أنا وأدب الرسائل

أنا وأدب الرسائل

أنا وأدب الرسائل

تعريف
   هذه الزاوية مادتها قليلة جدًا ، ولكن رغم قلتها ، فأنا أعتز بها ، وحرصتُ أن أخص مدونتي بها ، لأنّها تمثّل فنًا أدبيًا كاد أن ينقرض، ورأيتُ أن يطلع أبناء وبنات هذا الجيل على هذا الفن الأدبي الراقي
، وأن يتعرّفوا من خلاله على شخصية أدبية رائدة ومتواضعة ،هي شخصية العلاّمة المفكر الإسلامي أحمد عبد الغفور عطّار الذي لم يسعفه وقته على مواصلة المكاتبة الفكرية بيني وبينه ، كما لعلّها تفيد أهل الأدب وطلابه ،وتضفي لمحات عن شخصية أديبنا الكبير أحمد عبد الغفور عطّار ــ رحمه الله ــ، ورسائل الأستاذ العطّار مكتوبة بخط يده ، وسأنشرها  ــ إن شاء الله  ــ  قريبًا  في المدوّنة ضمن رسائل ومقالات بعض الأدباء والمفكرين حول كتاباتي
تمهيد
 الأستاذ العلامة أحمد عبد الغفور  عطّار ــ رحمه الله ــ من أدبائنا ونقادنا  الإسلاميين  الرواد ،وهو ممن يقولون الحق ،ولا يخشون لومة لائم ،فهم من أكثر الأدباء جرأة في قول وكتابة الحق ،وكنتُ في حاجة إلى توجيهاته فبعثتُ  له بثلاث مؤلفات لي ،هي : المرأة بين الإفراط والتفريط ، وبناء الأسرة المسلمة ،ومن عمق الروح وصلب الفكر ،وفوجئتُ برسالة مطولة يبعثها لي ،مكتوبة بخطه الجميل ،وذكر لي أنَّ هذه الرسالة بعثها إلى جريدة المدينة  لنشرها ،ونُشرت بعنوان “ثلاث كتب قيمة للأستاذة سهيلة زين العابدين حمَّاد”، وأشاد فيها بالكتب الثلاث ،واستوقفه الإهداء الذي كتبته لأبي ـ رحمه الله ـ على كتاب المرأة بين الإفراط والتفريط، ورددتُ عليه برسالة، نُشرت في ملحق الأربعاء 
 وكتب في هذه الرسالة قائلاً : 
( ابنتي العزيزة الكاتبة المجيدة الأستاذة سهيلة زين العابدين حمَّاد  ـ حرسها الله.
   سلام الله عليك ورحمته وبركاته، وبعد :
    فقد تسلمتُ مؤلفاتك الثلاثة اللاتي طبعتهن الدَّار السعودية للنشر والتوزيع طباعة حسنة ،وهن : 
الأول : المرأة بين الإفراط والتفريط.
الثاني: بناء الأسرة المسلمة.
الثالث: من عمق الروح وصلب الفكر.
وشكر الله لك ما أهديت ،وأعزَّ قلمك ،ونفع بدينك وعلمك وأدبك ،ووفقك للمزيد من الخير .
وقلمك ليس بجديد عليَّ ،فقد كنتُ أحرص على قراءة ما كنتِ تكتبين بجريدة “المدينة المنورة” ،ثُمَّ انقطعت عن نشر ما تكتبين فيها ،فلما وصلتني مؤلفاتك الثلاثة بدأتُ بكتابك العظيم ” المرأة بين الإفراط والتفريط ” صدرت فيه عن الإسلام الحق.
 وتشهد لك مؤلفاتك بأنَّك المسلمة المؤمنة الصادقة في إسلامها وإيمانها ،المنزهة من الاعوجاج ،المتمسكة بشرع الله ،تحرمين ما حرم ،وتحلين ما أحل ،فرأيتِ بعين الحق أنَّ تعدد الزوجات حلال ،وحق لأنَّ الله الذي هو أعلم من عباده بصالحهم أحل التعدد.
 هذا ما رأيتُ في كتابك الآخر المسمى “بناء الأسرة المسلمة ” ،وهو الحق الذي يثيبك من أرضيته بتمسكك بما شرع.
ولعلك يا ابنتي تذكرين تلك الكاتبة التي نشرت منذ عدة سنوات مقالاً كريهاً ،استكبرت على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ،عندما قال الشيطان بقلمها :وقال بعضهم :الرجال قوامون على النساء ،وقال بعضهم “النساء ناقصات عقل ودين” ،وهذا كفر بشع أرجو أن تكون قد استغفرت ،وتابت إلى الله ،وإنِّي يا ابنتي ـ لسعيد بمؤلفاتك التي وقفتني على آرائك التي أنشأها الإسلام ،ورعاها وتعدها حتى أكلها خيراً لك ،ولكل من يقرأ ما تكتبين من ذكر وأنثى.
وأحب أن تعلمي يا ابنتي الفاضلة أنَّنا سواء في المعتقد والدعوة والسلوك ،وما أكاد أرى أي بنت من بنات بلادي في مثل عقلك وعلمك وأدبك وسلوكك إلاَّ وشعرتُ براحة وسرور شعوراً بنجاح بنيتي واستقامتها وصلاحها. وعندي بنات مثلك ـ والحمد لله ـ في الخلائق والمكرمات ) إلى أن يقول : 
(  أمَّا أنت ومثيلاتك من الصالحات فتريْن في كل أمر أحله الله ،ا, فرضه أو حرَّمه الخير كله ،فالتعدد خير كله ،وكمال في شرعة الإسلام ،لأنَّه لو أغفله لكان ذلك نقصاً فيه ، ،ومعاذ الله أن يكون في دين الحق نقص بعد أن جعله خاتم الأديان جميعها ،كما جعل رسول الإسلام خاتم رسله عليهم جميعاً الصلاة والسلام.
فأنت أيتها الصالحة ـ نظرت إلى التعدد ،وغيره بعين الإسلام فوفقت في كل بحث بحثته في مؤلفاتك الثلاثة كل التوفيق .وأرجو لك ولمثيلاتك المزيد منه .
 وإنَّ كلمة إهدائك كتابك الأول إلى أبيك المعروف بخلقه وفضله ،وعلمه ،وصلاحه أثَّرت فيَّ أعظم التأثير ،وإنَّه لجدير من ابنته العالمة الفاضلة الصالحة بالثناء الجم المستطاب تلقاء ما عمل من الخير ،ويكفي أن تكون المؤلفة ثمرة تربية هذا الأب الصالح ،وتعهده إياها حتى كانت الكاتبة الصالحة التي في الفقرة الأولى من المقدمة:
 أبي الحبيب الغالي :
  إنَّ كل كلمة أقرأها ،وأكتبها تذكرني بك ـ تذكرني بك أنت معنا ،أنا وأختي في غرفة الفندق التي اعتدنا الإقامة فيه أثناء فترات الامتحانات في جامعة الرياض .تذكرني بذهابك في شمس صيف الرياض المحرقة لتأخذ المذكرات من أحد الطلبة المنتظمين لتصورها في أحد الأستديوهات ،لأنَّها من وقتنا الذي كنتُ حريصاً على كل دقيقة فيه ،ذاك الحرص الذي جعلك تبقى تنتظر عند باب قاعة الامتحان ما يقارب الأربع ساعات لا تفارق بابها منذ دخولنا إليها حتى لحظة خروجنا منها ،وماكنا نخرج من القاعة إلاَّ ونجدك أمامنا تسألنا كيف كان الامتحان؟
تذكرني بك وأنت تجوب مطاعم الرياض لتحضر لنا أشهى أنواع الطعام لأنَّ طعام الفندق الذي نقيم فيه لا تقبل عليه نفسانا …تذكرني بكل الآلام والمتاعب التي سببتها لك عند مرافقتك لي في فترات امتحانات الجامعة.
وختمت كلمة الإهداء بقولها : لقد واظبت على تلاوة القرآن الكريم أناء الليل وأطراف النهار ،فلا زالت أصداء صوتك تترد في مسمعي ،وأنت تتلو القرآن ،بل لازالت صورتك عالقة في ذهني ،وأنت تشير علينا بالسكون إذا ما أراد أحدنا التحدث إليك لأنَّك دائماً في لحظات صمتك الطويل ،وانفرادك بنفسك تردد في سرك بعض آيات القرآن خشية النسيان ،فإذا ما فرغت من التلاوة أشرت إلينا ببدء الحديث ،بل أكثر من هذا وذاك صورتك وأنت على فراش الموت ،ولسانك لا يفتأ من السؤال عن مواقيت الصلاة لتؤديها في أوقاتها .. وفي الوقت ذاته لم تتوقف عن تلاوة القرآن حتى في لحظات غيبوبتك إلى أن فارقت الحياة التي زهدتها بعد أن أدَّيت رسالتك فيها فطوبى لك يا قرة عيني ومهجة قلبي.)
ويعقب الأستاذ العطار ـ رحمه الله ـ قائلاً :
( وإنَّك لتذكرينني بحديث الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم: ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث صدقة جارية ،أو علم ينتفع به ،أ, ولد صالح يدعو له”
وأنت  ـ إن شاء الله ـ الولد الصالح الذي ورثت منه علمه الصالح المنتفع به ،حيث أخذت في نشره ليكون النفع به على  نطاق واسع ,ولك التحية والشكر على هديتك الغالية ،كما لك مني الدعاء بأن ينفع بعلمك وخلقك ودعوتك.
وقبل أن اختم رسالتي هذه أقول لك : إنَّك تحسنين فن القول إحساناً ،فما فيه فضول ،وإنَّما هو لباب كله ،تحسنين عرض ما لديك من أفكار في أسلوب عربي مشرق ،وأحسنت اختيار الموضوعات التي كتبت فيها متخذة الحق سبيلك ،متجردة عن الهوى الذي وقع فيه بعض من يكتبن في صحفنا .
 وإنِّي لأرجو لك في عالم الفكر والقلم مستقبلاً مجيداً خيراً من حاضرك الزاهر بمشيئة الله.)
 [ نُشرت هذه الرسالة في جريدة المدينة :العدد 6492 ،الجمعة 20 ربيع الثاني1405هـ .

وكانت هذه الرسالة مفاجئة لي ،كم أسعدتني ،وحمَّلتني مسؤولية أكبر تجاه رسالة الكلمة ،ورددتُ عليه برسالة نُشرت في ملحق الأربعاء ، العدد (100) ،الصادر في 1651405هـ.









                              

Join the discussion