المحافظون الجدد و… الفوضى البناءة

المحافظون الجدد و… الفوضى البناءة

المحافظون الجدد و… الفوضى البناءة
  سهيلة زين العابدين حمَّاد
الخليج الإماراتية في 11 6 2007 م . 
 التقرير الذي كتبه السيد تيري ميسان رئيس مركز فولتير بتاريخ 11/2/2007 عن النموذج اللبناني في سياسة المحافظين الجدد القائمة على تنفيذ نظرية ” الفوضى البناءة ،,تقرير جد خطير يتطلب منا دراسته وفهمه واستيعابه لأنَّه يكشف مخطط السياستيْن  الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة
،وما يجري في الساحتيْن اللبنانية والعراقية على الخصوص ،فعندما أعلنت كونداليزا رايس أثناء الحرب الإسرائلية على لبنان بأنَّ آلام لبنان مخاض لولادة عسرة لشرق أوسط جديد ،فهي تعني طبقاً لمنظري ” الفوضى البنَّاءة” أنَّه يجب سفك الدماء  من أجل الوصول إلى نظام جديد في هذه المنطقة الغنية بالنفط، ولهذا جاء هجوم قوات تساهال ضد لبنان الذي تم التخطيط له منذ زمن طويل، ويتم الإشراف عليه من وزارة الدفاع الأمريكية.
  وقد استعرض تيري ميسان في تقريره الأحداث التي تؤكد تنفيذ  السياسة الأمريكية والإسرائيلية لنظرية ” الفوضى البنَّاءة ” مشيراً إلى قول كونداليزا رايس خلال مؤتمرها الصحفي في وزارة الخارجية في الحادي والعشرين من يوليو 2006، إذ سُئِلَت  عن المبادرات التي تعتزم أخذها معها لإحلال السلام في لبنان. أجابت: “ليس لديَّ اهتمام بالدبلوماسية من أجل إعادة لبنان وإسرائيل إلى الوضع السابق… أعتقد أن مثل هذا سيكون خطأً… ما نراه هنا، بمعنى من المعاني، هو تطوّر الولادة العسيرة لشرق أوسط جديد، وأيّاً كان ما نقوم به، يجب أن نكون على يقين من أننا ندفع نحو شرق أوسط جديد لن يؤدي إلى القديم”. 
هذه الإجابة تكشف عن  رؤية  واشنطن  أنَّ ما يحدث اليوم في لبنان لا علاقة له بأي شكلٍ من الأشكال باستعادة الجنديين اللذين أسرهما حزب الله. اللب الجوهري في الهجوم تنفيذ نظرية “الفوضى البنّاءة” التي تمت رعايتها وتغذيتها من أمدٍ طويل. وطبقاً لما ذكره المتخصّصون بفكر الفيلسوف ليو شتراوس، الذي يُعد أحد أكبر أساطين “المحافظين الجُدد”، فالسلطة الحقيقية لا يمكن ممارستها إذا ما بقي المرء في حالة ثبات، أو حافظ على الوضع الراهن، بل على العكس، ينبغي العمل على تدمير كل أشكال المقاومة. الفكرة باختصار: إغراق الجماهير بالفوضى كيّ تتمكن الصفوة من ضمان استقرار وضعها. أيضا، حسب رأي الخبراء بفكر ليو شتراوس، بهذا العنف فقط يُمكن أن تندمج المصالح الاستعمارية للولايات المتحدة مع المصالح الاستعمارية للدولة العبرية.
 وكما يشير السيد تيري ميسان في تقريره أنَّ الإرادة الإسرائيلية التي نشاهدها الآن لتفكيك لبنان، وإنشاء دولة مسيحية صغيرة بدلاً منه مع ضم جزء من أراضيه، ليست جديدة. لقد أعلن هذا ديفيد بن غوريون عام 1957 في رسالة شهيرة نشرت كملحق في مذكراته التي صدرت بعد وفاته. لقد أضيفت فكرته هذه إلى مشروع استعماري واسع للشرق الأوسط كتب عام ١٩٩٦تحت عنوان: “كسر نظيف: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة (إسرائيل)”. تلك الوثيقة، التي كتبتها مجموعة من مفكري المحافظين الجدد (IASPS) قد هيئت من قبل فريق من الخبراء جمعهم ريتشارد بيرل ثم أعطيت لبنيامين نتنياهو. باختصار إنها تمثل أفكار وأطروحات الصهيوني فلاديمير جابوتينسكي. تدعو الوثيقة إلى:  إلغاء اتفاقيات أوسلو للسلام.،والقضاء على ياسر عرفات، وضم الأراضي الفلسطينية،والإطاحة بصدام حسين لزعزعة استقرار سوريا ولبنان في سلسلة من الأحداث،, تفكيك العراق وإقامة دولة فلسطينية على أراضيه، واستخدام إسرائيل كقاعدة تكميلية لبرنامج حرب النجوم الأمريكي. ثم جاءت محتويات هذه الوثيقة في الخطاب الذي ألقاه بنيامين نتنياهو أمام الكونجرس الأمريكي في اليوم التالي لاستلامه لها. جميع عناصر الوضع الحالي في الشرق الأوسط موجودة هناك في تلك الوثيقة بما فيها المطالب بضم القدس الشرقية. هذا الرأي يلتقي مع موقف الإدارة الأمريكية المُتمثِّل بالسيطرة على المناطق الغنية بالنفط التي حددها زكينيف برزيزينسكي، وبرنارد لويس باسم “قوس الأزمة”. بمعنى آخر القوس الممتد من خليج غينيا إلى بحر قزوين المار بالخليج، يتطلب إعادة تعريف للحدود والدول والنظم السياسية: “إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير”، إذا ما أردنا استخدام تعبير جورج دبليو بوش.
    هذا هو الشرق الأوسط الجديد  ـ كما يقول السيد تيري ميسان ـ الذي تدّعي الآنسة رايس أنها القابلة المأذونةالتي تتولى شؤون مراقبة ولادته العسيرة. الفكرة بسيطة: استبدال الدول الموروثة عن انهيار الإمبراطورية العثمانية بكيانات أصغر تتسم بأحادية الطابع العرقي، وتحييد هذه الدويلات بجعل كل واحدة منها ضد الأخرى على نحو مستمر. بعبارة أخرى، الفكرة تتضمن إعادة العمل بالاتفاقيات السرية المبرمة عام 1916 بين الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، اتفاقيات سايكس – بيكو، وإقامة سيطرة أنجلو ـ ساكسونية مُطلقة على المنطقة. لكن من أجل تحديد الدول الجديدة، لا بد أولاً من تدمير الدول القائمة. هذا ما تقوم به إدارة بوش وحلفاؤها منذ 5 سنوات بحماس لا نظير له مِن قِبَل السَحَرة المبتدئين في تعلّم المِهنة. لنحكم على النتائج: الأراضي الفلسطينية المحتلة قُلِّصَت بنسبه 7%،و قطاع غزة والضفة الغربية مفصولان بجدار،والسلطة الفلسطينية دُمِّرَت، وزراؤها ونوابها خُطِفوا وسُجِنوا،و أمرت الأمم المتحدة بنزع سلاح لبنان، وطرد القوات السورية، وحل حزب الله،ورئيس الوزراء السابق، رفيق الحريري اغتيل واختفى معه النفوذ الفرنسي. البنية الاقتصادية للبلد دُمِّرَت تدميراً تاماً، وأكثر من 500.000 لاجئ إضافي يجولون المنطقة،و ديكتاتورية صدام حسين في العراق استُبدِلَت بنظام أشد قسوة ووحشية بات مسؤولاً عن أكثر من 3000 قتيل شهريا. البلد في فوضى عارمة وهو على حافة التمزق إلى ثلاثة كيانات مستقلة،و إمارة طالبان الزائفة فُسِحَ لها الطريق لتتحول إلى ديموقراطية زائفة تحت حكم أشد ظلامية في تفسير الشريعة، مع إضافة الخشخاش للديموقراطية الجديدة كأحد معالم الثقافة. كأمر واقع، أفغانستان قُسِّمَت أصلاً بين مختلف أمراء الحرب، والقتال يتَّسِع وينتشر. لقد تخلّت الحكومة المركزية عن سعيها أن تكون مُطاعة حتى في العاصمة. في واشنطن، يكاد تلاميذ ليو شتراوس يفقدون صبرهم بتعميم الفوضى إلى السودان وسوريا وإيران. في هذه المرحلة الانتقالية، لم يعد أحد يتحدث عن “ديموقراطية السوق”، إنما عن الدماء والدموع فقط.
   جاك شيراك الذي أراد أن يتدخّل في لبنان للدفاع عن المصالح الفرنسية، قام بإرسال رئيس وزرائه، دومينيك دو فيلبان إلى هناك، لكنه اضطُرَّ للتخلي عن طموحه: فخلال قمة مجموعة الثماني في سان بطرسبورغ، حرمه جورج دبليو بوش من ذلك الطموح بالقول: هذه ليست عملية إسرائيلية وافقت عليها الولايات المتحدة، لكنها عملية للولايات المتحدة نفذتها إسرائيل.
وهكذا لم يَكُن لدى دو فيلبان شيئاً يقوله لمحاوريه في بيروت سوى كلمات عاجزة. بعبارة أدق، مشروع تدمير لبنان قد قُدِّمَ من تساهال إلى إدارة بوش قبل العام الماضي بقليل، طبقاً لما أفادت به سان فرانسيسكو كرونيكل. لقد كان الهجوم جوهر مناقشات سياسية جرت في المنتدى العالمي السنوي الذي نظَّمه معهد أمريكان إنتربريز إنستتيوت، في السابع عشر والثامن عشر من يونيو 2006 ببلدة بيفر كريك. لقد اجتمع بنيامين نتنياهو وديك تشيني مطولا مع ريتشارد بيرل وناتان شارانسكي لإعداد خطة الهجوم. وبعد بضعة أيام مُنِحَ الضوء الأخضر من البيت الأبيض.وزارة الدفاع الأمريكية هي التي  كانت تشرف على عمليات الجيش العسكرية، وهي التي تُحدِّد الأسس الاستراتيجية واختيار الأهداف. الدور الرئيسي يلعبه الجنرال بانتز كرادوك بصفته قائداً عاماً للقيادة الجنوبية. ومثلما ظهر خلال عملية عاصفة الصحراء، وقيادته القوات البرية التابعة لحلف شمال الأطلسي في كوسوفو، فإن كرادوك هو اختصاصي بالمدرعات. وهو الرجل الذي يحظى بثقة دونالد رامسفيلد وقد كان رئيساً لفريق مستشاريه، ومن أجل رامسفيلد قام بإعداد معسكر جوانتانامو. في نوفمبر المقبل سيتم تعيينه قائداً للقيادة الأوروبية وحلف شمال الأطلسي. في موقعه الجديد هذا يمكن أن يُستدعى لقيادة القوات التي تعمل في أفغانستان والسودان وقوة حلف شمال الأطلسي التي قد يتم نشرها في جنوب لبنان.
   لقد تعلَّم جنرالات إسرائيل والولايات المتحدة كيف يتعرفون على بعضهم الآخر منذ حوالي ثلاثين عاما وذلك بفضل اللقاءات المُتبادلة التي ينظمها المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (JINSA) وهو مؤسسة تفرض على كبار العاملين فيها متابعة كافة الحلقات الدراسية والندوات المتعلقة بأفكار وأطروحات ليو شتراوس.
  والأحداث التي تشهدها لبنان الآن في مخيم نهر البارد ،ومناطق أخرى ،وما يسمى بفتح الإسلام ،وجند الشام ،ماهي إلاَّ مسميات لمنظمات مسيرة ،ومدعمة من الإدارة الأمريكية واإسرائيل لتنفيذ مخطط تدمير لبنان ،بعدما فشل مخطط التدمير في يوليو/ تموز الماضي .
 هذه رسالة أقدمها للحكام العرب وللإخوة في لبنان  ،ولا سيما العناصر الحاكمة ،والمؤثرة في صنع واتخاذ القرار لدراستها وأخذها في عيني الاعتبار ،وعندما نقول هناك مؤامرة ومخطط لتدمير لبنان فليس من فراغ ،وليس لكوننا من أنصار نظرية المؤامرة ،فالمؤامرة قائمة بالفعل،وأصحابها قد أعلنوا عنها ،فهاهي رائس تعلن عنها في  أحد مؤتمراتها الصحفية   ،والمخطط مستمرة الإدارة الأمريكية وحليفتها إسرائيل في تنفيذه ،وتحويل البلاد الإسلامية ،ولا سيما العربية  منها إلى بحور من الدم مقابل تحقيق السيطرة الصهيوأمريكية عليها ،فهذا هو الشرق الأوسط الكبير ،أو الجديد الذي يريده جورج بوش،ويسعى إلى تحقيقه والتي بشَّرت السيدة كونداليزارايس  بمخاضه العسر في لبنان.
البريد اليكتروني:suhaila_hammad@hotmail.com
……………………………………..

Join the discussion