قراءة متأنية لخطاب الرئيس أوباما للعالم الإسلامي ( 1-3)

قراءة متأنية لخطاب الرئيس أوباما للعالم الإسلامي ( 1-3)

قراءة متأنية لخطاب الرئيس أوباما للعالم الإسلامي ( 1-3) 

 جريدة المدينة في الخميس, 11 يونيو 2009
د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
بعد نجاح الرئيس أوباما في الانتخابات سُئلت جدته لأبيه: ما الذي تنتظرينه من أوباما أن يعمله لكينيا؟ فأجابت هذه السيدة المسنة البسيطة: إنَّ الذي انتخبه الشعب الأمريكي ليكون رئيساً لأمريكا، فلن يعمل إلاَّ لصالح أمريكا

. لقد أدركت هذه السيدة المسنة البسيطة ما لم ندركه نحن العرب، فلم تنتظر من أوباما أن يعمل شيئاً لبلده مسقط رؤوس آبائه وأجداده، فهو لن يعمل إلاَّ لصالح أمريكا في حين بنى العرب بعد خطاب الرئيس أوباما تحت قبة جامعة القاهرة آمالاً كبيرة على أوباما في حل الكثير من المشاكل، وتسرع بعضهم في إصدار البيانات المؤيدة لما جاء في خطابه دونما تمعن في أبعاد ما يقول؛ إذ بهرهم، كما بهر الحضور استهلال كلمته بـ«السلام عليكم» وإشادته بالإسلام وبالحضارة الإسلامية، وببعض الآيات القرآنية -فقد أخذ بمشورة مستشارته المسلمة في ذلك- فصفقوا له عند استشهاده بأية آية قرآنية حتى عند حديثه المبهم عن مستقبل القدس التي أشار أنَّها ملتقى الأديان الثلاثة دون أن يشير لمن تكون له السيادة عليها، فقد نجح معدو الخطاب الذين أخضعوه لدراسة علم النفس السياسي، القائم على مخاطبة القلوب لا العقول في التأثير على قلوب العرب والمسلمين!! وممّا يجدر ذكره فهو لم يرتجل الخطاب كما اعتقد الكثير، فقد كان مكتوباً على المونتير، ونلحظ عيناه تتنقل يمنة ويسرى ليقرأ ما هو مكتوب على الشاشتيْن المثبتتين. أنا لا أنكر أنّ الرئيس أوباما يختلف عن سائر الرؤساء الأمريكان الذين سبقوه، وسيختلف عن الذين سيأتون بعده، فهو خطيب مفوَّه، كما أنَّه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي لديه خلفية جيدة عن الإسلام ومبادئه وقيمه وتشريعاته وحضارته بحكم نشأته في بيئة إسلامية، فوالده مسلم، وزوج أمه مسلم وأخواته من أبيه مسلمون، وهذه الخلفية استغلها في خطابه فكسب ود وقبول سامعيه في عالمنا العربي والإسلامي دون أن يتمعنوا في أبعاد ما يرمي إليه، وهذا جانبها السلبي، أمَّا جانبها الإيجابي فينحصر في تناقل جميع وسائل الإعلام ما قاله عن الإسلام علَّه يخفف من وطأة الهجوم على الإسلام والمسلمين التي زادت وتضاعفت في ولايتي بوش الذي شوَّه صورة الإسلام، وإن كان المستشرقون قد قاموا بهذه المهمة على مدى سبعة قرون. فنحن إن تمعَّنا في أبعاد ما جاء في خطاب أوباما، وما سبقه من تصرفات ومواقف، وما تلاها نجد الآتي: 1. لقاؤه بوزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك ليلة قدومه السعودية، ومن قبلها التقى بالنتنياهو، وببريز. 2. في عهد إدارة أوباما تمّ سحب الدعوى المقامة ضد مديريْن سابقين لـ«إيباك» أتهما بالتجسس لصالح (إسرائيل)، القرار جاء ليؤكد حقيقة النفوذ الصهيوني على الإدارة الأمريكية الجديدة. 3. لقد قاطعت إدارة أوباما مؤتمر مناهضة العنصرية في جينيف لمجرد احتمال أن تستخدم وثيقته الختامية «لغة مثيرة للاعتراض» في وصف سياسة (إسرائيل) رغم تعهد المعنيين بالبيان الختامي بحلول وسط لصياغة البيان وللنقاط الخلافية، أما عن خطاب أحمدي نجاد في المؤتمر الذي وصف الكيان الصهيوني بالعنصرية «وهو توصيف علمي لهذا الكيان» علقت واشنطن بأنَّ خطاب نجاد «مخز ووضيع وكريه ويغذى الكراهية». 4. لقد حرص الرئيس أوباما أن يزور مسجداً قبل مخاطبته العرب والمسلمين، وذلك لينجح في التأثير عليهم عندما يخاطبهم، وليقوم بهذه الزيارة توقفت الصلاة في هذا المسجد الذي لم تتوقف منذ إتمام إنشائه سنة 764 هجرية1363م، ولهذا أبعاد ومرام أخرى. 5. اختيار ذكرى حرب 1967م له اعتبارات هامّة لتذكير العرب بهزيمتهم، وأنَّ عدم التطبيع مع إسرائيل والسلام معها سيعرضهم إلى مثل هذه الهزيمة، وأنَّ لا حل أمامهم إلاَّ السلام والاستسلام والتطبيع. 6. زيارته قبور ضحايا النازيين قبل ستين عاماً في ألمانيا، بعد خطابه للعرب والمسلمين، وإعلانه من هناك أنَّ الشريك الوحيد للولايات المتحدة إسرائيل، وتأجيله نقل سفارة بلاده إلى القدس بعد ستة أشهر، وهذا إشارة منه أنَّه يريد القدس ملتقى الأديان الثلاثة تحت سيطرة إسرائيل. 7. خطاب أوباما لم يخرج عن منهج واستراتيجية السياسة الأمريكية التي يخطط لها ويسيرها الكونجرس ومجلس الشيوخ اللذين يسيِّرهما اللوبي اليهودي والصهيوني، ويختار أعضاءهما، وإنَّما جاء ليُغلِّف بورق من سولفان هذه السياسة التي لها مطامع في بلاد العرب والمسلمين والمنحازة انحيازاً كاملاً لإسرائيل، علَّه يُجمِّل وجهها القبيح الذي أسقط سلفه بوش كل أقنعتها فأظهرها على حقيقتها، وجاء أوباما بخطابه في القاهرة ليُواري من سوءتها، وأظنه نجح إلى حد ما في ذلك بدغدغة قلوب سامعيه؛ ومع هذا لم يستطع أن يُخفي ما فيها من قُبح، وإن كان حاول من خلال مقدمة طويلة استغرقت حوالى ربع الساعة الإشادة بالإسلام وبحضارته، وبدورها في النهضة الحديثة، وأشاد بالأزهر ليكسب تأييد علمائه -وحدث هذا بالفعل في بيان مجمع البحوث- مع الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية لينخدع العرب بما سيوجههم إليه وليتقبلوا هذه الحقيقة الواقعة للسياسة الأمريكية، وهي أنَّ علاقة أمريكا بإسرائيل علاقة متجذرة غير قابلة للانكسار، وهذا يعني أنَّه علينا نحن العرب والمسلمين أن نخضع لشروط ومطالب إسرائيل لأنّ الإدارة الأمريكية ليست على استعداد أن تعكر صفو علاقاتها بإسرائيل؛ لذا نجده ألمح إلى تطبيعنا مع إسرائيل قبل قيام الدولة الفلسطينية، وهذا مطلب الإسرائيليين، وذلك لأنَّهم يريدون أن يحصلوا على الاعتراف والتطبيع دون أن تُقام الدولة الفلسطينية مع القضاء على المقاومة الفلسطينية، بل لتجعلنا حُماة لأمنها من الفلسطينيين أنفسهم، وقد طالب أوباما حماس بأن تتخلى عن المقاومة التي أسماها عنفاً، فلا تزال المقاومة في مصطلح أوباما عنفاً مثلما هي في مصطلح بوش، كما أنَّه لم يحدد حدود الدولة الفلسطينية، ولم يشر إلى عودة اللاجئين، بل لم يشر إلى رفع الحصار عن غزة، وإزالة الجدار العازل، ولم يحدد سقفاً زمنياً لقيام الدولة الفلسطينية، فهو كلام هُلامي، فهو يدرك أنَّ المستوطنات الإسرائيلية تخترق جميع أراضي الضفة الغربية، والكنيست صوَّت على قانون يهودية الدولة وعلى طرد الفلسطينيين من الضفة إلى الأردن وتجنيسهم بالجنسية الأردنية، فأية دولة فلسطينية هذه، ولا أرض لها، ولا شعب؟؟؟ فإسرائيل تعمل لتحقيق مخططها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.
للحديث صلة

Join the discussion