هُوِية أطفالنا في عصر العولمة!

هُوِية أطفالنا في عصر العولمة!

هُوِية أطفالنا في عصر العولمة!

د. سهيلة زين العابدين حمّاد

خاص للمدونة

من خلال قراءة لما طرحه المختصون من تربويين وإعلاميين ومفكرين من أوراق عمل في مؤتمر الطفل العربي في مهب التأثيرات الثقافية الذي نظمه المجلس العربي للطفولة والتنمية

مع عدد من الشركاء في الإسكندرية في الفترة من 25-27 سبتمبر / أيلول عام 2005م حول هوية الطفل العربي ولغته ومصادر ثقافته في عصر العولمة ،وحقوقه الثقافية، ومدى تأثير الإعلام المحلي والأجنبي عليه ،ومن خلال مشاركة الأطفال من بعض البلاد العربية والاستماع إلى مطالبهم واحتياجاتهم الثقافية تبيَّن الآتي :

أولاً: تقصيرنا في بناء أطفالنا ،بل وجدنا أنفسنا قد قذفنا بفلذات أكبادنا في خضم العولمة لتبتلعهم ،وتسلخهم من هويتهم.

ثانياً : أنَّ الثقافةَ المطروحةَ والمقدمةَ للطفل العربي مفروضة عليه إما من قبلنا ،أو من قبل العالم المحيط به دون مراعاة لرغباته واحتياجاته وقدراته ومواهبه.

ونحن بذلك تجاوزنا جوهر حقوق الطفل.

الحق الأول : البناء ،بناء الطفل الذي يقوم على ثلاث أسس ،هي :

1-تحديد الهُوية ” من أنا ؟”

2- تحديد الانتماء ” أشبه من أنا ؟ لمن أنتمي؟”

3- تحديد القدوة ،أو المرجعية “من اتبع؟”

وتحديد الهُوية به يتم رسم العلاقاتُ الأولى للإنسان ،أو الطفل ملامح ذاته ،وترسي له التوازن في خطوات تعامله مع الآخرين ،ونحن العرب هويتنا ” العروبة ” منا مسلمون ،ومنا مسيحيون ،ونحن كعرب على اختلاف أدياننا ،فجميعنا أصولنا وجذورنا واحدة ،والمسلمون منا هُوِيتهم الإسلام والعروبة ،والقرآن الكريم حدد هُوِية المسلم في قوله تعالى في سورة الأنعام : ( قُلْ إِنَّ صَلاَتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي للهِ ربِّ العالمين * لا شريكَ له وبِذلِكَ أُمرتُ وأنا أوَّلُ المسلمين) وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤولية الأبوين في تشكيل الهُوية ،فيقول : ” كل مولود يولد على الفطرة ،فأبواه يهودانه أو يمجسانه ،أو ينصرانه)

فتحديد الهُوِية ،والتمسكُ بها ،والاعتزازُ بها سيعطي توازناً للطفل طوال حياته ،ويجعل له هدفاً يسعى من أجله ،وهو تعزيز هذه الهُوية وتأكيدُها والافتخارُ بها ،لأنَّها تمثل كيانه ووجوده وانتماؤه ،وبدونها يعيش في ضياع قاتل ،وعليه أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة من أجل أن لا يسيء إليها ،بل يكد ويكافح لتتبوأ مكانة عالية بين الهُويات الأخرى.

وتحديد الهُوية ينبغي أن يتسم بالوضوح الذي يقتضي منا العمل لإشادة العلم الصحيح ،وبناء القلب السليم بالتربية ،وإعطاء القدوة الحسنة من أنفسنا ،وتوفير البيئة التي تُعين على تبلور تلك الأمور .

ومن خلال البحوث والدراسات التي طُرحت في المؤتمر ،والتي تعكس واقعنا المرير للأسف الشديد ،تبين لنا أنَّ هناك قصوراً منا في تحديد الهوية ووضوحها ،فلم نقدم لأولادنا العلم الصحيح ،ولم نحسن تربيتهم ليكون بناء قلوبهم سليماً ،ولم نكن في كثير من الأحوال تلك القدوة الحسنة ،ولم نوفر لهم البيئة التي تعين على بلورة ما يتلقونه منا ،بل بالعكس نحن وفرنا لهم البيئة التي تسلخهم من هُويتهم التي اكتسبوها من عيشهم معنا في مجتمعاتنا. نحدثهم بلغة أجنبية ،ندخلهم مدراس أجنبية ،نذهب بهم إلى مطاعم أجنبية ،نلبسهم لبساً قد يكون مطبوعاً عليه أحرف أجنبية ،بل أحياناً يكون مطبوع عليهم أعلاماً لدول أجنبية ،جعلنا من التلفاز جليسهم يلقنهم ما يريد مبثوا برامجه دون توجيه منا ،دون إيجاد لديهم الحس النقدي ليقوِّمُوا ما يرونه ،فيرفضون ما لا يتفق مع قيمهم ودينهم وأخلاقياتهم التي ربيناهم عليها ،ويأخذون منها ما يفيدهم وينمي معارفهم ومداركهم ،وضعنا حواجز بينهم وبين خالقهم ،حاجز يقوم على التخويف والترهيب ،”الله سيعذبك” ،”الله سيحرقك في جهنم” ،لم ننشئه على محبة الله ،لم نجعل علاقته بخالقه علاقة حب ،فيعمل على إرضائه لأنًه يحبه ،قبل أن يخاف من عقابه ،فالإنسان إن أحب إنساناً يسعى لإرضائه ،فما بالكم إن أحبَّ خالقه ،نعلمه أن الله معه ،ناظر إليه ،شاهد عليه ،فمن يتربى على هذا لا يعصي خالقه.

نحن بالغلو والتطرف ،وتفسير الدين وفق أهواء وعادات وتقاليد وأعراف جاهلية ،ملبسينها لباس الإسلام أوجدنا هوة بين أولادنا وبين دينهم ،أصبحوا يعتبرون تطبيق الشريعة الإسلامية كارثة مأساوية ،لأنًنا أسأنا تطبيقها ،نسبنا كل المحرمات ،وكل ما نريد نحن أن نحرمه إلى الإسلام ،فكرِهَ شبابُنا الإسلام ،وبالأخص بناتنا اللواتي يعتبرن الإسلام يحرمهن من كل ما يتمتعن به من حقوق ،وأنَّ تطبيق الشريعة الإسلامية يعني الحكم على المرأة بالحبس والقهر والضرب والجهل ،كما كتبت إحدى الأخوات العراقيات معترضة على جعل الشريعة الإسلامية هي قوام الدولة العربية العراقية المسلمة .

فحفاظنا على هُوِيتنا العربية والإسلامية يكون بتمسكنا بعروبتنا ،بلغتنا ،بديننا ،واللغة العربية الآن تتعرض لعملية هدم كبرى من خلال مشروع أمريكي تحت مسمى تحديث الثقافة العربية ،ويتضمن هذا المشروع الدعوة لكتابة اللغة العربية بالأحرف اللاتينية بدعوى أنَّ حروف العربية المائلة تربي العنف في صغارنا ،ومبررات أخرى ساذجة تستهدف اللغة العربية ،لأنَّها لغة القرآن ،فإذا تمكنوا من القضاء على العربية يتمكنون من القضاء على القرآن الكريم حيث فشلت كل محاولاتهم للنيل منه ،من هنا علينا أن نحافظ على لغتنا ،وعلى تعليمها لأولادنا لنحافظ على قرآننا ،وعلى هويتنا.

ومن خلال تقرير نتائج ورشة العمل التحضيرية التي شارك فيها أطفال من عدد من الأقطار العربية ( الأردن ،الإمارات العربية المتحدة ،تونس ، سوريا ، فلسطين ، قطر ، عُمان ، لبنان ،مصر ،اليمن )،وأعمارهم تتراوح من 6 سنوات ،وثمان سنوات ،و10 سنوات ،و13 سنة ،و14 سنة، و17سنة ،و18 سنة ، أكدت عدم تمتع الطفل العربي بحقوقه الثقافية ،وأنَّ مصادر ثقافته الإعلام في المقام الأول ،يليه اللعب ،أما الكتاب فيحتل المرتبة الثالثة. واختفى دور الأسرة كمصدر ثقافي للطفل ،وهذا يعني تقاعس الأسرة ،أو تراجع دور الأم والأب كمصدر ثقافي ،بل نجدهما قد اختفيا ،ولم يقوما بدور الموجه والمعلم في عملية التلقين الثقافي لأطفالهما ،كما نجد عدم ذكر للمدرسة كرافد ثقافي لأطفالنا .

أيضاً نلحظ من خلال قراءتنا لهذه النتائج عدم رضا أطفالنا وقناعتهم بما يقدم لهم التلفاز من برامج موجهة لهم ،وأيضا نجدهم يطالبون بزيادة المواد المطبوعة كماً وكيفاً ،أي أنَّهم غير راضيين أيضاً على ما يقدم لهم من مواد مقروءة ،ونجدهم أيضاً غير راضيين عن التعليم الذي يتلقونه طرقاً ومنهجاً .

عدم الرضا هذه يؤكد لنا أنَّنا نسير في وجهة ،وأولادنا يسيرون في وجهة أخرى ،لم نقدم لهم ما يشبع رغباتهم واحتياجاتهم وقدراتهم ،وما يتناسب مع العصر الذي يعيشونه ،لازلنا نخاطب طفل اليوم بنفس الطريقة التي نخاطب بها الطفل في الثمانينات من القرن الماضي ،لابد أن نلاحق التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم ،وأن نتعامل مع أطفالنا وفق قيمنا ومبادئنا وديننا ،ولكن دون أن نتجاهل الطور والزمن الذي يعيشونه ،لابد أن نعمل من أجل أن يحافظوا على دينهم و هويتهم ولغتهم وقيمهم دون أن نعزلهم عن العالم المحيط بهم ،أن نعلمهم كيف يتعاملون معه ،وكيف يرسلون ،ولا يكونون المتلقين فقط ،وماذا يقبلون مما يتلقونه ،وماذا يرفضون مما يتلقونه؟

Suhaila_hammad@hotmail.com

Join the discussion