أقصانا في خطر

أقصانا في خطر

أقصانا في خطر
 د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
جريدة المدينة الخميس, 19 نوفمبر 2009م.
      تحت هذا العنوان نظَّم نادي الطالب الفلسطيني في الجامعة الأمريكية ببيروت حملته لرفض الاحتلال اليهودي  الصهيوني ،معلناً تمسك طلابه بعروبتهم مستنكرين تدنيس المسجد الأقصى،وأنا هنا أحيي هؤلاء الطلاب الذين حوَّلوا ساحات الجامعة الأمريكية ببيروت إلى التعريف بقضية الأقصى والقدس وفلسطين


،وعلى تنظيمه للندوات والمحاضرات ومسيرة بهذا الخصوص ،ولا أخفي عليكم مدى تأثري وفرحتي في آن واحد بهذا المشهد الذي شاهدته أثناء زيارتي لهذه الجامعة ؛إذ تأثرت بهذا الاهتمام على المستوى الشعبي البسيط ،الذي يقابله تجاهل عربي وإسلامي مميت ،وفرحت بشباب فلسطين الذين أينما  وجدوا لا ينسون وطنهم ،ولا ينسون قضيتهم فهي حاضرة معهم ،حاملين همها أينما كانوا.
    فمن أخطر إدعاءات إسرائيل في تاريخها ،والمعاصر منه بالذات هو أنَّ لها حقاً في الأرض التي كانت في يوم ما ،الأرض التي أقيم عليه هيكل سليمان ،ويرون أنَّّ من حقهم الاستيلاء على هذه الأرض دون النظر إلى ما شاء الله أن يقام عليه ،وهو المسجد الأقصى الذي بارك الله سبحانه حوله .
 لقد كانت ساليم “القدس” أي أورشليم ، ـ وهو اسم كنعاني ،وليس بعبري ـ مدينة مقدسة لله العلي مالك السماوات والأرض،وفي عهد ملكها وكاهنها  ملكي صادق وصل إبراهيم عليه السلام إلى أرض كنعان مع عشيرته التي تبلغ ثلاثمائة وثمانية عشر ،وسالمَ الكنعانيين ،وفيه نصر إبراهيم ابن أخيه لوطاً ،واسترد ما كان سلب منه على يد ملوك اجتمعوا على حربه ،وأسره وسلبه في سدوم وعمورة ،وفي عودة إبراهيم من غزوته دخل ساليم فاستقبله ملكي صادق ، واستضافه في كهفه الذي كان يتعبد فيه في جبل المريَّا تحت صخرة بيت المقدس فيما بعد . 
 وتذكر التوراة المحرَّفة أنَّ إبراهيم قد أُمر أن يذبح ابنه على جبل المريَّا ،وهذا بلا شك أحد زيفها وتضليلها ـ وسأفرد مقالاً خاصاً بهذا الموضوع ـ  ،وهي ترمي إلى جعل إسحاق هو الذبيح ،وعلى جبل المريَّا بالتحديد حيث أقيم فيما بعد هيكل سليمان ،وهذا الوضع لتوراتهم الحاضرة قد كان في أيام سبيهم الأول الآشوري ،والثاني والبابلي.
  وهي بهذا الادعاء تجعل من تلك الأرض جبل المريَّا الذي أقيم عليه الهيكل أرضاً أبدية لهم لا تقبل النقض.
  وإن كان لذلك المكان من قداسة ،فكونه أول مكان نبتت فيه بذرة التوحيد ،كما أراده الله سبحانه وتعالى على يد ملكي صادق الساليمي الكنعاني.وتذكر التوراة تقديس جبل المريَّا في أيام إسحاق ويعقوب حتى كان داود،وأمر ببناء البيت فوق ذلك المكان ،وعلى وجه الدقة فوق المغارة اليبوسية الكنعانية العربية التي كان يسكنها ملكي صادق ،ومن هذه المغارة عرف صاحبها ربَّه الواحد خالق السماوات والأرض ،ويتأكد ذلك من كعب الأحبار (إنَّ سليمان بنى بيت المقدس على أساس قديم)ودخل داود ساليم اليبوسية الكنعانية العربية ،وبنى لنفسه قصراً على تل عوف “ايل” كما بنى البيوت لرجاله ليعيشوا بين اليبوسيين ،وكان ذلك سنة 1050ق.م.
  وبعد أنَّ استقر داود في ساليم أمر أن يبني بيتاً حجراً مكان الخيمة التي كان يتعبد فيها بنو إسرائيل ،واختار داود بيدر أرنان اليبوسي على قمة تل المريَّا الذي كان في وسطه نمار ملكي صادق. والهيكل بناء بسيط ليس كما يدَّعي وُضَّاع التوراة أنَّ فيه ألوف المقاعد الفضية والذهبية ،وأنّه مُقام على مئات الأعمدة الرخامية ،والذي جعلت منه الماسونية لحن الألحان ،وأغنية الخلود ،فهو بيت للعبادة يتسع لخمسين رجلاً يجلسون على كراسي من الحجارة ،ولم يكن اليهود في زمن داود وسليمان عليهما السلام على جانب من الحضارة والمدنية تمكنهم حتى بناء هيكلهم ،لذلك استقدم سليمان عليه السلام ،المعلم حيرام من مدينة صور الفينيقية ليبني له هيكله على الطراز الفينيقي ،وبأيد كنعانية فينيقية ،وقد اسماه اليهود “بيت الرب” ،أي المكان الذي يسكن فيه على الأرض ،ولا تجوز الصلاة إلاَّ فيه ،وعندما جاء المسيح عليه السلام صحَّح ،وصرَّح بأنَّ الله يقبل العبادة في أي مكان لأنَّ له ملكوت السماء والأرض. 
 وهكذا أنهى المسيح عليه السلام دور الهيكل في حياة اليهود ،فعاد بيْيدراً يبوسياً كما كان ،وعندما رآه قد تحول إلى  سوق توثق فيها عقود الربا وماخورة دعارة ،وملعب حمام تنبأ بهدمه ،ومن هنا حقد اليهود على المسيح عليه السلام وحاربوه.
فأسباب خرابه هو كفر بني إسرائيل ،وكان عقاب الرب لهم هدم البيت بيد الأقوام الأخرى ،فكان خراب البيت الأول بيد “بنوخذنصر” البابلي سنة 578ق.م ،فجعلها قاعاً صفصفاً ،وهدم المعبد ، ،وسبى اليهود إلى بابل،وأعاد بناؤه كورش ،ولكن اليهود لم يحفظوا الفرائض والوصايا ،ولم يعملوا بها ،وكفروا وحق عليهم وعلى بيتهم الخراب والدمار الأبدي ،وبين عشية وضحاها يصبح هذا البيت أثراً بعد عين في عام 70م لأنَّه استحال إلى مغارة لصوص ،ومأوى فجرة وكفرة ،وتوجه تيتس الروماني إلى أورشليم ،ودخلت جيوشه المعبد الداخلي ،وأشعلت النار في قدس الأقداس ،وأضرمت النار في المدينة كلها ،وذبح آلاف المدنيين والكهنة والعلمانيين والنساء والأطفال ،وأمر تيتس بإبادة المدينة كلها . وانتهى حال المعبد إلى الخراب الذي قدَّره الله له إلى الأبد ،وبيوت الله لا تعمر إلاَّ بالمؤمنين الموحدين الذين لا يشوب إيمانهم أدنى شك.
 ولن يقوم لهذا البيت اليهودي قائمة لأنَّه لا راد لحكم الله ،وقد شهد التاريخ محاولات إعادة بنائه ،وكلها قضي عليها بالفشل كمحاولة الإمبراطور الروماني جوليان سنة 361م ،فلقد ارتد عن المسيحية ،وأرادوا إعادة بناء الهيكل ليبطل نبوة المسيح عليه السلام ،ولكنه لم يتمكن من ذلك رغم ما رصده من أموال وعمَّال لإعادة البناء .
  وقد كشفت صحيفة »هآرتس« الاسرائيلية  النقاب عن حفريات جارية على عمق عشرة أمتار تحت الارض في منطقة سلوان المكان الذي تطلق عليه اسرائيل “مدينة داود” ومتجهة شمالاً نحو الحرم القدسي الشريف باتجاه حائط البراق – المبكى وقرب أسوار الحرم القدسي بدعوى أنَّ القائمين على هذه الحفريات اكتشفوا مؤخراً طريقًا واسعاً يتكون من الدرج يصعد من الجنوب الى الشمال باتجاه الحرم القدسي الشريف معتبرين أنَّ هذا الطريق يعود إلى فترة الهيكل الثاني.
وكانت مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية قد كشفت عن قيام سلطات الاحتلال وأذرعها ببناء كنيس يهودي في منطقة حمام العين أقصى شارع الواد في القدس القديمة ببعد خمسين متراً فقط عن المسجد الأقصى المبارك على أرض تعود ملكيتها للوقف الإسلامي.ويهدفون  إلى تحقيق أحلام الصهاينة التي تدعو إلى إقامة هيكل مزعوم على حساب المسجد الأقصى المبارك،ويقوم اليهود الصهاينة الآن  بحفريات عند باب المغاربة مدعين أنهم يمتلكون حائط البراق الشريف ،لأنَّه في ظنَّنهم الجزء الباقي من سور أورشليم القديم ،وأنَّه الحائط الخارجي للهيكل الذي رمَّمه هيرود ودمَّره تيتس سنة 70م،مع أنَّ حائط البراق الشريف وما حوله هي ملك للمسلمين  فقد بُحِثت قضية هذا الحائط في المحافل الدولية ، فقد شُكِّلت لجنة دولية سنة1930 م للتحقيق في حائط البراق الشريف ،وكان أعضاؤها من الدول المسيحية ،ووافق مجلس الأمم في 5مايو سنة1930 م على تأليفها ،وأقَّر اليهود صلاحيتها ،وقررت هذه اللجنة الآتي : 
  ( للمسلمين تعود ملكية الحائط الغربي ،ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزء لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف ،وللمسلمين أيضاً تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط ،وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقاربة للحائط لكونه موقوفاً حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير)
 فإنْ صمتَ المسلمون عمَّا يحدث الآن في المسجد الأقصى لضعفهم وخذلانهم ،فأين هو المجتمع الدولي من الذي يفعله اليهود الصهاينة في المسجد الأقصى وممتلكات المسلمين التي أقرَّتها لجنة دولية عام 1930م؟؟؟؟
البريد اليكتروني : suhaila_hammad@hotmail.com



Join the discussion