الأبعاد الدينية والسياسية لاستفتاء حظر بناء مآذن في سويسرا(1)

الأبعاد الدينية والسياسية لاستفتاء حظر بناء مآذن في سويسرا(1)

الأبعاد الدينية والسياسية لاستفتاء حظر بناء مآذن في سويسرا(1)
 د. سهيلة زين العابدين حمّاد
الثلاثاء 15ديسمبر 2009م 
  إنَّ الاستفتاء الذي أُجري في سويسرا لحظر بناء مآذن المساجد في سويسرا ،وأيده 58% يخالف  المادة الثامنة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي أعطت لكل شخص حقه في إظهار دينه أو معتقده وإقامة شعائره الدينية


، كما يتناقض مع مسمى الاتحاد الديمقراطي السويسري الذي تمّ بطلب نوَّابه   مع نواب حزب الشعب اليميني، ويتناقض أيضاً مع  المادة (15)    من دستور الاتحاد السويسري الذي أُقِّر بتاريخ 18 إبريل 1999 م ،و عُمل  به منذ أول يناير 2000م ،فقد كفل الدستور حرية الضمير والعقيدة ،,لكل شخص الحق في اختيار دينه واعتقاده الفلسفي بحرية وأن يجاهر بهما فرديا أو جماعيا،ولكل شخص الحق في الانتماء إلى جماعة دينية أو الاشتراك فيها أو الاستماع للتعليم الديني،ولا يجوز ممارسة أية ضغوط على أي شخص للالتحاق بجماعة دينية أو الانتماء إليها أو ممارسة أية شعائر دينية أو الاستماع للتعليم الديني.
ويتناقض مع البند الثاني من المادة 72 (الكنيسة والدولة) والذي ينص على (يمكن للاتحاد والمقاطعات اتخاذ إجراءات في إطار اختصاصاتهم للحفاظ على السلام العام بين أتباع الأديان المختلفة.)
فكيف سيتحقق السلام العام بين أتباع الأديان المختلفة ،وهناك تمييز ضد أتباع الديانة الإسلامية ؟
  كما يتناقض مع ديباجة الدستور التي بدأت بِ”بسم الله القدير “،وكيف يحظرون بناء المآذن التي يذكر فيها الله؟
  كما يتناقض مع ما جاء فيها   (يقرر الشعب السويسري والمقاطعات السويسرية،بمقتضى مسئوليتهم تجاه الخليقة،وتأكيداً على تجديد تحالفهم لتعزيز الحرية والديمقراطية والاستقلال والسلام في تضامن وانفتاح على العالم،وإعمالاً لإرادة العيش معاً ضمن التعددية باحترام وتقدير متبادلين وعدل …) فكيف يتحقق احترام وتقدير التعددية ،والعدل ،ويوجد مثل هذا التمييز ضد المسلمين؟
وهنا أتساءل على أي أساس سيكون التعديل  ؟
هل سيعدلون الديباجة ،والمادتان (15) ،و(72)؟
  وهل سيضيفون بنداً ينص على حظر بناء مآذن في مساجد المسلمين ،وعندئذ ستصنَّف الدولة السويسرية بأنَّها دولة عنصرية ،تمارس التمييز ضد المسلمين دون غيرهم،وعليها حذف كلمة ” ديمقراطي” من مسمى الاتحاد السويسري  ،وإلاَّ فعليها أن تضيف إلى المادة المعدلة ،وحظر تزويد  الكنائس بالأجراس  ،وحظر وضع نجمة داود في المعابد اليهودية .
         لذا  فلهذا الاستفتاء أبعاد دينية وسياسية ،فنواب الحزب اليميني الداعين له ، لهم ولاء   للصهيونية المتزعمة الحملة ضد الإسلام والمسلمين ،فقد سبق هذا الاستفتاء حملة  واسعة امتدت أشهراً واستخدمت فيها ملصقات عنصرية ضد المسلمين من ضمنها ملصق لعلم سويسري غطته مآذن تشبه الصواريخ، وملصق لامرأة  منقبة في ثوب أسود،وهذا الاستفتاء سيزيد من إشعال النار ضد الإسلام والمسلمين في أوروبا ،وهناك أصوات أوروبية متطرفة وصهيونية مؤيدة له . ولقد أشعلت هذه الحرب  الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل باصطناعهما  لأحداث سبتمبر والصقاها بالعرب والمسلمين لتوجيه  هذه الحملة المستعرة على الإسلام والمسلمين ،فإسرائيل التي تخطط للسيطرة على العالم بعد تقويضها للأديان تسعى للقضاء على الدين الإسلامي ،واليهود منذ بزوغ فجر الإسلام وهم يحاربونه بقصد القضاء عليه ،وقد حاولوا أكثر من مرة قتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنَّه في ظنَّهم بقتله يتم لهم القضاء على هذا الدين ، ولمَّا لم يتمكنوا من ذلك ،وانتشر الإسلام في الأصقاع ،تآمروا على الدولة الإسلامية وعلى خلفائها ابتداءً من الخلفاء الراشدين إلى الخلفاء العثمانيين،فتآمروا على السلطان العثماني عبد الحميد حتى خلعوه لأنّه رفض بيعهم فلسطين  ،وكانوا وراء الحروب الصليبية على المسلمين التي دامت قرنين من الزمان ،كما كانوا وراء إشعال الحربين العالميتين ،ثم سعوا مع الاستعماريْن الإنجليزي والفرنسي للقضاء على الخلافة الإسلامية المتمثلة في الدولة العثمانية،وتفتيت أجزاء الدولة الإسلامية إلى دول راسمين لها حدوداً سياسية،تقاسمها الإنجليز والفرنسيين ،وأوجد الاستعمار  في الحدود السياسية المستحدثة مشاكل  تجعل الجيران يتنازعون فيما بينهم على تلك الحدود، ليستمر  مسلسل الحروب والنزاعات بين الأهل والأشقاء بعد نزوح الاستعمار عنها لجعلهم في حالة تمزق وتفتت وضعف وانقسام للحيلولة دون اتحادهم وقوتهم،ولم يكتفوا بهذا ،بل زرعوا في قلب العالم العربي الدولة اليهودية الصهيونية المسماة ب ” إسرائيل”،فلم يغادر المستعمر البريطاني فلسطين إلاَّ بعدما سلَّمها لليهود الصهاينة،لتشكل تهديداً مستمراً للعالم العربي ،ولتحقق أهدافها في تكوين دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات ، ومن الأرز إلى النخيل.
  وبما أنَّ الإسلام يشكل مركز قوة للمسلمين ،ومنبع عزتهم وكرامتهم ،وتحررهم من عبودية الخلق ،فهم يريدون القضاء على هذا الدين ليسهل لهم السيطرة على المسلمين ومدخراتهم وأموالهم ،ولجعل المسلمين خدماً وعبيداً لهم .
ومخطط القضاء على الإسلام معد منذ أواخر القرن التاسع عشر،فقد أعلن هذا مستر جلادستون رئيس وزراء انجلترا ،في مجلس العموم البريطاني ، وقد أمسك بيمينه كتاب الله عزَّ وجلَّ ،وصاح في أعضاء البرلمان وقال: ( إنَّ العقبة الكؤود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد المسلمين هي شيئان،ولابد من القضاء عليهما مهما كلَّفنا الأمر ، أولهما هذا الكتاب ،وسكت قليلاً بينما أشار بيده اليسرى نحو الشرق وقال :هذه الكعبة!!) [محمَّد فهمي عبد الوهاب: الحركات النسائية في الشرق ،وصلتها بالاستعمار والصهيونية العالمية ،ص7،دار الاعتصام،القاهرة]، كما دعا الكاتب الفرنسي الشهير  “ايتين لا مي” في مقال نُشر في مجلة “العالمين الفرنسية قال فيه  :  (إنَّ مقاومة الإسلام بالقوة لا تزيده إلاَّ انتشاراً ، فالواسطة الفعَّالة لهدمه وتقويض بنيانه هي تربية بنيه في المدارس المسيحية ،وإلقاء بذور الشك في نفوسهم منذ عهد النشأة ، فتفسد عقائدهم الإسلامية من حيث لا يشعرون ، وإن لم يتنصر منهم أحد منهم فإنَّهم يصيرون لا مسلمين ولا مسيحيين ، وأمثال هؤلاء يكونون بلا ارتياب أضرَّ على الإسلام ممَّا إذا اعتنقوا المسيحية وتظاهروا بها  )[ المرجع السابق]
    وهكذا فإنَّ الغرب،ومن ورائه الصهيونية العالمية قد نزعا في محاولتهما للقضاء على الإسلام إلى السير في  طريقين في آن واحد ،  نحو العقيدة الإسلامية ،ونحو الأسرة المسلمة .
للحديث صلة .
البريد اليكتروني : suhaila_hammad@hotmail.com
…………………………………………………………………..
نُشر في صفحة الرأي بجريدة المدينة.

Join the discussion