زواج القاصرات ومشروع تحديد سن أدنى للزواج(1-2)

زواج القاصرات ومشروع تحديد سن أدنى للزواج(1-2)

زواج القاصرات ومشروع تحديد سن أدنى للزواج(1-2)
     بقلم / د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
    أثير في الآونة الأخيرة في أجهزة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء زواج الصغيرات من مسنين لإقدام بعض الآباء على  تزويج بناتهم في سن الثامنة والتاسعة من رجال مسنين في سن الخمسين والستين ،ويبيح الأزواج والآباء لأنفسهم هذا الزواج تحت ذريعة أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد تزوَّج السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ،وهي ابنة التسع سنوات ،والسؤال الذي يطرح نفسه : 

هل حقاً الرسول صلى الله عليه وسلم قد تزوَّج من السيدة عائشة رضي الله عنها ،وهي ابنة تسع سنوات؟
للإجابة عن هذا السؤال لابد من عرض رواة  الأحاديث التي تحدد سن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجها بالرسول صلى الله عليه وسلم لعلمي الجرح والتعديل ،وتوضيح مدى صحتها ،ومدى تطابق  هذه الروايات بأحداث ووقائع ثبت صحتها،ومدى تطابقها أيضاً بأحكام الزواج في الإسلام ،وشروط صحته.
  ولنبدأ بِ
أولاً :أحاديث زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة رضي الله عنها
  لم يرد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدد سن  السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجه منها.واختلفت الرواية في تحديد عمر  السيدة عائشة رضي الله عنها عند خطبتها وزواجها برسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أوجه هي :أنَّ عمرها ست سنين،وأنّ عمرها سبع سنين،ورواية الشك ” ست سنين ،أو سبع”.
 الوجه الأول : هو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها ،وهي بنت ست سنين،وهي رواية الأكثرين  ،فقد أخرجها البخاري من طريق سفيان  الثوري ،ووهيب بن خالد ،وعلي بن مسهر ،وحمَّاد بن أسامة عن طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، وأخرجها آخرون منهم الإمام مسلم عن طريق هشام بن عروة ،ومن طرق أخرى.
وعندما نخضع هؤلاء لعلم الجرح والتعديل نجد :
 ـ سفيان الثوري كما جاء في التقريب لابن حجر العسقلاني :” ثقة ،حافظ فقيه عابد ،إمام حجة ،وكان ربما دلَّس ، وجاء في تهذيب التهذيب : ” قال ابن المبارك : حدَّث سفيان بحديث فجئته ،وهو يدسه ،فلمَّا رآني استحى ،وقال : نرويه عنك .[ 4/104،دار الكتب العلمية ،بيروت ،طبعة أولى ،سنة 1405هـ_ 1994م]
ـ وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي  ،قال في التقريب : ” ثقة ،ثبت ،لكنه تغيَّر قليلاً ،وجاء في تهذيب التهذيب : ” قال الآجري عن أبي داود تغيَّر وهيب بن خالد ،وكان ثقة ،قال ابن المديني : قال يحي بن سعيد : إسماعيل أثبت من وهيب.” [ تهذيب التهذيب 11/148.]
ـ علي بن مسهر القرشي : قال في التقريب : ” ثقة له غرائب بعدما أضر”.[ تهذيب التهذيب : 7/323]
ـ حمَّاد بن أسامة بن زيد القرشي :قال في التقريب : ” ثقة ثبت ،ربما دلَّس ،وكان بآخره يحدِّث من كتب غيره ،قال ابن سعد : “كان ثقة مأموناً كثير الحديث يُدلِّس ،ويُبيِّن تدليسه.” [ تهذيب التهذيب 4/3،وطبقات ابن سعد 6/394،ميزان الاعتدال 7/ت 2235.]
ـ هشام بن عُروة بن الزبير بن العوَّام الأسدي ،قال في التقريب : ” ثقة ،فقيه ،ربما دلَّس ،وجاء في تهذيب التهذيب :  قال يعقوب بن شيبة : “ثقة ،ثبت ،لم ينكر عليه شيء ،إلاَّ بعدما صار إلى العراق ،فإنَّه أنبسط في الرواية عن أبيه ،فأنكر ذلك عليه أهل بلده ، والذي نرى أنَّ هشاماً تسهَّل لأهل العراق ، ،فكان تسهُّله أنَّه أرسل عن أبيه ممَّا كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه ” ، وقال ابن خراش: ” بلغني أنَّ مالكاً نقم عليه حديثه لأهل العراق ، قال ابن لهيعة : ” كان أبو الأسود يعجب من حديث هشام عن أبيه ،وربما مكث سنة لا يكلمه .” [ تهذيب التهذيب : 11/ 45، 46]
 وهكذا نجد جميعهم يوجد فيهم ضعف ،وهناك ضعف في بعض الرواة ، ففي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت : ” تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وهي بنت ست سنين ،وبنى بها وهي بنت تسع “أحد الذين روى عنهم يحي بن أيوب ،جاء في التقريب : صدوق ،وربما أخطأ” ،وعمارة بن غِزية : ” لا بأس به”.


 الوجه الثاني : رواية سبع سنين ،فقد انفرد بها مسلم عن البخاري ،ورواية مسلم في صحيحه قد وردت عن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ، وهي مرسلة.
الوجه الثالث : رواية الشك ،ويكفي أنَّها كذلك.
   وهذا لا يعني أنَّني أشكك في صحة أحاديث الإمام البخاري ،ولكن هذا أصح ما توصَّل إليه في تحديد سن السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجه صلى الله عليه وسلم بها.


إذاً هذه الروايات لا ترقى إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة ،إضافة إلى وجود قرائن كثيرة لا تتفق معها ،منها :
1. ما ذكره ابن كثير في”البداية والنهاية” ،وغيره من كتب الأعلام والتاريخ أنَّ أسماء بنت أبي بكر كانت تكبر أختها عائشة بعشر سنوات وقد توفيت أسماء عام 73 هجرية عن عمر يناهز مائة سنة، ، ومن ثم يكون عمر أسماء بنت الصديق عام الهجرة 27 عاماً، فكيف يكون عمر أختها التي تصغرها بعشر سنوات سبع  سنوات في العام نفسه؟ لو حسبنا الأمر، لاتّضح لنا أن الرسول خطب أو تزوج السيدة عائشة وعمرها 17 عاماً تقريبا،.وبنى بها وهي ابنة تسعة عشر عاماً.
2. كانت السيدة عائشة مخطوبة قبل خطبتها من رسول الله إلى رجل آخر هو ” جبير بن المطعم بن عدي ” الذي أسلم في العاشرة للهجرة. فمتى خطبها “المطعم” لابنه جبير؟ ليس معقولاً أن يكون خطبها وأبو بكر مسلم وآل بيته مسلمون  ،إذن لا تكون هذه الخطبة إلاَّ قبل البعثة  ، فإذا بنى بها الرسول في العام الثاني للهجرة، يكون سنها – آنذاك – قد جاوزت الخامسة عشرة ،وهذا إن خطبت لجبير عند ولادتها وهذا مستبعد جداً ،خاصة أنَّه ذكر أنَّها خطبت له عندما بدت عليها علامات الأنوثة ،والتي لا تظهر إلاَّ إذا اقتربت الأنثى  من البلوغ .
3. لقد نزلت (سيهزم الجمع ويولون الدبر) عام 6 للبعثة. وكانت السيدة عائشة جارية تلعب. يا هل ترى في أي سنة ولدت إذن?
4. لقد شهدت  عائشة رضي الله عنها بدراً وأحدا.فكيف  يسمح عليه الصلاة والسلام   باصطحاب  ابنة  9 سنوات ،و رد في أُحد مَنْ كانت أعمارهم دون  15 سنة؟
للحديث صلة .
البريد اليكتروني : suhaila_hammad@hotmail.com
…………………………………………………..
نشر في صفحة الرأي بجريدة المدينة  الخميس, 23 أبريل 2009م.


رابط المقال http://www.al-madina.com/node/130088 
                       زواج القاصرات ومشروع تحديد سن أدنى للزواج(2-2 (
                                                             بقلم /د. سهيلة زين العابدين حمَّاد
       بيَّنتُ في الحلقة الماضية ضعف من رُويت عن طريقهم أحاديث السيدة عائشة رضي الله عنها عن سنها عند زواجها من الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أخضعتهم لعلم الجرح والتعديل ، كما بيَّنت أنَّ بعض تلك الأحاديث مرسلة ،كما أوردت بعض الحقائق والقرائن التي تؤكد أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج السيدة عائشة ،وهي ابنة تسع أو عشر سنوات .
    ويؤيد أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزوج السيدة عائشة ابنة تسع ،أو عشر سنوات، حقائق منها : 
أنَّ الزواج في الإسلام يقوم  على ثلاثة أركان هي : السكن والمودة والرحمة ( ومن  آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعلنا بينكم مودة وحمة )والسكن لا يتحقق إلاَّ بتوافق الزوجين وتكافؤهما في الفكر والعلم والمستوى الاجتماعي مع التقارب في العمر،والهدف من هذا تكوين أسرة مستقرة متحابة يتعاون الأبوان على إدارة شؤونها وتربية الأولاد تربية سوية سليمة خالية من العنف والقسوة ، ولا يتحقق هذا إلاَّ برضا الزوجين وموافقتهما،ولا يتم عقد النكاح إلاَّ بموافقة الفتاة على الزواج لقوله صلى الله عليه وسلم :” لا تنكح الأيم حتى تستأمر ،ولا البكر حتى تستأذن ” قالوا : يا رسول وكيف إذنها ؟ قال: ” أن تسكت “،ولا تستطيع الفتاة أن تحسن  الاختيار ،وتتخذ  قرار الموافقة على الزواج بمن سيعاشرها مدى الحياة ،إلاَّ إذا كانت بالغة رشيدة تتحمَّل مسؤولية اختيارها ،ولتكون موافقتها معتمدة شرعاً لابد أن تكون قد بلغت سن الرشد ،وهو سن (18) سنة ،أمًّا مادون ذلك فلا يحق لها أن تتصرَّف في أموالها وتكون تحت الوصاية إن كانت يتيمة الأبويْن ،فكيف يصح زواجها شرعاً ،ويُقال تمَّ الزواج برضاها ،فأنت لو قلت لطفلة تتزوجين فلان ،وكان فلان هذا يشتري لها اللعب والحلوى ،فستقول نعم أتزوجه ،وهي لا تدرك  معنى الزواج ،ولا تدرك أبعاد موافقتها،فالذي يتحجج بموافقة طفلة الثامنة ،أو التاسعة  على زواجها من رجل مسن يخدع نفسه،لأنَّه هو ذاته  لو جاءته هذه الطفلة كبائعة لما تملكه من عقار ،لن يوافق على إقرار البيع لأنّ بيع الصغير لا يصح ،ويطلب حضور الولي أو الوصي !فإذا كان لا يصح عقد بيع الصغير ،فكيف يصح عقد زواج طفلة بدعوى موافقتها؟ 
طبقاً للقاعدة الشرعية ” درء المفاسد مقدم على جلب المنافع” ،و قاعدة ” لا ضرر ولا ضِرار”،فإنَّ زواج الصغيرات فيه مفاسد وأضرار منها:
أنَّ التكوين الجسمي والنفسي للطفلة لا يجعلانها تتحمَّل المعاشرة الزوجية،وبعضهن أصيب نزيف حاد إثر المعاشرة الزوجية  ،كما لا يجعلناها  تتحمَّل الحمل والولادة ،وكثيرات منهن يتعرضن للإجهاض لعدم اكتمال نمو الرحم  ،ومنهن من يموت أثناء الولادة ، وتؤكد التقارير والدراسات المتعلقة بصحة النساء على أن الزواج المبكر يؤدي إلى آثار سيئة على صحة المرأة نتيجة تعرضها لكثير من المضاعفات المتعلقة بالحمل المبكر،كما يؤكد تقرير اليونسيف عام 1998م  عن حالة الأطفال والنساء في اليمن  )إلى أنّ من الظروف الشائعة  والمسببة لضعف صحة النساء والأطفال أكثر في الريف والتي تؤدي إلى ارتفاع نسبة الوفيات” ظاهرة الزواج المبكر.)
  هذا ويتعرَّض  المتزوجات في سن مبكر  لضغوط اجتماعية,ونفسية  تؤثر بشكل عام على صحتهن وبناء شخصياتهن ؛إذ لم يكتمل نضجهن النفسي ولم يكتسبن الشخصية والهوية والثقة بالنفس. وخصوصًا مرحلة المراهقة ،فما بالكم إن كانت بعد طفلة ابنة ثمان أو تسع سنوات؟؟؟
    وهناك انعكاسات سلبية للزواج المبكر على صحة الأبناء قد أكدتها الأرقام والبيانات المستمدة من دراسة أسباب الإعاقة في العالم؛ حيث تبين أنَّ الزواج المبكر وإنجاب الأمهات الصغيرات للأطفال قبل أن يكتمل نموهن ويقوى عودهن يشكل أحد أهم أسباب حدوث الإعاقات  لدى أطفال الدول النامية ،وأطفال  لمجتمع العربي،وهذا ما أكَّدته  وزارة الصحة السعودية ، فثمة  هناك آثار صحية بالغة الخطورة تجلب نتائج سلبيه على صحة الأم القاصر، وعلى أطفالها لاحقاُ،وديننا حريص على صحة النسل ،وهناك أحاديث نبوية تحث على ذلك.
و زواج الصغيرات من مسنين  سوف يسهم في زيادة نسبة أميتهن ،وسيؤدي أيضاً إلى ارتفاع نسبة الطلاق ،وسيصبح لدينا “مطلقات  وأميات صغيرات”، بل وأرامل صغيرات،سيضر بالأجيال القادمة ،فإن كانت الأم هي بذاتها تحتاج إلى تربية لعدم اكتمال تربيتها ،فكيف هي ستربي أولادها ،كما سيؤدي إلى انحرافهن إن بلغن سن النضج النفسي والجنسي عند عجز الزوج المسن عن إعطائهن حقوقهن الشرعية،وقد  يؤدي الأمر إلى قتل الزوج ،أو الانتحار.وزواج الطفلة من رجل مسن  يكون لديه عدة زوجات ،ولديه أولاد وأحفاد ربما أكبر من هذه الزوجة ،فكيف تستطيع هذه الطفلة أن تعيش في هذه الأجواء ؟؟؟ إنَّه وأد لها ،بل وأد الجاهلية للبنات أرحم من وأد القرن الخامس عشر الهجري لهن!!
       وهكذا نجد أنَّ زواج القاصرات فيه مفاسد وضرر كبيريْن  على المجتمع ،والإسلام لا يقر الضرر ولا الإضرار ؛ خاصة أنَّ معظم هذه الزيجات جاءت من أب مطلق لأم الطفلة ،والطفلة في حضانته ،ويزوجها بدون علم أمها  مقابل تسديد الزوج الكهل ما على الأب  من ديون. أي أنَّ الأب باع ابنته !!!
      من هنا أضع هذه الدراسة المتواضعة بين يدي وزارة العدل التي تدرس بشكل رسمي تحديد سن لزواج الفتيات طبقاً لما جاء في تصريح الشيخ محمد بن عبد الرحمن البابطين المدير العام لمأذوني الأنكحة في وزارة العدل لجريدة المدينة لإصدار نظام تحديد سن أدنى للزواج  يتضمن الآتي :
1. جعل سن الرشد هو(18) سنة الحد الأدنى لزواج الذكر والأنثى ،ويُعاقب مأذونو الأنكحة إن عقدوا النكاح لمن هم دون هذه السن ،مع سحب منهم تراخيص كتابة عقود الزواج ،و فسخ تلك العقود.
2. يُنزع حق الولاية من كل أب يقدم على تزويج ابنته ،وهي دون سن  (18) سنة.
3. يُشترط موافقة الأم  المطلقة على زواج ابنتها ،ولا يتم تزويج ابنتها  بدون علمها. 
4. يحبَّذ أن لا يزيد  فارق السن بين الزوجين عن ست أو ثمان سنوات.
5. أن تكون البنت في حضانة الأم ،أو أم الأم إلى أن تتزوج ،إن كانت بيئة الأم الأصلح للحضانة ،وهذا تقرره لجان نسائية ملحقة بالمحاكم مكونة من متخصصات في الشريعة والقانون وعلم النفس وعلم الاجتماع،على أن يتكفل الأب بالنفقة.


 البريد اليكتروني : suhaila_hammad@hotmail.com
………………………………………………………..
نشر في صفحة الرأي بجريدة المدينة  الخميس, 30 أبريل 2009م.
رابطالمقال http://www.al-madina.com/node/132404


Join the discussion