الأبعاد الدينية والسياسية لمحاضرة بابا الفاتيكان

الأبعاد الدينية والسياسية لمحاضرة بابا الفاتيكان

    الأبعاد الدينية والسياسية لمحاضرة بابا الفاتيكان
   بقلم / سهيلة زين العابدين حمَّاد
      لقد كانت للبابوية أهداف وأطماع وراء إعلانها للحروب الصليبية على المسلمين متذرعة بما ادعته من رفع الظلم والاضطهاد عن المسيحيين في الشرق ،وتتجلى لنا هذه الأهداف والأطماع في التالي :

   جعل سلطتها عالمية بعدما بلغت درجة كبيرة من النفوذ والاتساع في القرن الحادي عشر،فأراد البابا بوصفه خليفة المسيح والقديس بطرس أن يكون الزعيم الروحي لجميع المسيحيين في الشرق والغرب .والمعروف أنَّ البابوبة  ترغب دائماً في إخضاع الكنيسة الشرقية الأرذكسية لزعامة الشرق والغرب.
 والمعروف أنَّ البابوية  ترغب دائماً في إخضاع الكنيسة الشرقية الأرذكسية لزعامتها .
ولنا هنا وقفة مع بابا الفاتيكان  فقد أعلن  في المجمع المسكوني الذي عقد عام1962- 1965م باستقبال الألفية الثالثة بلا إسلام ،وقد كان من قرارات المجمع الفاتيكاني الثاني: 
1- اعتبار المسيحيين هم شعب الله المختار.
2- توصيل الإنجيل إلى كافة البشر، أي العمل على تنصير العالم.
3- التأكيد على عصمة البابا من الخطأ .
4- اقتلاع الديانات الأخرى ،وبخاصة الإسلام.
     ولنتوقف هنا عند كلمة”مسكوني”ماذا يعني هذا المصطلح؟مصطلح “مسكوني ” يدل على “الأرض المسكونة” ،وهي في القرنين الرابع والخامس للميلاد مساحة الامبراطورية اليونانية والرومانية ،وبهذا يطلق على البطريرك الأرثوذكسي في القسطنيطنية “العاصمة الثانية للامبراطورية الرومانية”لقب البطريرك المسكوني. وعلى مستوى الكنيسة ،تدل صفة المسكوني على لقاءات الأساقفة “مجامع” للبحث في المسائل المختصة بالكنيسة كلها .ومنذ مطلع القرن العشرين استعمل لفظ مسكونية لوصف الجهود المبذولة لجمع شمل المسيحيين في كنيسة واحدة.  وفي الأدبيات المسيحية تصريح بأنَّ “الحركة المسكونية”ترقى بنشأتها إلى مؤتمر “الإرساليات التبشرية العالمي ” المنعقد في أدنبرة –استكلندا عام 1910م والكلام عن” الحركة المسكونية كان يعني أولاً السعي للنهوض بوحدة الكنيسة ،وثانياً:بوحدة البشرية ،وذلك عبر التنصير والإرساليات وعبر العمل الاجتماعي في العالم غير المسيحي.إنَّ الحركة التنصيرية العالمية أو “الوحدة في العمل التنصيري”شكلت الولادة الحقيقية للعمل المسكوني وللحركة المسكونية ،وفي ذاكرة المسلمين والمسيحيين في الشرق صور أليمة ومريرة عن المواجهة مع الحركات التنصيرية.
ولعل من أسباب موقف بابا الفاتيكان الحالي من الإسلام يرجع إلى الآتي :
صعود الإسلام وانتشاره في العالم وفي الغرب خصوصا في مقابل التعاون معه في ذات الوقت ضد موجات الإلحاد العالمي وتفشي انهيار القيم الأخلاقية على المستوى العالمي، وانهيار الكنيسة الكاثوليكية وتقلص أتباعها خصوصا في الغرب.
     والموقف العدائي للإسلام من قبل البابوية ليس حديث العهد ،فقد تبنى الفاتيكان “حملة مليون ضد محمد ” وهو الذي  يحاول  منذ دعوته للحوار الإسلامي المسيحي  أن يظهر أمام علماء الإسلام ومثقفيه بوجه خلاف الوجه الحقيقي له ،وقد كشفت  صحيفة “فليت إم زونتاج” الألمانية في عددها الصادر بتاريخ 30 مايو من عام 2004 م ،عن قناع من أقنعة الفاتيكان  في مقال بعنوان (مليون ضد محمد) ذكرت فيه أن للفاتيكان منظمة اسمها “رابطة الرهبان لتنصير الشعوب” هي من أقدم منظمات الفاتيكان وأكثرها نفوذا وأقلها شهرة، إنها تعمل في كل مناطق العالم بما في ذلك المناطق التي يسمونها مناطق الصمت؛ كالسعودية واليمن والصين وفيتنام وكمبوديا.
و كما يبدو أن البابا الجديد غير متوافق إلى حد ما مع الإسلام، إذ سبق له أن اعترض لأسباب دينية على انضمام تركيا للاتحاد الأوربي ووصف ذلك بأنه “خطأ فادح” و”قرار مخالف للتاريخ”، كما أنه طالب البابا السابق يوحنا بولس الثاني بأن ينص الدستور الأوربي الموحد على مسألة الجذور المسيحية لأوربا، يضاف إلى ذلك أن البابا الجديد الذي نشر عنه انضمامه في صباه للشبيبة النازية قد أظهر في السابق تقارباً مع اليهود، حيث كان أول من ألقى كلمة ندد فيها بكراهية اليهود في العام الماضي أثناء منتدى عقد في نيويورك حول معاداة السامية، لذا ليس غريباً أن يصفه كبير حاخامات تل أبيب “مائير لاو” بأنه صديق للشعب اليهودي، غير أنه بالنظر إلى خلفيته النازية يتوقع أن يتعرض البابا الجديد لابتزاز سياسي إسرائيلي.
   وبما أن البابا يعد من أشد المدافعين عن العقيدة المناهضة لانحراف الكنيسة عن ثوابتها الأخلاقية، حيث كان يرأس “مجمع العقيدة والإيمان” الذي يحظى بنفوذ واسع، وهو وريث مجمع “المحاكم الدينية” التي اشتهرت بأحكام الإعدام عبر الحرق في نهاية القرون الوسطى، ومن جانب آخر، فإن هذا الاختيار يعني التركيز على أوربا معقل الكاثوليكية الذي يتهاوى مع عزوف الغربيين عن الكنيسة أكثر من التركيز على المناطق الجديدة المكتسبة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، ولو كان الكرادلة قد اختاروا بابا لاتينيا أو إفريقيا مثل الكاردينال النيجيري “فرنسيس أرينزي” لكان التصور هو أن الكنيسة ستسعى للتركيز على رعاياها المكتسبين الجدد في هذه المناطق.
  هذا ونجد أنَّ البابا الجديد أكثر دفاعاً عن جماعات المسيحيين المحافظين والإنجيليين المتشددين، وسبق له القول قبل اختياره رئيسا للفاتيكان: “إن الحركات المسيحية الجديدة مثل الإنجيليين أو الكنائس الحرة في ألمانيا تزدهر؛ لأنها تدافع بضراوة عن القيم الأخلاقية الكبرى ضد تطور الذهنيات”، وأضاف “هذه المجموعات كانت تعتبرها الكنيسة قبل فترة خلت بأنها أصولية، وكانت منافسة كبرى للكنيسة الكاثوليكية، لكنها بدأت في التقارب لأنها أدركت أن الكنيسة وحدها تدافع عن القيم الأخلاقية وأننا نتقبل بفرح هذا التقارب”، وفي مقابل ذلك، فهو من أشد معارضي الخروج على تعاليم الكنيسة والرافضين للتوجهات العلمية الحديثة المخالفة للعقيدة المسيحية، وقد انتهز فرصة صلاة قداس قبل الاجتماع السري لمجمع الكرادلة ليصدر تحذيراً قاسياً من “أنَّ الاتجاهات الحديثة غير الإلهية يجب أن ترفض”، ما اعتبر دليلا على تشدده وعلى صدامه المتوقع مع العلم الحديث ودعاة تطوير الكنيسة الكاثوليكية لتجذب أتباعها الشاردين أو الخارجين منها ودعاة العلمانية.
في حين نجده يهاجم المسيحية العربية  الأصلية التي تنتشر في البلاد العربية، ومنها المسيحية القبطية. والمعنى واضح في حديثه، فالمسيحية التي لم تتوافق مع الفكر اليوناني، هي مسيحية غيبية لا تحكم العقل. وهكذا أصبح كل المسيحيين في البلاد العربية متهمين بالغيبية التي لا تحكم العقل، وأصبح هناك مسيحية مقبولة في نظر البابا، ومسيحية أخرى مرفوضة لا توازن بين العقل والإيمان. وبهذا تساوى في نظر البابا الإيمان الإسلامي، بالإيمان المسيحي غير الغربي.
وهذا الموقف، هو موقف ديني وحضاري عنصري، ولا يوجد مبرر واحد له. فالإيمان الإسلامي والإيمان المسيحي في البلاد العربية والإسلامية، أو في البلاد غير الغربية يمثل في نظر البابا الإيمان الخرافي، والذي يخرج عن المنطق والعقل. وهنا نفهم دوافع البابا، فهو يقدم رؤية غربية مسيحية عنصرية، ترى تميز وتفوق الإنسان الغربي المسيحي، عن غيره من المسيحيين وبالطبع عن غيره من غير المسيحيين. ومن هنا نرى خطورة هذه الرؤية العنصرية الحضارية.
     إنَّ البابا الجديد يضع بتصريحاته ورؤاه المحافظة العلاقة بين الكنيسة والدولة على محك قد يجعل الكنيسة خادمة للسياسات الغربية أو الأمريكية المحافظة تحديدا.
وعلى مستوى علاقة الكنيسة بالدولة في الغرب، فإن هذه التصريحات تأتي في ظل الإدارة الأمريكية الراهنة التي يتحكم بها المحافظون الجدد،بالعمل على تهيئة الرأي العام الغربي المسيحي بأنَّ الإسلام دين عنف وإرهاب ،خدمة لسياسة إدارة بوش القائمة على محاربة كل ما هو إسلامي تحت شعار محاربة الإرهاب .
والبابا في محاضرته يريد أن  يفرض على المسلمين حواراً يقوم على تغيير عقيدتهم بتصور جديد لله جل شأنه ،خلاف تلك الصورة القائمة على العنف ومنافاة العقل ،وذلك في قوله : ” – “وختاماً فرغم كل السرور الذي نرى به الإمكانيات الجديدة التي أدخلها الإنسان، نرى أيضاً التهديدات التي تتنامى من هذه الإمكانيات. ويجب أن نسأل أنفسنا كيف يمكن أن نسيطر عليها. ولن يمكننا ذلك إلا إذا تلاقى العقل والإيمان بصورة جديدة. ومن خلال ذلك فقط يمكننا أن نكون مؤهلين لحوار حقيقي بين الحضارات والأديان الذي نحن في أمس الحاجة إليه”.
وهذا ما جاء ضمن مشروع “فرقان الحق ”  ؛إذ نجد الفاتيكان متواطئ مع معدي مخطط ما سمي بالفرقان الحق ” ،فقد  أوصى بما جاء في هذا المخطط بعدم زواج المسيحيات من مسلمين ،وذلك لأنَّ في مخططهم القضاء على المسلمين أجمعين بفرض الحصار عليهم لتجويعم ونشر الأمراض بينهم والخراب والدمار في بلادهم ليرتدوا عن الإسلام،وينصرفوا عن القرآن الكريم ،ويأخذوا بما يُسمى ب ” الفُرقان الحق “المستبدل بالقرآن الكريم  ،وإذا تمسكوا بدينهم وقرآنهم ستعلن الحرب عليهم ،وستخرج الجيوش الأمريكية والأوربية والإسرائيلية لقتال المسلمين والقضاء عليهم بحيث لا يبقى مسلم على وجه الأرض في خلال عشرين عاماً من إعلان الحرب التي سوف تُعلن بعد أربع سنوات، ـ وقد مضى منها سنتان ـ وسيبدأون بالمملكة العربية السعودية ومصر وإيران والباكستان .
             وهكذا نجد أنَّ تصريحات البابا الجديد قد  تقذف بالكنيسة في قلب الصراع الجاري بين السياسة الأمريكية والعالم الإسلامي. وذلك قد يعمل على تقريب الكنيسة في صورة العقل الإسلامي أكثر بسياسة أمريكا في المنطقة العربية والإسلامية وتوجهات المحافظين الجدد بشأن تقسيم المنطقة على أسس طائفية ومذهبية.
البريد اليكتروني : suhaila_hammad@hotmail.com









Join the discussion