زواج المسيار ونقاش مع القراء مرة أخرى

زواج المسيار ونقاش مع القراء مرة أخرى

زواج المسيار ونقاش مع القراء مرة أخرى 
د. سهيلة زين العابدين حماد 
الثلاثاء 12 10 2011 م .
أواصل مناقشة بعض القراء الأفاضل فيما ورد في مداخلاتهم على مقالي “زواج المسيار”، فقد جاء في المداخلة رقم (17): “إنَّ زواج المسيار حل لكثير من المشكلات التي لا يلاحظها البعض ومنها تلكم النسوة اللاتي لا يستطعن الزواج المعلن
؛ خوفًا من فقدان حضانة وتربية أبنائهم من الطليق، وأيضًا ذلكم الزوج الذي لا تسمح له أم العيال أن يتزوج بأخرى ولا يريد أن يجرحها بزواج معلن أو أن يشتت الأبناء ويقتر عليهم ماليًا ويؤثر فيهم نفسيًا وتتوتر العلاقة بهم”. وأقول هنا: لا نعالج الخطأ بالخطأ، فمن قال إنَّ الإسلام يحرم الأم من حضانة أطفالها إن تزوجت زواجًا معلنًا، فحديث (أنتِ أحق به ما لم تُنكحي) الذي بُني عليه حكم إسقاط حضانة الأم بالزواج حديث ضعيف بمختلف رواياته وطرقه، ولا يتسع المجال لتوضيح ذلك. ويكفى أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم حكم لخالة ابنة سيدنا حمزة -رضي الله عنه – بحضانتها لها مع أنّها متزوجة، فمن باب أولى أن تكون الحضانة للأم إن تزوجت. فللأسف الشديد الفقهاء الذين أفتوا بإسقاط حضانة الأم المطلقة بزواجها بنوا حكمهم على حديث ضعيف. وإن كان لجوء المطلقة إلى زواج المسيار لأنَّه زواج غير معلن للاحتفاظ بحضانة أولادها، فهذا دليل على أنَّه زواج باطل لأنَّه غير معلن، ومن شروط صحة عقد الزواج الإشهار، فالزواج السري أشبه بالزنا، كما وصفه سماحة الشيخ ابن باز. ومع هذا نجد من أزواج المسيار يهددون زوجاتهم المسيار بإخطار طلقائهن بزواجهم من مطلقاتهن ليأخذوا منهن أولادهن، وهذا ما روته لي إحدى المتزوجات مسيار.


والقول إنَّ الرجل لا يريد أن يجرح أم العيال بزواج معلن، يتزوج زواجًا سريًا غير مقبول على الإطلاق، هل يخالف شرع الله، يظلم امرأة أخرى لئلا يجرح أم العيال؟ إضافة إلى خيانته لأم العيال بزواجه السري بأخرى دون علمها. هذا.. وجاء في المداخلة رقم (19) الآتي: “مع كل الاحترام والتقدير لشخصك الكريم، إلا أن مقالكي حمل الكثير من المغالطات الشرعية والتناقضات ومنها على سبيل المثال لا الحصر التالي:
  ــ  ذكرتي في صدر مقالكي أن من أركان الزواج في الإسلام السكن والمودة والرحمة وهذا القول لا صحة له، فأركان عقد الزواج إيجاب وقبول وولي وشاهدان. – ذكرتي أن من أهم أسباب التعدد هو كفالة ورعاية الأرامل والمطلقات وأولادهن، وهذا قول عار عن الصحة فالتعدد مباح للرجل سواء من البكر أو من المطلقة دون قيد أو شرط ودون كفالة الأيتام….”.
وأقول هنا إنَّ شروط صحة عقد الزواج هي الإيجاب والقبول والولي والشاهدين والإشهار الذي تجاهلته لأنَّه لا يتوفر في زواج المسيار، أمَّا أسس وأركان الزواج هي السكن والمودة والرحمة الواردة في الآية (21) من سورة الروم، وأدعوك إلى الرجوع إلى الجزء الأول من هذا المقال للاطلاع على أقوال بعض العلماء الذين حرَموا زواج المسيار، الذين جعلوا من أسباب حرمته عدم توفر السكن فيه وهو الركن الأساس للزواج، وإليك أيضًا رأي فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي عضو المجمع الفقهي بمكة المكرمة في زواج المسيار؛ إذ يرى أنَّه إن كان يبدو صحيحًا في الظاهر، فهو غير مشروع، ويمنع سدًا للذرائع، ولمصادمته مقاصد الشريعة في الإنجاب، وتربية الأولاد والإيناس والمودة والسكن النفسي والتعاون على شؤون الحياة. (- الدكتور وهبة الزحيلي: عقود الزواج المستحدثة وحكمها في الشريعة، بحث مقدم للدورة الثامنة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في الفترة من 10-14/3/1427هـ الموافق 8-12/4/2006م، ص 21، 22). أما الدكتورمحمد الزحيلي فيقول:…. أرى منع هذا الزواج وتحريمه لأمرين: أولهما أنه يقترن ببعض الشروط التي تخالف مقتضى العقد وتنافي مقاصد الشريعة الإسلامية في الزواج، من السكن والمودة ورعاية الزوجة أولًا، والأسرة ثانيًا، والإنجاب وتربية الأولاد، ووجوب العدل بين الزوجات، كما يتضمن عقد الزواج تنازل المرأة عن حق الوطء، والإنفاق وغير ذلك.. وثانيهما أنه يترتب على هذا الزواج كثير من المفاسد والنتائج المنافية لحكمة الزواج في المودة والسكن والعفاف والطهر، مع ضياع الأولاد والسرية في الحياة الزوجية والعائلية وعدم إعلان ذلك، وقد يراهم أحد الجيران أو الأقارب فيظن بهما الظنون.. ويضاف إلى ذلك أن زواج المسيار هو استغلال لظروف المرأة، فلو تحقق لها الزواج العادي لما قبلت بالأول، وفيه شيء من المهانة للمرأة.
   أمَّا إنكارك لقولي إن من أهم أسباب التعدد هو كفالة ورعاية الأرامل والمطلقات وأولادهن، ووصفه بأنَّه قول عار عن الصحة، وقولك “فالتعدد مباح للرجل سواء من البكر أو من المطلقة دون قيد أو شرط ودون كفالة الأيتام” فهذه المغالطة الشرعية بعينها، وفيه إساءة كبرى إلى شرع الله، وإنكار لقوله تعالى في الآيتيْن (3)، (4) من سورة النساء: (وإنْ خِفْتُم ألاَّ تُقْسِطُوا في اليتَامى فانْكِحُوا مَا طابَ لكُم مِنْ النَّساءِ مثنى وَثُلاَث وَرُبَاع فإنْ خِفْتُم ألاَّ تعْدِلوا فَوَاحِدةً أوْ مَا مَلكت أَيْمَانُكُم ذَلِكَ أَدْنى أنْ تَعُولوا. وآتُوا النِّساءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُم عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نّفْسًَا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) فهنا قيده الله بالعدل، وأن لا يتجاوز الأربع، وبدفع المهر، وسبب نزول هذه الآية أنَّ بعض الأولياء كانوا يتزوجون يتامى في ولايتهن كابن العم يتزوج ابنة عمه، ولا يعطيها مهرها فنهوا عن ذلك، مع اشتراط العدل، والعدل المقصود في هذه الآية هو العدل في الأمور المادية مثل النفقة والبيات والرعاية، ثم قيَّد جلَّ شأنه التعدد بالتأكيد على شرط العدل الذي من الصعوبة بمكان تحقيقه في قوله تعالى في الآية (129) من سورة النساء: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تُصلحوا وتتّقوا فإنَّ اللهَ كان غفورًا رحيمًا).
   فالعدل في الأمور المادية شرط أساسي في التعدد مع وجود ضوابط وضعها الفقهاء، وهذه الضوابط تتعلق بضرورات شخصية، وضرورات اجتماعية. ومن الضرورات الشخصية عقم الزوجة، أو مرضها الذي يحول دون إعطاء زوجها حقوقه الشرعية، أو عدم إحصانه بزوجة واحدة، أما من الضرورات الاجتماعية الحروب التي يفنى فيها عدد كبير من الرجال الذين يخلفون أيتامًا وأرامل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة الذي تزوج من أرامل ومطلقات، ولم يتزوج إلاَّ من بكر واحدة، هي السيدة عائشة رضي الله عنها، ولنتذكر أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم اشترط على سيدنا علي كرَّم الله وجهه بألا يتزوج على ابنته فاطمة رضي الله عنها، فالتعدد ليس مطلقًا بدون قيد ولا شرط، كما ذكر القارئ الكريم.
   وأخيرًا أقول: إنَّ زواج المسيار جد خطير على الكيان الأسري وتربية النشء الذين تزوجت أمهاتهم زواج مسيار، ونلحظ آثاره على ارتفاع نسبة الطلاق، والقول إنّه علاج للعنوسة أكذوبة ووهم كبير، بدليل بلوغ عدد العوانس من الفتيات في المملكة طبقًا لآخر إحصائية حوالى (3) ملايين فتاة، فهو زواج للغنيَّات، وزواج مؤقت لا يتصف بالديمومة والاستمرار، وهذا واضح من مسماه، والقول بأنَّ المرأة لا تقبل التعدد قول مرفوض، فالمسيار قائم على التعدد، مع التنازل عن كثير من الحقوق، إضافة إلى قيامه على السرية وعدم الإنجاب وعدم التوثيق، الذي يحرم زوجة المسيار من كل حقوقها بما فيها إثبات نسب طفلها إن حدث إنجاب، وإثبات ميراثه وميراثها من زوج المسيار، وهو زواج لا إنساني لا يقوم على المودة والرحمة، فالرجل الذي يقبل على نفسه هذا الزواج يستغل حاجة من يريد الزواج بها إلى رعايتها لوالديها أو أحدهما، أو رعاية أولادها الأيتام، أو من مطلقها، فيشترط عليها تنازلها عن حقها في السكن والنفقة والمبيت، في حين هو يُلزم من يتزوجها الزواج المتعارف عليه برعاية والديه، أو أحدهما، وأولاده من زواجه الأول، وهذا يوضح لنا مدى أنانية بعض الرجال وعدم إنسانيتهم، وللأسف نجد بعض الفقهاء يقرونهم على ذلك بإباحتهم لهذا الزواج، وكذلك نجد الرجل يعاقب الفتاة التي اختارت مهنة إنسانية كالطب والتمريض، فيتزوجها مسيار، ولا يقبل بها زوجة شرعية مشهر زواجه بها، هذه المبررات التي ذكرها أحد أعضاء المجمع الفقهي بمكة المكرمة كمبررات لإباحة المجمع لزواج المسيار، خلال مناقشتي له في أكثر من برنامج تلفازي في عدة قنوات فضائية.
suhaila_hammad@hotmail.com
المصدر : جريدة المدينة.
http://www.al-madina.com/node/268427

Join the discussion