دماء على الإسفلت

دماء على الإسفلت

دماء على الإسفلت
الخميس, 5 يونيو 2008
سهيلة حمّاد
أناشد وزير التربية والتعليم ايقاف هذا المسلسل الدامي بإنشاء معاهد متوسطة وثانوية لإعداد معلمات من بنات القرى ذاتها وتأمين سكن داخلي لطالبات القرى
لقد روت دماء الكثير من بناتنا وأخواتنا المعلمات إسفلت الكثير من الطرق المؤدية لقرانا المنتشرة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً


، ولا يزال مسلسل حوادث معلمات القرى مستمراً ،ولم تخط وزارة التربية والتعليم أية خطوة لإيقاف هذا المسلسل الدامي . ووراء هذا المسلسل الدامي قصص مأساوية ترويها بطلاتها منها :
من أجل أمنا
أنا أعيش في مدينة جدة مع أمي وأختيْن لي معلمتين تعملان في مدرسة بالليث ،رأت أختاي أن تقيما في الليث ،وتأتيا في أيام الإجازة ،وكان السائق الذي اتفقتا معه لإيصالهما من وإلى جدة يحضر لهما لوازمهما ،وكانت تبدو منه حركات تحرش بهما ،لأنَّهما بمفردهما ،توفي والدي رحمه الله ، ولم يترك لنا ما يعيشنا ،أمي مريضة بالقلب ،وأنا أعاني من مرض يتطلب دوام المتابعة في المستشفى ،بوفاة والدي أصبح العمل بالنسبة لنا ضرورة ملحة ،مسألة حياة أو موت ، تخرَّجتُ من الجامعة ،وجاء تعييني في الليث أيضاً ، أجريت لأمي عملية في قلبها ،وأوصى الطبيب بضرورة وجود أحد معها ،وكتب تقريراً بهذا ،وتقدمنا به لإدارة التعليم لنقلنا إلى مدرسة في جدة ،ولكن لم يُستجب إلى طلبنا ،قدمتُ أنا طلباً لنقلي إلى جدة لظروفي الصحية مرفقاً بتقرير طبي يشرح حالتي ،وفوجئت بنقلي في قرية أبعد من الليث، في مدرسة لا تحتاج إلى مدرسات ،وأصبحتُ أخرج من بيتي يومياً الساعة الثانية صباحاً ،وأعود إليه الرابعة عصراً ،لأثبت فقط في سجلها حضوري لئلا أفصل من العمل …
الشلل يقترب مني
أنا معلمة أعمل في قرية نائية جداً الطريق المؤدي إليها غير معبدة ،السيارة ترتفع وتنخفض بي مئات المرات حتى أصل إلى المدرسة ،بعد ثلاثة أشهر من عملي في المدرسة بدأتُ أعاني من آلام شديدة في ظهري ،ذهبتُ إلى الطبيب المختص ،ويعد الأشعة والفحوصات تبيَّن أنَّ « خضخضة» السيارة اليومية أثَّرت على عظامي ،فسبَّبت لي انزلاقاً غُضروفياً ،وحذَّرني الطبيب من استمرار سفري اليومي لهذه القرية ، وقال لي : ستصابين بشلل إن استمررتِ على الحال هذه ،وطلبتُ منه أن يكتب لي تقريراً بذلك … أعطاني التقرير ،قدمت طلباً لإدارة تعليم البنات برفقة التقرير ،وطلبتُ نقلي إلى مدرسة في مدينتي ،ولكن … لا حياة لمن تُنادي.
موقف الأتوبيس
أنا من اللواتي نُكبن في التعيين في قرى نائية ،عندما جاء تعييني أنا وزميلاتي ،أخذنا نبحث عن سائق مؤتمن ليوصلنا إلى المدرسة يومياً ،ويعيدنا ،واتفقنا مع أحد السائقين ،ونحن في الطريق استوقفه أحد رجال الشرطة ،وسأله من اللواتي معك ،وأين ذاهب بهن ، فأخبره السائق هؤلاء معلمات يعملن في قرية … ،فقال له رجل الشرطة : ممنوع تركب نساء بلا محرم ،وسحب منه رخصته. أخذنا نبحث عن وسيلة توصلنا للمدرسة ،فعرفنا أنَّ أتوبيس النقل الجماعي ،يوصل للقرية التي نعمل فيها ، وركبنا الأتوبيس ،ولكن الشبان في الموقف ،يتحرشون بنا ، لأنَّه في ظنَّهم ما دمنا خرجنا من مدينتنا ،وعملنا خارجها ،فنحن ممكن أن نتخلى عن … ,أن نكون سهلات الانقياد والانحراف ،الدمعة باتت لا تفارق أعيننا
عاريات على الطريق العام!!!
شاء الله لي أنَّ أُعيَّن معلمة في إحدى مدارس البنات الابتدائية في قرية تبعد عن المدينة المنورة التي وُلدتُ وأعيش فيها أكثر من مائة وخمسين كيلومتراً ، اضطررتُ قبول العمل لوفاة والدي ،ولا يوجد من يعيلني أنا وأمي ,وأختي الصُغرى، والمشكلة هي كيف أذهب إلى المدرسة ،ولم توفر لي إدارة التعليم مواصلات مؤمنة ؟
وجدتُ زميلتيْن لي قد تعينتا في المدرسة التي عُيِّنت فيها ،وأخذنا نبحث عن سيارة مؤمنة توصلنا إلى المدرسة ،وحرصنا على أن تكون زوجة السائق معنا لنكون مطمئنات على أنفسنا. اليوم أول الشهر ،وقد استلمنا أول راتب نقبضه، وكان ثلاثتنا فرحاً ،وفي طريق عودتنا إلى المدينة المنورة ،فجأة توقفت السيارة ؛وإذ بالسائق يُشهر مسدساً في وجوهنا ،ويأمرنا بالنزول من السيارة ،واقتربت منا زوجته ،وأخذت تنزع منا ملابسنا ،وأخذت من حقابنا كل ما فيها من نقود، كما أخذت كل ملابسنا ،وركبت هي وزوجها السيارة ،وتركانا عاريات بلا ملابس لئلا نستغيث بمن يلاحقهما ،وظللنا نتستر بالشجر، والسيارات تمر في الطريق العام ،ولم نستطع إيقاف أي منها ،وأقبل الليل علينا ، أخذنا نتلو ما نحفظه من القرآن الكريم ،وندعو الله أن يسترنا ،ولا يفضحنا ،والدموع تنهمر كالأنهر من أعيننا وظللنا على هذه الحال ساعات طوالا ،زاد الطقس برودة ، وبطوننا أخذت تتلوى من الجوع، أمَّا ريقنا فقد أصبح كالحطب ،ووجدتُ أنَّنا إذا ظللنا هكذا سنموت ،فوقفتُ مرغمة في الطريق ،وشاورتُ لأول سيارة قادمة ،توقفت السيارة ،ومن حسن الحظ أنَّ قائدها كان رجلاً طيباً صالحاً ،لم ينظر إليَّ .
رمى لنا من ملابسه ما يسترنا، وأوصلنا إلى المدينة.
وبعد البحث تبيَّن أنَّ السائق وزوجه سافرا إلى بلادهما في نفس يوم الحادثة ،حيث كانت تنتظرهما سيارة في الطريق ،وأخذ منهما صاحبها رواتبنا ،فكان هو المدبر لهذه الخطة الشيطانية متفقاً معهما على أن يُعطيهما نسبة من المبلغ.
هذه القصص ليست من نسج الخيال ،وإنما روى لي بعضها صاحباتها ،وبعضها من على صلة بهن، ،وهي قليل من كثير ،أناشد معالي وزير التربية والتعليم أن يوقف هذا المسلسل الدامي ،بأن:
• ينشئ في القرى معاهد متوسطة وثانوية لإعداد معلمات من بنات القرى ذاتها .
• ينشئ كليات متوسطة في المدن المحيطة بالقرى ،ويؤمن سكناً داخلياً لطالبات القرى.
• أن يتعاقد مع معلمات غير سعوديات للعمل في القرى ،ريثما يتم تخرج دفعات من تلك المعاهد.
…………………………………
نُشر في صفحة الرأي بجريدة المدينة المنورة.

Join the discussion