عضل البنات لا يزال مستمرا

عضل البنات لا يزال مستمرا

        عضل البنات لا يزال مستمرا
      د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
العضل : هو منع الولي المرأة العاقلة البالغة من الزواج بكفئها ،إذا طلبت ذلك ،ورغب كل واحد منهما في صاحبه ،وهو ممنوع شرعاً ، فقد نهى الله تعالى جميع الأولياء عن العضل بقوله : ( وإذا طلَّقتم النساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكَحَنَ أزْواجَهُنَّ )
[البقرة : 232.]  ،ورغم نهي الله جل شأنه عن عضل البنات إلاَّ أنَّنا نجد بعض الأولياء ـ وهم كثر ـ يعضلون بناتهم لأسباب منها :  تحريم عليها الزواج من خارج قبيلتها  ،أو طمعاً في راتبها ،أو تخييرها بين زواجها أو حرمانها من حقها في الميراث  ، أو لحجر ابن العم على إحدى بنات عمه ،ولا يتزوجها ،ولا يدعها تتزوج .
    ومن أبرز قضايا العضل التي  نشرتها الصحف قضية  تلك الفتاة التي  كان والدها يرفض تزويجها إلى أن بلغت سن ال 36 سنة ،وعندما دخلت في  سن الثلاثين لم يتقدم لخطبتها أحد ،وتقدم لها شاب يصغرها ببضع سنوات بمؤهل متوسط ،حسن السيرة والسلوك ،ورضيت الفتاة به رغم أنَّها جامعية ،لأنَّها تريد تكوين أسرة مستقرة ،وتكون أمَّاَ ،لكن الأب رفض تزويجها له ،فرفعت على والدها قضية عضل ،ويوم النظر في دعواها حبسها والدها في غرفتها ،فحاولت الخروج من النافذة ،وسقطت وأصيبت بعدة كسور ،وذهبت إلى إحدى دور الإيواء ،واستمرَّت قضيتها ، ولطول النظر في القضية اضطرت العودة إلى بيتها ،وعند عودتها حبستها أسرتها  داخل البيت ،ومنعتها من الذهاب إلى العمل ، واشترط القاضي شروطاً على الخطيب ،واستجاب لشروطه جميعها ،ومن ضمنها خمسون ألف ريالاً مهراً ،ولكن القاضي تراجع عن تزويجهما ورفع القضية لهيئة التمييز ،وكان رد التمييز  على الخاطب   إحضار شاهديْن ومزكييْن ،وكانت الطامة الكبرى على الفتاة  وخطيبها أنَّ القاضي اشترط أن يكون المزكييْن يعرفانه منذ خمسة عشر عاماً ،وأن يكون من خريجي كلية شريعة !!!
   فمن أين يأتي الخطيب بمثل هذيْن المزكييْن ،فإن توفر أحد الشرطيْن فلن يتوفر الآخر ؟؟؟!!!!.
  والذي نلاحظه من خلال هذه القضية الآتي :
1. اشتراط القاضي أن يكون المزكيين لهما معرفة بالخاطب خمسة عشر عاماً ،وأن يكون من خريجي كلية شريعة ،لا يتفق مع  شروط شهود عقد الزواج التي أجمع عليها الفقهاء ، وهي الحرية والعقل والبلوغ ،ولو كانت شروط القاضي هي شروط الشهود لما تزوجت فتاة مسلمة تعيش على وجه هذه الأرض.
2. تباطؤ القاضي في رفع الظلم الواقع على الفتاة ،ممَّا سيفوِّت عليها فرصة الإنجاب إن تزوجت ،فقد بلغت الآن سن الثامنة والثلاثين ،وهناك نساء تنقطع عنهن الدورة الشهرية قبل بلوغهن الأربعين ،إضافة إلى ما قد ستتعرض له من مخاطر هي وجنينها كلما تأخر حملها ،فالإنجاب المبكر والمتأخر كلاهما خطر على المرأة وجنينها ،وأنسب سن للإنجاب هو ما بين الثامنة عشرة والسادسة والثلاثين،وأنا هنا أسأل إن فاتت  على الفتاة فرصة الزواج والإنجاب من سيتولى شؤونها إن كبرت في السن ومرضت؟؟؟؟
                في حين نجد سرعة البت في  قضية لعان أم فاطمة فمن جلسة واحدة انتهت القضية ،وكذا قضية طلاق فاطمة من منصور ،حيث تمَّ تطليقهما دون علمهما ،ودون أخذ موافقة فاطمة .
3. عدم توفير الحماية القانونية للفتاة من أهلها ،مع أنَّ الفقرة (ج) من المادة الثانية من اتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة التي أصبحت المملكة  ملزمة بها بموجب توقيعها عليها تنص على تعهد الدولة بالقيام بِ ” فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل ” وللأسف الشديد أنَّ الجهات المعنية بقضايا العنف الأسري ،لا توفر الحماية القانونية لصاحبات القضايا من معنفيهن ؛ إذ لا توجد آلية لتحقيق سبل هذه الحماية ،ومن هنا نجد أنَّ قضايا العضل التي وردت إلينا في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان خلال أربع سنوات من عام 1425ـ 1428هـ / 2004ـ 2007م بلغت (58) قضية،وقلتها يعود إلى عدم توفر الحماية القانونية للمعضولات إن رفعن قضايا عضل على أوليائهن.
4. ممَّا يثير الدهشة والاستغراب أنَّ قاضياً يرفض تطليق طفلة من زوجها الخمسيني بدعوى أنَّها موافقة على الزواج ،وقاضي هذه القضية التي نحن بصددها يرفض تزويج فتاة في الثامنة والثلاثين من شاب رضيت الزواج به ،فأين اعتبار رضى الفتاة في عقد الزواج ،أو فسخه؟؟
 والوارد في السنة أن جارية بكراً أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له أن أباها زوجها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته ، فخيَّرها صلى الله عليه وسلم بين إجازة الزواج أو فسخه ،فقالت : “أجزتُ ما صنع أبي ،ولكن أردت أن أُبيِّن للناس أن ليس للآباء من أمر بناتهم شيئاً “،وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن عندنا يتيمة ، وقد خطبها رجل معدم ، ورجل ميسر ، وهي تهوى المعدم ، ونحن نهوى الميسر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم يُر للمتاحبين مثل النكاح)،والذين يفتون بتزويح القاصرات ،أليس من باب أولى أن يفتوا بوجوب تزويج الكبيرات ؟ وإن كان يُخشى على الطفلة ابنة التسع السنوات الفتنة ؟ وهذا أمر يستحيل أن تفكر فيه من في هذه السن ،أليس من باب أولى أن يُخشى على فتاة الثلاثين والأربعين من الوقوع بالفعل في الفتنة؟؟؟
  إنَّ الراجح في المذهب الحنفي :للمرأة البالغة العاقلة الحق في التصرف في سائر أفعالها لكمال أهليتها و بما أنَّ عقد الزواج كبقية العقود من حيث الإنشاء فالمرأة تعتبر فيه كاملة الأهلية فلها أن تزوج نفسها كما لها أن توكل الغير في تكوين هذا العقد و ذلك قياساً على العاقل البالغ إذ لا فرق بينها ما دام لم يرد نص يفرق بين أهليتهما.
   ومادام هناك تيسير من بعض المذاهب بإعطاء المرأة حق تزويج نفسها ،فلمَ يعطل فضيلة القاضي تزويج هذه الفتاة المعضولة ،وهو مسؤول عنها يوم القيامة بتضييع عليها فرصة الزواج والإنجاب ، لأنَّ بيده رفع الظلم الواقع عليها بحكم ولايته عليها؛ لذا فأنا أناشده أن يُسرع في تزويج (م) من خطيبها بإحضار شاهديْن ومزكيين بدون شروط تعجيزية،كما أناشد فضيلة رئيس المحكمة العامة بجدة متابعة هذه القضية بنفسه،والإسراع في تزويج هذه الفتاة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه)
 وأخيراُ أسأل لماذا عندما ترفع المرأة قضية طلاق أو نفقة أو حضانة ،أو طلب فسخ عقد للتعليق أوالهجر ،أو قضية عضل تأخذ القضية عدة سنوات ،بينما عندما يرفع  الرجل قضية لعان ،أو إنكار نسب ،أو حضانة أو طلاق لعدم كفاءة في النسب تنجز القضية من جلسة واحدة ،أو جلستيْن؟؟؟؟؟
……………………………………………
نُشر في جريدة المدينة في 9 4 2009م .

Join the discussion