تحديد سن 18 سنة كحد أدنى للزواج طبقاً للشرع وأنظمة الدولة (2-2)‏

تحديد سن 18 سنة كحد أدنى للزواج طبقاً للشرع وأنظمة الدولة (2-2)‏

تحديد سن 18 سنة كحد أدنى للزواج طبقاً للشرع وأنظمة الدولة (2-2)‏
د. سهيلة زين العابدين حماد
أواصل الحديث عن القرائن التي تؤكد أنَّ سن السيدة عائشة عند زواجها بالرسول عليه ‏الصلاة والسلام لم يكن التاسعة:‏

1- يذكر الأستاذ عباس محمود العقاد – رحمه الله ـ في صفحتي 46 و47 من كتابه ‏الصديقة بنت الصديق أنَّ خطبة السيدة عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم قد تمَّت في شوال ‏سنة عشرة من الدعوة، ويشير إلى اختلاف الأقوال في سن السيدة عائشة يوم زُفّت إليه ‏عليه الصلاة والسلام في (2هـ)، فيحسبها بعضهم تسعاً، ويرفعها بعضهم فوق ذلك بضع ‏سنوات، وهو لا يستغرب هذا الاختلاف بين قوم لم يتعودوا تسجيل المواليد، ويرجح العقاد ‏أنّ السيدة عائشة كانت لا تقل عن (12) سنة عند زفافها إلى النبي عليه الصلاة ‏والسلام، ولا تتجاوز (15) سنة بكثير، مشيراً إلى ما جاء في بعض المواضع من طبقات ‏ابن سعد أنّها خطبت وهي في التاسعة، أو السابعة، ولم يتم الزفاف كما هو معلوم إلاّ بعد ‏فترة بلغت خمس سنوات في أشهر الأقوال، ويؤيد ترجيحه هذا بقوله إنّ السيدة خولة بنت ‏حكيم قد اقترحتها على النبي وهي في السن المناسب للزواج على أقرب التقديرات‏، والمؤكد من سياق الحديث أنّها تعرضهما للزواج الحالي بدليل قولها (إن شئت بكراً وإن ‏شئت ثيباً) ولذلك لا يعقل أن تكون السيدة عائشة في ذاك الوقت طفلة في السادسة من ‏عمرها، وتعرضها (خولة) للزواج بقولها (بكراً).‏
2- أخرج البخاري في (باب- قوله: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) عن (عائشة) ‏قالت: «لقد أنزل على محمد [بمكة، وإنِّي جارية ألعب «بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ ‏أَدْهَى وَأَمَرُّ»، والمعلوم بلا خلاف أن سورة (القمر) نزلت بعد أربع سنوات من بدء ‏الوحي بما يوازي (614م)، فلو أخذنا برواية البخاري تكون (عائشة) إما أنها لم تولد أو ‏أنها رضيعة حديثة الولادة عند نزول السورة، ولكنها تقول (كنت جارية ألعب) أي أنّها ‏طفلة تلعب، فكيف تكون لم تولد بعد؟ فالحساب المتوافق مع الأحداث يؤكد أن عمرها (8‏‏) سنوات عام (4) من البعثة، وهو ما يتفق مع كلمة (جارية ألعب).‏
3- أنَّ عمرها ست سنين، وقد أخرجها البخاري من طريق سفيان الثوري، ووهيب بن خالد، ‏وعلي بن مسهر، وحمَّاد بن أسامة عن طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي ‏الله عنها، وأخرجها آخرون منهم الإمام مسلم عن طريق هشام بن عروة، ومن طرق ‏أخرى، وعند إخضاعهم لعلم الجرح والتعديل وُجد فيهم ضعف، وكلها عن طريق هشام بن ‏عروة، و كان صدوقاً في المدينة المنورة، ثم لما ذهب للعراق بدأ حفظه للحديث يسوء ‏وبدأ (يدلس) أي ينسب الحديث لغير راويه، ثم بدأ يقول (عن) أبي، بدلاً من (سمعت أو ‏حدثني)، والمعنى أنّه في علم الحديث كلمة (سمعت) أو (حدثني) هي أقوى من قول ‏الراوي (عن فلان)، والحديث في البخاري هكذا يقول فيه (هشام) عن (أبي) وليس (‏سمعت أو حدثني)، وهو ما يؤيد الشك في سند الحديث، ثم النقطة الأهم أنّ الإمام (مالك) ‏قال: إنّ حديث (هشام) بالعراق لا يقبل، فإذا طبقنا هذا على الحديث الذي أخرجه البخاري ‏لوجدنا أنّه محقق، فالحديث لم يروه راوٍ واحد من المدينة، بل كلهم عراقيون ما يقطع أنّ ‏‏(هشام بن عروة) قد رواه بالعراق بعد أن ساء حفظه ولا يعقل أن يمكث (هشام) بالمدينة ‏عمراً طويلاً، ولا يذكر حديثاً مثل هذا ولو مرة واحدة، ولا نجد أي ذكر لعمر السيدة ‏‏(عائشة) عند زواجها بالنبي في موطأ مالك الذي رأى وسمع (هشام بن عروة) مباشرة ‏بالمدينة، فكفى بهاتين العلتين للشك في سند الرواية في البخاري، وذلك مع التأكيد على ‏فساد نصها – الذي تؤكده المقارنة التاريخية السابقة.‏
   هذا وللإقرار بصحة ما رواه البخاري من مرويات عن زواج الرسول عليه الصلاة والسلام ‏بعائشة رضي الله عنها وهي ابنة تسع سنوات، فسرت {واللائي لم يحضن} بالصغيرات مع ‏أنَّها معطوفة على من نسائكم، ووجود نساء لا يحضن طوال حياتهن، وكذلك المُرضعات، ولا ‏يتفق مع قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح}، ويناقض الحديث (لا تنكح الأيِّم‏‏..) ووضع حكماً فقهياً خاطئاً يجيز زواج الصغيرة بدون إذنها ورضاها، ولا يحق لها فسخ ‏عقدها إن بلغت، في وقت يحرم زواج البالغة دون رضاها وإذنها، ونعتبره شرع الله، ومن ‏يقول بعدم صحة هذه الأحاديث، يُخشى على إيمانه، فالبخاري بشر، وكل بشر خطاء، وما ‏أورده من روايات بهذا الصدد هي التي كانت أمامه، وتحرى صحتها طبقاً للإمكانات المتاحة ‏له في عصره، وما هو متوفر في عصرنا، غير متوفر في عصره، وهذا لا يعني الطعن في ‏صحة صحيحه، ولكن عندما نجد أحاديث لا تتفق مع القرآن، ومع السنة الفعلية ووقائع ‏تاريخية ثابت صحتها، علينا أن ندقق في مدى صحتها، لأنَ السنة لا تناقض القرآن.‏
فمثلاً في حديث الإفك الذي رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، ‏زيادة منكرة تشير إلى اتهام أم عائشة خوض أمهات المؤمنين في الإفك، بقولها ‏حسب الرواية، قالت عائشة رضي الله عنها: ( فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث ‏الناس؟ قالت: يا بنيتي هوِّني عليك، فوالله لقلَّما كانت امرأة وضيئة عند رجل يُحبها‏ ،ولها ضرائر إلاَّ كثُرن عليها…) [كتاب التفسير: حديث رقم 4750]‏
والغريب قبول الجميع لها دون مناقشة لمجرد ورودها في صحيح البخاري، مع أنَّه ‏من المستحيل أنَّ زوجة الصديق تتهم أمهات المؤمنين بهذا الاتهام الخطير، ومعروفون ‏الذين خاضوا في الإفك!!!‏
وهناك من انتقد على الصحيحيْن (210) حديثاً كابن حجر و الدار قطني وغيرهما من ‏الحفاظ، وبينوا ضعف ووهم في بعض رواتهما، وقد ضعَّف الشيخ الألباني أحاديث ‏للبخاري. ‏
إذاً ليس كل الروايات الواردة في كتب تراثنا صحيحة لا تقبل النقد، فنجد مثلاً في ‏طبقات ابن سعد وتاريخ الطبري وتفسيره روايات ضعيفة، بل غير صحيحة وهي من ‏وضع الزنادقة كرواية قصة الغرانيق التي ثبت بطلانها سنداً ومتناً وتاريخياً ولغوياً؟
والذي أراه ضرورة إعادة التحقيق في كتب تراثنا الإسلامي للتأكد من صحة ما هو ‏وارد فيها بالفعل، وتصحيح الروايات الشاذة والضعيفة والمرسلة، بوضعها في الحواشي ليتنبه ‏إليها طلاب العلم الذين يرجعون إليها، فهي المصادر الأساسية والأصلية لتاريخنا، ولا غنى ‏للباحث من الرجوع إليها،مع إلغاء الأحكام الفقهية المبنية عليها.‏
………………………………………………..
نُشر في جريدة المدينة في الثلاثاء, 9 مارس 2010
http://www.al-madina.com/node/230649

Join the discussion