”

ما قاله ابن قدامة في المغني ـوابن قدامة من فقهاء الحنابلة ـ : ( ويجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه )

،ويقول: ( وجملة ذلك أن بأنَّ المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه ،لا نعلم في ذلك خلافاً إلاَّ ما روي عن أسماء أنَّها كانت تغطي وجهها ،وهي محرمة ،ويحتمل أنَّها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة ،فلا يكون اختلافاً )

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ( والمرأة إحرامها في وجهها فيحرم تغطيته لا نعلم فيه اختلافًا إلاَّ ما روي عن أسماء أنَّها تغطيه فيحمل على السدل ،فلا يكون فيه اختلاف )

ويعلل ابن قدامة كشف وجه المرأة المحرمة بأنَّ الوجه ليس بعورة ، فيقول : ( ولأنَّ للمرأة حاجة إلى ستر وجهها ،فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة )

هذا ويعلل ابن قدامة تحريم لبس المحرمة النقاب والقفازين بقوله : ( وإنََما منعت المرأة من البرقع ونحوهما ممَّا يعد لستر الوجه )

ولا أخفي على فضيلة الشيخ “الخراشي ” فإنَّ التعليل الذي ذكره لا أدري من أين أتى به، ولبس المرأة المحرمة كله من المخيط بما فيه جلبابها وخمارها ،فكيف يكون النقاب محرماً لأنَّه من المخيط؟

الذي يتبين لنا ممَّا سبق أنَّ الأصل كشف وجه المرأة المحرمة ،والدليل عدم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة الخثعمية أن تغطي وجهها ،والفضل ينظر إليها ،وإنَّما أدار عنها وجه الفضل ،وهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم ،لذا طلب عبد الله بن عمر رضي الله عنه من المرأة المحرمة التي غطَّت وجهها أن تكشفه ،وقال الأحناف بالفدية لمن تغطي وجهها وهي محرمة ،واعتبر الفقهاء إحرام المرأة في وجهها ،كما إحرام الرجل في كشف رأسه ،وقال ابن قدامة “ويجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه”، وقيام السيدة أسماء رضي الله عنها بتغطية وجهها وهي محرمة كان اجتهاداً منها ،ومن هنا كانت تغطية وجه المرأة المحرمة عند الحاجة مسألة خلافية ،وليست واجبة ،والله أعلم.

فما قلته بهذا الصدد لم يكن ادعاءً ,كما وصفه الشيخ سليمان ،ولم يكن قولاً غريباً مادام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلب من المرأة الخثعمية أن تغطي وجهها ،والفضل ينظر إليها ،فكيف يستنكر فضيلته قولاً بني على فعل فعله الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وإن قيل ربما منعها في ما بعد ولم ينقل ذلك ،وعدم النقل لا يلغي المنع ،فأقول هنا :هذا أمر يختص بالتشريع ،والرسول صلى الله عليه وسلم مشرعاً بوحي من الله ،فما الذي يمنعه عليه الصلاة والسلام من أمر المرأة بتغطية وجهها ساعة نظر الفضل إليها إن كان ذلك واجباً ؟ وهل الأمور التشريعية لا تنقل ؟ إنَّ مثل هذا القول يتهم الشريعة الإسلامية بالقصور لعدم نقل ما يشرع به ،وهذا الخطأ وقع فيه مؤلف كتاب “الحديث والثقافة الإسلامية لثالث ثانوي بنات ” ،إذ أوجد هذه المبررات ليعطي هذا الحديث معنى أكثر ممَّا يحتمل.

سابعاً: الرد على تكذيب إجازة الأحناف تولي المرأة القضاء

يصف فضيلة الشيخ عمَّا ذكرته عن قول بعض قضاة الحنيفية بجواز تولي المرأة القضاء في غير الحدود والقصاص “ادعاءً” ،فيقول : ( ادعت الأستاذة أن الأحناف يقولون بجواز أن تكون المرأة قاضية في غير الحدود والقصاص، وهذا غير صحيح، بل الأحناف موافقون للجمهور القائلين بعدم جواز ذلك، وإنما الذي غرها هو أن الأحناف قالوا بأن المرأة لو وليت القضاء وقضت بما يوافق الكتاب والسنة فإن حكمها ينفذ مع الإثم. (انظر رسالة: ولاية المرأة في الفقه الإسلامي، للباحث حافظ أنور، ص 222 وما بعدها).

وأقول هنا إن غرَّني “أنَّ الأحناف قالوا بأنَّ المرأة لو وليت القضاء ،وقضت بما يوافق الكتاب والسنة فإنَّ حكمها ينفذ مع الإثم” فهل غرَّ فضيلة الشيخ القرضاوي الذي قال : ( الظاهرية وممثلهم الإمام أبو محمد بن حزم يرون من حق المرأة أن تتولى القضاء، والظاهرية هم أناس حرفيون يتمسكون بظواهر النصوص، ويقاتلون دونها، فلو كان عند الظاهرية أو عند ابن حزم نصٌ يمنع المرأة لتمسك به وحارب من أجله، إنما لم يوجد، ولذلك هناك من أجاز للمرأة أن تتولى القضاء، أبو حنيفة أجاز لها أن تتولى القضاء فيما تشهد فيه. أي في غير النواحي الجنائية، إنما في النواحي المدنية والمالية يجوز أن تتولى القضاء، وفي نواحي الأحوال الشخصية يجوز أن تتولى القضاء. الإمام أبو جعفر الطبري، وهو الفقيه المحدث المفسر المؤرخ الشهير، وكان له مذهب، وله أتباع يُسمون الطبرية، وظل مدة من الزمن ثم انقرض، أبو جعفر الطبري، يرى أن من حق المرأة أن تتولى القضاء في كل شيء. )

ثامنا: الرد على مقولة أنَّ ما ذكرته من حقوق سياسية للمرأة مصادمة لنصوص الشرع مع الطعن في عقلي :

أريد أن أسأل مادامت المرأة تولت القضاء ،وقضت بما يوافق الكتاب والسنة لماذا تؤثم ؟ ألكونها أنثى؟؟؟

الذي نعرفه جميعاً إنَّ الذي يؤثم عليه المرء هو مخالفته للكتاب والسنة ،ولكن يؤثم ،وهو يقضي بموافقة الكتاب والسنة ،فهذا أمر غريب ،وتولي المرأة القضاء لم يرد نص في القرآن والسنة يحرِّمه حتى تؤثم بتوليها له !إنَّ الذين يدلون بمثل هذه الآراء لا يدركون مدى تأثيرها على المرأة من حيث إشعارها أنَّها في مرتبة دونية ،وأنها إن ارتقت منصباً كالقضاء ،وقضت بما يوافق الكتاب والسنة فهي آثمة مع أنَّ هذا من حقها لأن لها حق الفتوى ،ولأنَّه أيضاً يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولها الولاية فيه ،إنِّني أريد من الرجل أن يضع نفسه مكان المرأة ليحس بما تحس به من إذلال وامتهان عندما تعامل هذه المعاملة وفق رؤية خاصة بالرجل بعيدة كل البعد عن الإسلام ،والشريعة الإسلامية ،ومن هنا قُلتُ إنَّ حرمان المرأة من كثير من حقوقها ،ومنها الحقوق السياسية يرجع إلى نظرة الرجل الدونية للمرأة ،وتعاليه عليها بأنَه المخلوق الأعلى والأكمل ،وأنَّها المخلوق الأدنى والأقل كمالاً ،الناقص الأهلية ،ولكن فضيلة الشيخ لم يعجبه هذا القول ،فقال : ( أوهمت الأستاذة قارئها أن سبب عدم حصول المرأة لما تدعيه حقوقاً لها هو “تعالي الرجل على المرأة ورغبته بأن تكون التابع له، فهو لا يريدها أن تتقدمه، بل لا يريدها أن تسير معه جنباً إلى جنب، وإنما يريدها دائماً خلفه” !! وتجاهلت أو تغافلت عن السبب الحقيقي وهو مصادمة تلك الحقوق الموهومة لنصوص الشرع. فشابهت في هذا غلاة النساء الداعيات لتحرير المرأة الذين يصورون المسألة على أنها صراع بين الرجل والمرأة وعداوة متأصلة بينهما ! ليهونوا الأمر أمام القارئ، كما تردده نوال السعداوي كثيراً في أبحاثها. وهذه مغالطة كبيرة تقوم على تخيلات ووسوسات مرضية أنتجتها كثرة القراءة في كتب أدعياء التحرير، حيث نقلت القضية من كونها اتباعاً للشرع من عدمه إلى هذا الصراع المتخيل الذي لا يلجأ إليه إلا المرضى النفسيون من أدعياء التحرير الذي نربأ بالدكتورة أن تشابههم فيه. ويكفي الأستاذة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “إنما النساء شقائق الرجال” ولكن هذا لا يعني أن نتكلف لهن حقوقاً لا تناسبهن كما فعلت سهيلة.)

وأسأل هنا ما أسباب حرمان المرأة من حقوقها السياسية التي منحها إياها الإسلام إن لم يكن حيلولة الرجل دون ذلك بحكم تعليلاته وتفسيراته التي تحط من شأن المرأة وتنظر إليها على أنَّها ناقصة الأهلية مع أنَّها تعامل معاملة كاملي الأهلية في تطبيق الحدود والقصاص والتعزير وكافة العقوبات مثلها مثل الرجل تماماً ،بل نجد الذين يحكمون بالقوانين الوضعية يعاقبون المرأة المتهمة بتهمة الزنا ،ولا يعاقبون الرجل الزاني بها ،بل يجعلونه شاهداً على المرأة في ارتكابها فاحشة الزنا؟

واسأل فضيلته هذا السؤال وأرجوه أن يجيبني عنه بأمانة وصراحة وهو : هل لو كان الذي كتبته كتبه كاتب إسلامي له قدره ومكانته ستكتب عنه بكل هذه السخرية والاستهزاء ،وتطعن في عقيدته وعقله فتقول كما قلت عني : ( ومن سبق له أن اطلع على إنتاجهم علم أنها تردد ما رددوه وتنقل شبهاتهم كما هي ؟) ، وتقول عن كتابته كما قلت عن ما كتبته : “مغالطة كبيرة تقوم على تخيلات ووسوسات مرضية أنتجتها كثرة القراءة في كتب أدعياء التحرير “؟ إلى آخر عبارات التجريح والاستهزاء والتقليل من الشأن التي طبعت بها المداخلة ؟؟؟؟

واسأله أيضاً أين مصادمة حق المرأة في البيعة مع نصوص شرعية ، والآية صريحة في سورة الممتحنة؛ إذ يقول جلَّ شأنه ( يا أيها النَّبيُ إذا جاءك المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنكَ على أنْ لا يُشْرِكنَ باللهِ شيئاً ولا يَسْرِقَنَ ولا يزْنِينَ ولا يَقْتُلنَ أوْلاَدَهُنَّ ولا يأتِين بِبُهْتانٍ يفترِينَهُ بين أيديِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ولاَ يَعْصِينَكَ في معْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسَتغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إنَّ اللهَ غفُورٌ رَّحيم)،وقد بايعت الصحابيات رضوان الله عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وكما رأينا تخصيص النساء بالبيعة يدل على أنَّ بيعة المرأة ليست تابعة لبيعة الرجل ،وإنَّما بيعة مستقلة لا تصح البيعة ولا تكتمل إلاَّ بها ، وإلاَّ لجعل الخطاب في الآية للعموم ،كما نلاحظ هنا أنَّ الرجال لم يخاطبوا فيها ،ومن تكريم الإسلام للمرأة جعل بيعة الرجال مبنية على بيعة النساء ،وهي أهم الحقوق السياسية ،فبايعوا ببيعة النساء ،فكانوا يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم على أن لا يشركوا بالله ..الخ الآية، فقد روى البخاري : ( عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه “كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ؟ وقرأ آية النساء فمن وفى منكم فأجره على الله ،ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب ،فهو كفارة له ،ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله ،فهو إلى الله إن شاء عذبه ،وإن شاء غفر له )

وأين مخالفة نصوص الشريعة في حق المرأة في الولاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طبقاً لقوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) وقد قال ابن تيمية في السياسة الشرعية : ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلاَّ بقوة وإمارة ،ومن هنا كانت الإمارة أو ولاية الناس من أعظم واجبات الدين) ،وتقول الدكتورة فاطمة نصيف نقلاً عن صاحب التفسير القرآني عبد الكريم الخطيب : ( بعضكم من بعض ) إشارة صريحة إلى أنَّ المرأة والرجل على سواء عند الله في الجزاء ثوابًا وعقابًا ،وأنَّها ليست في منزلة دون الرجل ،بل هما على درجة واحدة من الأهلية واحتمال التبعية ،وحمل الأمانة …وكيف لا يكون هذا ،وهما من خلق واحد ) [ ص 228] فإن كان هذا معنى( بعضكم من بعض ) ألا يعني أنَّ المرأة تتساوى مع الرجل في الولاية بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ ،وقد أشارت الدكتورة فاطمة إلى ذلك ،وسبق أن أوردتُ إشارتها.

وأين مخالفة نصوص الشريعة في حق إجارة المحارب ،والله جل شأنه يقول :

( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثُمَّ ابلغه مأمنه ذلك بأنَّهم قوم لا يعلمون)

والإسلام أعطى للمرأة حق إجارة المحارب كما جاء في حديث أم هانئ؟

وأين مخالفة نصوص الشريعة في حق المرأة في الشورى مع نصوص شرعية ،وآيتا الشورى الخطاب فيهما على العموم للرجال والنساء، يقول تعالى في الآية 159 من سورة آل عمران : ( فَبِمَا رَحمَةٍ مَّن اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك فَاعفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُم في الأَمْرِ) ننتقل الآن إلى الآية 38 من سورة الشورى ،يقول تعالى : ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبَّهم وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون)

تقول الدكتورة فاطمة نصيف في رسالتها التي أشرتُ إليها سابقاً : [ ولما كانت أمور المسلمين كلها قائمة على الشورى ،فإنَّه من الواجب على المسلم ـ ذكراً أو أنثى ـ أن يدلي برأيه إذا وضح له وجه الحق في أمر ما حرصاً على مصلحة الأمة وتلبية لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ]ثم تقول الدكتورة فاطمة عن تفسير ابن كثير لهذه الآية : [ المقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن ،وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ،فإن لم يستطع فبلسانه ،وإن لم يستطع فبقلبه ،وذلك أضعف الإيمان) ]

هذه هي الحقوق السياسية التي منحها الإسلام للمرأة ،والتي ذكرتها فهل يليق أن توصف بأنَّها من اقتراحاتي ،كما وصفها فضيلته عندما قال : (أجادت الأستاذة كثيراً في تنبهها إلى أن الغرب يضغط على بلادنا في سبيل إقرار نموذجه الغربي للمرأة، وأنه يستعين في ذلك بطائفة العلمانيات المنافقات الموجودات بيننا –لا كثرهن الله- . ولكنها هولت الأمر، مقترحة أنّ الحل يكمن في أن نعطي المرأة تلك الحقوق التي اقترحتها !

فحرصًا مني على مصلحة الأمة جاء طرحي لحقوق المرأة السياسية في الإسلام ،في هذه الظروف بالذات ،فقد كتبت على مدى ربع قرن حوالي عشرين مؤلفاً عن المرأة في الإسلام ،ولم أتطرق إلى الحقوق السياسية للمرأة فيها ،ولكن وجدتُ الآن وتحت ما يتعرض الإسلام من هجمة شرسة من قبل الأعداء تتهمه بامتهان المرأة ،وتريد الضغط على بلادنا بشأن المرأة ،وفرض عليها عقوبات اقتصادية ،ونحن لا زلنا نتحاشى طرق هذا الموضوع ،وكأنَّه ليس من الإسلام ،ويخالف قواعده ،مع أنَّ الإسلام أعطى للمرأة حقوقاً سياسية لم يعطها الغرب لنسائه ،وإن كانت العلمانيات “في بلادنا لا يطمحن بربع” تلك الحقوق التي نسبها لي فضيلته ،وبرَّأ الإسلام منها ،منكراً بذلك نصوصاً قرآنية قطعية الدلالة ،من أجل ألاَّ تنالها المرأة ،وكوني طالبتُ بهذه الحقوق وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية ،وضوابطها ،منعاً من وقوعنا تحت ضغوط غربية أمريكية تستخدم القوة العسكرية ،والحصار الاقتصادي، والحملات الإعلامية المكثفة لتنفيذ ما تريد لبسط سيطرتها ونفوذها علينا بهدف القضاء على الإسلام ،والاستيلاء على خيرات بلادنا متخذة من عدم نيل المرأة السعودية حقوق سياسية ذريعة لهذا التدخل ،كما أردتُ أن أوجه رسالة لمن يتهم حكومتنا بخنق حرية التعبير ،مفادها : ها أنا ذي أطرح قضية حساسة وحرجة في جريدة حكومية ،لم يجرؤ أحد من قبل طرحها في الصحافة ،ولم يكمم فمي ،ويخرس صوتي ،بل أناقش وأحاور وأرد ،كما أردتُ أن أقول لهم : إنَّ أبواب الحوار بيننا وبين أولي الأمر في بلادنا مفتوحة ،وأنَّنا نحن النساء السعوديات قادرات على المطالبة بما لنا من حقوق، ولسنا بحاجة إليكم للدفاع عنا ،فنحن وأولي الأمر في بلادنا نتحاور ونتناقش ،فدعونا وشأننا ،ولله الحمد فقد فهم أولي الأمر في بلادي هذه الرسالة ،ولكن فضيلة الشيخ كما يبدو لم يفهمها ،وجعل سوء الظن ،هو الذي يتحكم في رؤيته لما طرحته فتارة يتهمني بالاستجابة لمطالب الغرب ،والرضوخ لضغوطهم ،مقدمَّة تنازلات في ديني إرضاءً لهم، وتارة أخرى يتهمني بِأنني مصابة بِ(تخيلات ووسوسات مرضية أنتجتها كثرة القراءة في كتب أدعياء التحرير، حيث نقلت القضية من كونها اتباعاً للشرع من عدمه إلى هذا الصراع المتخيل الذي لا يلجأ إليه إلا المرضى النفسيون من أدعياء التحرير)

وأنا أسأله أية تنازلات التي قدمتها إرضاءً لأعدائنا ؟ وأين تلك الوساوس والتخيلات المرضية التي أنتابتني عندما قلت إنَّ الرجل ينظر إلى المرأة نظرة دونية ،متعالياً عليها ،أليست هي الحقيقة ؟وإلاَّ لمَ هذا الإنكار لحقوقها السياسية التي منحها إياها الإسلام ،مع وجود نصوص قرآنية قطعية الدلالة تثبتها ،ومع هذا يُقال إنها حقوق وهمية تتصادم مع نصوص شرعية، وأنَّها من اقتراحاتي؟

واضح أنَّ فضيلته ينكر الحقوق السياسية للمرأة التي أعطاها إيَّاها الإسلام ،وله وجهة نظر خاصة بشأن هذه الحقوق ،فهل ينكرها على الإطلاق ؟ هل يرى للمرأة حقوقاً سياسية خلاف التي ذكرتها ؟ الحقيقة أنَّ فضيلته لم يحدد تلك الحقوق، ولم يحدد مقصده من هذا الهجوم الإنكاري لطرحها على بساطي البحث والنقاش.

وأخيراً : التعلق بأستار الكعبة بدعة :

يقول فضيلته :” إنَّ التعلق بأستار الكعبة بدعة” ،وأقول هنا ما دامت هي بدعة لمَ يُسمح للرجال بها ،وتمنع عن النساء فقط ،أم هي بدعة على النساء دون الرجال فتمنع عنهن وتمنح لهم؟؟؟

أمَّا ما اتهمني به فضيلته من اتهامات متكررة عن التأثر بالعلمانيين ودعاة التغريب ،وأدعياء التحرير ،فأنا واثقة من أنَّه سيجد كم ظلمني عندما سيقرأ سلسة الفكر العربي تحت مجهر التصور الإسلامي المكونة من ست وعشرين جزءً عندما ترى النورـ إن شاء الله ـ وقد تصديتُ في هذه السلسة لكبار الأدباء والمفكرين ،ووضعتُ إنتاجهم الفكري تحت مجهر التصور الإسلامي وفق نظرية التصور الإسلامي في النقد الأدبي التي طبقتها ،وأسهمتُ في التنظير لها ،وقد صدر منها كتاب “إحسان عبد القدوس بين العلمانية والفرويدية” ،وهو أول دراسة نقدية لأدب إحسان عبد القدوس من منظور إسلامي ،وهو الكتاب الوحيد الذي صدر من هذه السلسلة ،وباقي الأجزاء نشر بعضها في الصحف مثل :”فكر توفيق الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي” و نشر في ملحق جريدة الندوة الأدبي على مدى ثلاث سنوات، وهو أيضاً أول دراسة نقدية لفكر توفيق الحكيم من منظور إسلامي ، و”أدونيس رائد الحداثة الملحدة” الذي نشر في جريدة” المسلمون” ،و”التأثير الغربي على فكر الدكتور طه حسين” نشر أيضاً في” المسلمون “،وقراءة في كتاب المرأة واللغة للدكتور عبد الله الغذامي” نشر في ملحق الأربعاء الذي يصدر عن جريدة المدينة ،و”فقر فكر الدكتور يوسف إدريس” ا نشر في جريدة المدينة ،والدكتورة “نوال السعداوي بين الإباحية والفرويدية” ،وقد نشر في جريدة” المسلمون “،ونشره الأستاذ ياسر فرحات في كتابه” المواجهة مع الدكتورة نوال السعداوي” ،تحت عنوان “كيف أفحمت الكاتبة السعودية الشابة سهيلة حمَّاد الدكتورة نوال السعداوي ؟” ،كما تصديتُ في هذه السلسلة لنجيب محفوظ ونزار قباني ،وصلاح عبد الصبور ،وأمل دنقل ،وقاسم أمين وغيرهم ،وعندما يطلع فضيلته على ردي في ألفي صفحة على ما أثاره ستة عشر مستشرقاً من شبهات حول الإسلام سيجد إلى أي حد قد ظلمني ،وأدعوه أن يطلع على مجلة المنهل عدد الجمادين ،وهو موجود الآن في الأسواق حيث به مقالة لي بعنوان” مواجهاتي مع العلمانيين في مؤتمر مائة عام على تحرير المرأة “وسوف يقرأ كيف تصديتُ لأكثر من ثلاثمائة من العلمانيين والعلمانيات، وواجهتهم وجهاً لوجه ،ودحَّضتُ أقوالهم ،وكيف حُلتُ دون أن يُصدِر هذا المؤتمر توصيات ؟،كما كتبتُ عدة مقالات عن المؤتمر وحللته برؤية إسلامية ،ليرى هل تأثرت بالعلمانيين ولبستُ ثوبهم كما اتهمني؟ كما أدعوه لقراءة ردي على المثقفين الأمريكان الذي نشر في موقع ” الإسلام اليوم “محاور إعلامية “قضايا وحوارات” ،ونشر في جزءين تحت عنوان ” على أي أساس نُقتل ونُحَارَب؟ “ليرى هل قدمتُ تنازلات للغرب كما اتهمني؟ وقد كتبتُ هذا الرد لأني غير راضية على رد المثقفين السعوديين ؛إذ وجدتُ فيه شيئاً من التنازل لا أرضاه، كما أدعوه إلى قراءة دراسة لي سوف تنشر ـ إن شاء الله ـ في مجلة” جسور” بعنوان : ” حوار الحضارات ـ الأديان ـ الثقافات حوار هو أم تنازلات”؟

عندئذ سيتيقن فضيلته كم كان متجنيًآ عليَّ!

وختامًا أقول :كم كنتُ أتمنى لو التزم فضيلة الشيخ سليمان الخراشي بأخلاق العلماء المنصفين ، ولكنه للأسف الشديد ـ أقولها وقلبي يعتصر ألماً وأسى وحسرة ـ لم يتحر الدقة في النقل عني ،ولم يتحلى بالنقاش العلمي المعهود من العلماء في تعليقه على ما كتبته ! وكم كنتُ أتمنى التزامه بمناهج العلماء في مناقشة القضايا على اختلافها ،وأن يتجنب أسلوب التعميم والتكفير والإهانة والتجريح الذي اتبعه معي لدرجة جعلته يشبهني بالمرضى النفسيين ذوي التخيلات والوسوسات ، ولستُ أدري هل لكونه عالم دين أعطى لنفسه إتباع هذا الأسلوب الذي ترفع عنه القراء الكرام الذين عارضوني في ما كتبته ؟ وفات فضيلته إنَّ كونه عالم دين يضع عليه مسؤولية أكبر في الأمانة في النقل والبعد عن التعميمات والتكفير والتجريح لا الطعن في العقل والعقيدة ، كما فعل فضيلته ، يقول تعالى : ( ما يلفظ من قول إلاَّ لديه رقيب عتيد ) ويقول جلَّ شأنه : ( إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)،وقال صلى الله عليه وسلم : ( وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلاَّ حصاد ألسنتهم؟)،وحسبي الله ونعم الوكيل.
Join the discussion