قراءة متأنية لخطاب الرئيس أوباما للعالم الإسلامي (2-3)

قراءة متأنية لخطاب الرئيس أوباما للعالم الإسلامي (2-3)

قراءة متأنية لخطاب الرئيس أوباما للعالم الإسلامي (2-3)

الخميس, 18 يونيو 2009 جريدة المدينة في 
د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
أواصل قراءتي لخطاب الرئيس أوباما الذي وجهه للعالم الإسلامي؛ إذ نجده عندما تحدث ‏عن ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر الثلاثة آلاف

، لم يعتذر للعرب والمسلمين عن ‏الأكثر من مليون عراقي وربع المليون الذين قتلوا من قبل قوات الاحتلال الأمريكي ‏لبلادهم، والذي أقر أوباما بنفسه أنَّه كان احتلالاً اختيارياً لم تُجبر الولايات المتحدة عليه، ولم ‏يعتذر عن الخراب والدمار الذي حل بالعراق، وتلويث أرضه ومائه ونباته باليورانيوم المنضب ‏والمواد المشعة السامة، ولم يعتذر للشعب العراقي الذي يعاني الآن من الفقر والمرض ‏والانقسام وانعدام الأمن، ولم يعتذر للشعب العراقي الذي سُرق تاريخه وتراثه ونفطه، ودُمرت ‏بعض آثاره، ولم يعتذر عن الأكثر من مليون عراقي الذين هاجروا من العراق إبان الاحتلال ‏الأمريكي وأضعافهم الذين شوهتهم الحرب وحوّلتهم إلى مُعاقين، ولم يعتذر لأسر المعتقلين في ‏جوانتنامو الذين مضى على اعتقالهم سبع سنوات، وهم بدون محاكمة، ويُعانون من صنوف ‏الإذلال والتعذيب أمر المعاناة، ممَّا أفضى ببعضهم إلى الانتحار، ولم يعتذر عن مئات الألوف ‏من المدنيين الأفغان جُلهم من الأطفال والنساء والمسنين الذين قتلوا في الغارات الأمريكية، وأقربها في الشهر الماضي -أي في ولايته- فقد صرح مسؤول في الحكومة الأفغانية بأنَّ‏‎ ‎إحدى الغارات الأمريكية على منطقة هلمند أوقعت 174 قتيلاً مدنياً بينهم عدد من‏‎ ‎الأطفال، ‏واعترفت الشرطة بأنَّ غارة أخرى على غرب أفغانستان قتلت مائة من الأفغان‏‎ ‎منهم عشرات ‏الأطفال والنساء قتلوا وهم في منازلهم؟!
بل نجد بعد موافقته هو على قرار قضائي بنشر صور التعذيب الأمريكي‎ ‎للعراقيين ‏والأفغان عاد واعترض على أمر المحكمة رغم أنَّ هذا النشر سيكون بمثابة‏‎ ‎اعتذار ‏أمريكي للعرب والمسلمين على السياسة الإرهابية لسلفه وسيحسن صورة الولايات‏‎ ‎المتحدة ‏وسيكون دفاعاً حقيقياً عما يدعيه عن القيم الأخلاقية الأمريكية، وكان أوباما‎ ‎قد اقترح ‏تشريعاً قانونياً يسمح باعتقال المشتبه فيهم وعدم إطلاق سراحهم رغم عدم وجود‎ ‎أدلة ‏لاتهامهم، واعتبرت منظمة العفو الدولية أنَّ إدارة أوباما أخفقت في تنفيذ وعودها‏‎ ‎بشأن ‏حقوق الإنسان وربطت ذلك بعدم محاكمة رجال المخابرات المتهمين‎ ‎بالتعذيب‎.
فإن كان غير مسموح له بالاعتذار، لأنَّه ليس من عُرف الغرب الاعتذار للعرب ‏والمسلمين، فهم ينظرون إلينا نظرة دونية، فكان الأولى أن يتحاشى التطرق إلى ‏أحداث سبتمبر، وما جرَّت إليه، وهو يدرك في قرارة نفسه أنَّها صناعة صهيو ‏أمريكية. كما نجد الرئيس أوباما قد اتبع في خطابه نظرية المقابلة شيء يُقابله شيء ليفرضه، ويجعله ‏واقعاً، ولكنه لم يكن محقاً ولا منصفاً ولا متوازناً في مقابلته، ممَّا أفقده مصداقيته.
 فعند مطالبته حماس بتخليها عن «المقاومة» التي أطلق عليها «عنفاً»، ومقابلة ذلك بحصول ‏الزنوج على حقوقهم في أمريكا بالسلم، وليس بالعنف، فمع احترامي وتقديري له فإنَّ هذه ‏المقابلة ليست في محلها، وتحمل مغالطة تاريخية كبرى، لأنَّ الزنوج أساساً لم يكونوا أصحاب ‏الأرض في أمريكا، وإنَّما اختطفوا من بلادهم ليكونوا عبيداً وأرقاء للبيض، ليعملوا في ‏المزارع والمناجم، وقامت ثورات الزنوج احتجاجاً على التمييز‎ ‎العنصري كانت أولها ثورة ‏الزنوج في عهد الرئيس «إبراهام لنكولن»، ومنها ثورة‎ «الحافلات» في الستينيات من القرن ‏العشرين، وثورة عام 1967م إثر قتل «مارتن لوثر‎ ‎كنج». وكُتب التاريخ الأمريكية تتجاهل ‏تماماً الزنوج وثوراتهم، فهي لا تعدهم من‎ ‎عداد البشر. ‎ولا يزال السود في الولايات المتحدة ‏الأمريكية بلد «الحريات السبع» و«المساواة» و«الديمقراطية» و«العلم» يعانون من مآسي الاضطهاد، ‏وعدم الاعتراف للعناصر‎ ‎الملونة بالمرتبة الإنسانية التي يتمتع بها البيض. ولا يعني تولي ‏الرئيس أوباما الحكم أنَّ زنوج أمريكا قد حصلوا على كامل حقوقهم، هذا من ناحية ومن ناحية ‏أخرى فإنَّ المقابلة الحقيقية تكون بالهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا الذين أبادهم الرجل ‏الأبيض وقضى عليهم، كما تريد إسرائيل الآن أن تبيد الشعب الفلسطيني وتقضي عليه، فلنقرأ ‏معاً هذه الأسطر لوليام لانجر في موسوعته تاريخ العالم؛ إذ يقول تحت هذا العنوان: «الولايات المتحدة من 1862-1886م: ترويض “هنود السهول” أدى‎ ‎الضغط المستمر لهجرات السكان البيض إلى جانب نقص الوعود المبذولة ‏للهنود إلى قيام‎ ‎ثورات مستمرة من جانب هؤلاء الهنود، وقد قام قانون حق التملك ‏السكني (1862م) بدور‎ ‎بارز في التوطين في الغرب، كما عاون «قانون ‏موريل» (1862م) الذي أعطى للولايات منحاً‎ ‎من الأرض لإنشاء كليات زراعية على ‏فتح مناطق جديدة، وفي عام 1862م رخَّص الكونجرس‎ ‎بإنشاء «اتحاد السكك الحديدية ‏المركزية». والباسفكية، ومنحه منحة كبيرة من الأرض‎ ‎فأنشأ أول خطوط حديدية عبر ‏القارة ، وفي سنة 1862م هزم الجنرال «سبلي» هنود سيوكس‎ بمنوستا في  وودليك، ‏وفي سنة 1864م سار «شيين» في طريق الحرب بمساعدة قبائل‎ ‎الأراباهو والأباش ‏والكومانش والكيوا، وقد دبرت القوات العسكرية بقيادة الكولونيل‎ «شفنجتون» مذبحة ‏للهنود عند «خليج ساند» (نوفمبر 1864م)، وأدت جهود الجنود لبناء‎ ‎طريق للمهاجرين ‏من قلعة «لا رامي» على طول نهر «بودر» إلى مناجم «مونتانا» و‎» ‎إيداهو» إلى قيام ‏الحرب مع هنود «سهول سيوكس» (1866م)، وقد استطاعت لجنة مخولة من‎ ‎الكونجرس إقناع قبائل «الأباش والكومانش والكيوا» بالتوطن في مناطق الهنود، ‏وترحيل‎ ‎القبائل الأخرى من السهول إلى مناطق نائية، وفي سنة 1869م أنشأ ‏الكونجرس «مجلس‎ ‎المندوبين الهنود» للإشراف على أوجه الإنفاق الحكومية من أجل ‏الهنود، وفي الوقت‎ ‎نفسه أحدث تقدم المستوطنين البيض، وذبح الجاموس والاندفاع ‏بحثاً عن الذهب إلى‎ ‎التلال السوداء، كل هذا أدى إلى «مذبحة كاستر ورجاله» عند «‏ليتل بيج هورن» (35‏‎ ‎يونيه)، وفي أكتوبر 1877م هزم «هنود نيزبرسيه» بقيادة ‏زعيمهم «جوزيف» وأجُلوا إلى‎ ‎مناطق الهنود، وحدثت آخر وأهم ثورات الهنود في ‏السنوات 1882ـ1886م عندما قاوم‎ ‎ «الأباش» في أريزونا ونيو مكسيكو تحت قيادة «فيكتوريو  وجيرونيمو» المحاولات التي‎ ‎بذلت لوضعهم في الأماكن المخصصة لهم، ‏وفي عام 1886م تمَّ ترحيل جميع الهنود إلى‎ ‎المناطق الهندية أو الأماكن المخصصة ‏لهم‎.. ‎‏) [وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم ،أشرف على الترجمة الدكتور محمد ‏مصطفى زيادة ،جزء‎ 6‎،ص 2031-،2032،نشر الموسوعة مع مؤسسة فرانكلين ‏للطباعة والنشر ،القاهرة ـ‎ ‎نيويورك، إبريل سنة 1968م‎ ‎‏]‏‎
وهكذا أُسدل الستار عن السكان الأصليين لأمريكا، والمتأمل الآن في أوضاع‎ ‎الفلسطينيين نجد إسرائيل تقوم بنفس الدور الذي قام به المهاجرون البيض في أمريكا‎ ‎بالهنود الحمر‎!! ‎
  ثمَّ أنَّ تاريخ الشعوب يقول حقيقة واحدة هو أنَّ البلاد المحتلة لم تتحرر سلمياً ،وإنَّما ‏بالمقاومة المسلحة ،ففرنسا لم تتحرر من الاحتلال النازي إلاَّ بالمقاومة المسلحة ‏،وأمريكا ذاتها لم تتحرر من الاحتلال البريطاني إلاّ بالمقاومة المسلحة ،والجزائر ‏وليبيا والمغرب ومصر ولبنان وسوريا والسودان لم تتحرر هذه البلاد إلاّ بالمقاومة ‏المسلحة، والجنوب اللبناني وغزة لم يتحررا مؤخراً إلاَّ بالمقاومة المسلحة هذه حقائق ‏يثبتها تاريخ الأمم.‏
لا تزال للحديث صلة.‏
Suhaila_hammad@hotmail.com

Join the discussion