حوار مجلة الوطن العربي حول أثر الحداثة على الأدب السعودي (5- 5)

حوار مجلة الوطن العربي حول أثر الحداثة على الأدب السعودي (5- 5)

حوار الأستاذ محمد بركات معي لمجلة الوطن العربي (5- 5)
حول أثر الحداثة على الأدب السعودي
الحلقة الخامسة والأخيرة
   هــذه هي الحـلقة الخـامســة -والأخيرة- من هذا الحوار الثري مع الأديبة السعودية سهيلة زين العابدين حماد.

وهذه الكاتبة تملأ الساحة الأدبية والفكرية في المملكة العربية السعودية والخليج بكتبها ومؤلفاتها ومعاركها منذ سنوات ..وتمثل سهيلة بنشأتها وتربيتها وعلمها ودينها نموذجاً رفيعاً للمرأة العربية المسلمة بحق. فهي لم تدع قضية من قضايا الأمة لم تكتب فيها، ولم تدع كاتباً أو مفكراً أو شاعراً يمس العقيدة إلا وتصدت له. وكتبها ضد توفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس، ودراساتها ضد شعراء وكتاب الحداثة ابتداءً من أدونيس حتى عبدالله الغذامى تملأ الصحف والمجلات .. ولهذا كانت أول أديبة سعودية يتم تكريمها في المملكة العربية السعودية.
وفي “الحلقة الأولى” من هذا الحوار التي نشرناها تحدثت سهيلة زين العابدين عن مفهومها للأدب الإسلامي والنظرية الإسلامية في النقد الأدبي التي ساهمت في إبداعها، ثم وضعتها موضع التطبيق في دراساتها عن عشرات الكتاب والأدباء والباحثين.
وقد عرفت الأدب الإسلامي فقالت إنه التعبير الفني عما يحس به الأديب تجاه الله والإنسان والكون والحياة بما يوافق نظرة الإسلام. 
ومن خلال هذا التعريف البسيط يمكن أن نعرف خصائص الأدب الإسلامي وملامحه والتي تتلخص في الإيمان والسمو والشمولية والجمال. 
 وكما يحدد لنا هذا التعريف أهم خصائص الأدب فهو يحدد لنا أسس تقويمه ونقده، بحيث يكون معيار هذا التقييم هو التصور الإسلامي لله والإنسان والكون والحياة. فما يوافق هذا التصور يعد إسلامياً، وما يخالفه لا يدخل في نطاق هذا الأدب.
وقد وضعت سهيلة زين العابدين هذه النظرية الإسلامية في النقد الأدبي موضع التطبيق في دراسة لفكر توفيق الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي، وهى الدراسة التي جاءت في 750 صفحة، وانتهت فيها إلى أن توفيق الحكيم يطعن الإسلام باسم الإسلام، لأن أعماله كلها، حتى الدينية والإسلامية منها، لم تأت من خلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، بل خضع فيها توفيق الحكيم لتأثيرات ثقافته الغربية ومصادرها الوثنية.
  وفي “الحلقة الثانية” التي نشرناها، أخضعت سهيلة مجموعة أخرى من كبار الكتاب والمبدعين المصريين لنفس النظرية الأدبية في النقد الإسلامي، وهؤلاء هم: طه حسين، ونجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف إدريس، ونوال السعداوي، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل. وقد وجدت أن هؤلاء جميعاً لا يصدرون في أدبهم وفنهم وفكرهم عن التصور الإسلامي، بل عن تأثيرات غربية تتفاوت بين مدارس الاستشراق، ومناهج الشك الديكارتي، وتنتهي عند العبثية والفرويدية والوجودية الملحدة.
وفى “الحلقة الثالثة” التي نشرناها أخضعت سهيلة زين العابدين مجموعة من أدباء وشعراء سورية ولبنان والعراق لنفس النظرية الإسلامية في النقد الأدبي، وهؤلاء هم: أدونيس، ونزار قباني، وعبدالوهاب البياتي. وقد حللت شعر ونثر أدونيس تحليلاً ضافياً تحت مجهر التصور الإسلامي ووجدت أنه يصدر في كل ما يكتبه عن العقيدة النصيرية التي يؤمن بها الحزب القومي السوري الذى ينتمي إليه،          وأنّ نظرة أدونيس للحياة تتلخص في أربع كلمات هي. الحب، والجنس، والرفض، والموت. كما حللت شعر نزار قباني ووجدته بكامله يجمع بين الإباحية والإلحاد، فالإباحية تدفعه إلى أن يجعل من الجنس ديناً، والإلحاد في شعره يكاد يختفى فلا يظهر إلا للمتخصصين ومن خلال التحليل الدقيق. ثم قامت بوضع أشعار عبدالوهاب البياتي تحت مجهر التصور الإسلامي،  ووجدت أنّ هذا الشاعر قد عاش حياته كلها مؤمناً بالماركسية الشيوعية الملحدة. وهو لم يخف هذا، بل جاء في كل إبداعه معبراً عن فكره الاشتراكي الذى لا يؤمن بالأديان.
وعند هذا الجزء من الحوار كانت الأديبة السعودية سهيلة زين العابدين قد وضعت أدباء مصر الكبار، وشعراء سورية ولبنان والعراق تحت مجهر التصور الإسلامي وقالت فيهم رأياً لا يخلو من جرأة وابتكار. وسألتها عما إذا كان إسهامها النقدي قد اقتصر على كل الأدباء والشعراء غير السعوديين، فقالت: بل وضعت الجميع تحت نفس المجهر، ودخلت معارك نقدية ضارية ضد رموز الحداثة في المملكة العربية السعودية: عبد الله الغذامي، ومحمد العلى، ومحمد جبر الحربى، ومحمد الثبيتي، وعبده الخال، ورجاء عالم، وفوزية أبوخالد، ونجاة عمر.
وفى “الحلقة الرابعة” التي نشرناها، قامت سهيلة زين العابدين بتقييم شامل لأحد أكبر الرموز الثقافية في المملكة في ميدان الفكر والنقد الأدبي والثقافي وهو الدكتور عبد الله الغذامي الذى تبني تيار الحداثة في السعودية والخليج، وسار خلفه كل أدباء وشعراء وقصاص  ونقاد المملكة، ولهذا اسمته بأنه كبيرهم الذى علمهم السحر.
وفي هذه الحلقة تعرضت سهيلة باستفاضة لكتابي الدكتور الغذامي الهامين وهما: “الخطيئة والتكفير” و “المرأة واللغة”، وأثبتت أخطاءه الفكرية والعقيدية.
قلت لها: الآن وقد انتهينا من الغذامي، فماذا عن مريديه في السعودية .. ماذا عن محمد جبر الحربى، ومحمد العلى، ومحمد الثبيتي، وعبده الخال، ثم ماذا عن الأديبات السعوديات: فوزية أبو خالد، ونجاة عمر، ورجاء عالم؟ 

– قالت سهيلة زين العابدين: هؤلاء هم رموز الحداثة والبنـيوية والتفكيك ممــن زاغت أبصـارهم فكتبوا أدباً – شعراً وقصة-يزيغ عن العقيدة، ولا يصمد للنقد إذا ما وضعناه تحت مجهر التصور الإسلامي. 
فهذا هو الشاعر السعودي محمد جبر الحربى يقول في قصيده له بعنوان “المفردات”: 
“رأيت المدينة فانية 
أحمر كان وجه النبوءة 
منسكباً أحمر.. كانت أشعتها 
أرضنا البيد غارقة.. طوف الليل أرجاءها 
وكساها بعسجده الهاشمى 
فدانت لعاداته معبداً” 
   ويقول الشيخ عوض القرني عن هذه القصيدة في دراسته المهمة عن “الحداثة في ميزان الإسلام” إنها مليئة بالثورة والتبرم من كل شيء، وفيها غمز ولمز في حق النبي -صلى الله عليه وسلم – وفى القرآن الكريم. 
وهنا يتساءل الشيخ القرني: لماذا أرضنا بيداء قاحلة لا نبات فيها ولا ماء وما الذى أغرقها. ومن هو الهاشمي الذى كساها بعسجده فدانت له ولعاداته معبداً، وحولها إلى أرض قاحلة غارقة في الظلام. 
أيقال هذا الكلام في محمد – صلى الله عليه وسلم – الذى شرفت به هذه البلاد، بل أكرمت به البشرية. وهل كان صلى الله عليه وسلم مبلغاً عن ربه سبحانه وتعالى أم أنها عاداته أكرم الناس بها حتى تحولت البلاد إلى معبد لعاداته تلك فأصبحت بيداء غارقة. إنّني أتحدى الحربى أن يخرج لنا هاشمياً يمكن أن يقال إن عاداته أصبحت عبادة للناس غير محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم يقول نفس الشاعر في قصيدته ذاتها مسيئاً إلى الإسلام ومكانة المرأة فيه، معتبراً سورة المسد التي نزلت في زوجة أبى لهب امتهاناً لكرامة المرأة .. يقول الحربي:
” في نظرة المرأة السلعة متسع 
والنساء سواسية 
منذ وحتى ظهور القناع 
تشترى لتباع وتباع 
وثانية تشترى لتباع” 
والقناع هنا هو الحجاب بالطبع
 فماذا عن الشاعر السعودي الثاني محمد العلي؟ 
إنّ محمد العلى تجرأ على الله وعلى الأنبياء وعلى الأحاديث النبوية الشريفة .. اسمعه يقول في قصيدة الأرض المبهمة: 
” أصنع للطير منطقاً 
وأهب الحياة لمن أشاء 
وأهب الموت لمن أشاء ” 

أي أنه هنا وبمنتهى الصراحة والوضوح قد جعل من نفسه إلهاً، فالله وحده هو الذى يصنع للطير منطقاً، ويهب الحياة والموت لمن يشاء.
 ثم هو يسخر من الحديث النبوي الشريف، ويسخر من روايته وسنده .. يقول محمد العلى: “حدثنا الشيخ عن صالح بن عبد الحي، عن سيد بن درويش، عن أبيه، عن جده قال: يأتي على هذه البلاد زمان إذا رأيتم فيه أن الفن أصبح جثة هامدة فلا تلوموه ولا تعزلوا أهله بل لوموا أنفسكم .. قالها وهو ينتحب فتغمده الله برحمته وغفر له ذنوبه”. 

إنّ هناك شاعراً سعودياً حداثياً آخر لعله يقول ما هو أشد من هذا هو محمد الثبيتي؟ 
– نعم .. فهو يقول في قصيدة له بعنوان ” تغريبة التداخل والمطر”: يدعو كاهن الحي فيقول: 
” أيا كاهن الحي 

إنا سلكنا الغمام 
وسالت بنا الأرض وإن طرقنا النوي 
ووقفنا بسابع أبوابها خاشعين 
علينا هزيع من الليل والوطن المنتظر 

شدنا في ساعديك .. واحفظ العمر لديك
 هب لنا نور الضحي وأعرنا مقلتيك 
واطو أحلام الثري تحت أقدام السليك 

نارك الملقاة في صحونا حنت إليك 
ودمانا قد جرت كوثراً من كاحليك 
لم تهن يوماً وما قبلت إلا يديك 
سلام عليك ” 

وهذه القصيدة في رأيي هي عودة إلى الوثنية، فهنا الكاهن في المعبد، والنار توقد، والقرابين تقدم، والكاهن يدعو، وكلها مفردات وثنية، فليس في الإسلام كاهن ولا معبد ولا نار ولا قرابين، ولا يجوز الدعاء لغير الله. 
  هؤلاء ثلاثة شعراء حداثيون من شعراء المملكة.. فماذا عن قصاصيها الحداثيين أيضاً مثل عبده الخال؟ 
إن عبده الخال يعود في قصصه إلى الأساطير وما تحمله من معتقدات وثنية، فهذه مثلاً أسطورة كتبها هذا القاص في قصة له اسماها ” انفجار بحار مسكون بالخوف” وذلك ضمن مجموعته القصصية “حوار على بداية الأرض” يقول فيها:
” وتقول الأخبار في سير ابن الشامي بأن مزارعاً حنث بقسمه، فقد أقسم ألا يطأطئ هامته لشجرة القرية فلازمته النكبات حتى ندى، فحمل قربانه واتجه صوب الشجرة فرأى من أمره عجباً، أبصر أم الدود تنبش وتحرث شعره الأبيض فيفور رأسها حتى تحترق ثم تستوفى الأفق، تلتصق بالشجرة، تتنفس فيها خمساً، تبرز منها أسهم في رؤوس من نار، وتنمو في الأرض الخراب، تماثيل في صور أهل القرية، تتحرك حتى تصل فيئ الشجرة، وما تكاد الجبال تنحني، حتى تصاب بشواظ من نار، تبصق أم الدود، فتنغلق الأرض، ويتصاعد دخان كثيف، فينبثق رجل قمئ، يده لوح أسد، تأمره أن يلقى بالتماثيل فى البحر فيلبي”. 
ومثل هذه الكتابة الغارقة في الوثنية لا تحتاج إلى تعليق بل أترك القارئ لكى يعلق هو عليها. 

هؤلاء هم الأدباء .. فماذا عن الأديبات السعوديات، سواء كن شاعرات أم قاصات، وهن لسن أقل صوتاً أو تأثيراً..  بمن تحبين أن نبدأ؟ 

نبدأ بالشاعرة الحداثية فوزية أبو خالد التي سئلت يوماً عن غياب صوتها الشعرى فقالت للسائل وكأنها تعيش في مجتمع وثني إباحي.. 

– “في البداية سوف أختلف معك، فسؤالك ليس سؤالاً تقليدياً ولكنه سؤال طبيعي في مناخ يخاف مواجهة الطبيعة ويحتمى منها بالقرابين، ونذر الصبايا، وتعاويذ الكهنة، إنه سؤال كتجريب الأطفال تحت بيت الدرج أو على السطوح لاكتشاف سر همهمة الليل السابعة والود المفاجئ بين الكبار بعد كل سباب النهار”. 
هذا هو نص كلماتها، وهنا أسأل: هل يوجد في مجتمعنا كهنة، وهل يوجد من يقدم القرابين في أرض الإسلام ومهده ومهبط الوحي. وهل يوجد في مجتمعنا أطفال يمارسون الجنس تحت بيت الدرج أو على أسطح المنازل؟ 

أية امرأة هذه التي تتحدث بهذه الصورة وقد خلعت ثوب الحياء والإيمان، والحياء شعبة من الإيمان. 

فماذا في شعرها ؟ 
  إنّها معروفة جداً بشعرها الحداثي في منطقة الخليج، إذ مثلتنا فى بعض المهرجانات الشعرية، كما أقامت أمسية شعرية في نادى جدة الأدبي متحدية رفض جامعة الملك سعود مشاركتها في هذه الأمسية. تقول هذه الشاعرة في قصيدة لها سمتها ” لن يسرقوا الله من وجهك”. 
” أحببتك الله يبني في عرشه أعشاشاً لزغاليل الحمام
 حتى يهتز العرش شجرة سدرية تأوي إليها الطيور الضائعة 
أحببتك الله يقاسم الفتيات ابتسامتهن البيضاء 
ولا يترك ابنة الجيران ترقص وحدها 
أحببتك الله 
يلعب مع الأطفال الكرة 
ويتزلج على الجليد والمياه البحرية 
أحببتك الله 
يغضب في عيون الشباب 
يشنق بضفائر الفتيات ويناغي في رحم الحوامل 
أحببتك الله شلالات في شعري تلملمه شفتاك 
براكين في دمي يفجرها بوحك دون أن تتكلم 

أحببتك الله في كأس الشاي عندما نرشف منه معاً 

وعندما كان جسدك وجسدي شفتين في عوال فجيع 
عطش النخلة إلى الشواطئ المالحة 
خريطة أرضعتها الشمس ألبانها العلية 
أحببتك الله في عشقك وغضبك وحزنك .. مشينا معاً 
أنا تحت الشمس التي جبلتنا معاً. أنت تحت أمطار البلاد 
الضبابية التي رحلت إليها. 
ركضنا معاً، أنا إلى أوجاع فجيعتي في عيون عذراى بلادي في العيون الليلية. 
عشقتك أكثر .. اعتنقتك أكثر .. بل أهاجر إليك .. فالحزن فى عيونك.. في جراحي. 
ولكني كنت في لحظات العشق الغنائية. 
أخاف عليك غضبك .. أخاف عليك مكرك.. 
أخاف عليك زلاتك السماوية.. أخاف.. أخاف من لحظة أحبك فيها أكثر من مساحة حرقة الشمس في  خريطة بلادي”
   والسؤال هنا -وبعد هذا النص الطويل- هو: أليس هذا كفراً وإلحاداً وإباحية. فهل الله يبنى في عرشه أعشاشاً لزغاليل الحمام إلى أن يهتز العرش عند سدرة المنتهى .. وهل الله لا يترك ابنة الجيران ترقص وحدها .. وهل الله يناغى في رحم الحوامل ” تعالى الله عما يصفون” وهل الشمس هي التي خلقتنا أم الله جل شأنه، وهل يحلف بغير الله، ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك كما يقول الحديث الشريف. ثم، من هذه الشاعرة التي جعلت من رجلها إلهاً وجعلت للإله زلات. ثم ما هذا الشطر من البيت ” وعندما كان جسدك وجسدي شفتين عوال فجيع” أليست هذه الكلمات تقطر جنساً. أمثل هذه الشاعرة هي التي تقيم الأمسيات الشعرية لأمهاتنا وبناتنا.. كيف هذا ؟ 

الغريب أننا نقرأ لهذه الشاعرة باستمرار في صفحة ” أصداء الكلمة “بجريدة” عكاظ”.. فماذا تقول في هذه الصفحة ؟ 
إنّها تقول في قصيدة لها: 
” في صدري مصحف وزوجي مجلى وأنّها آمنت بمخابئ الخمور، خرجت بزوجها كتاباً سماوياً في صدرها” أي أنّها تشبه كلام زوجها بكلام الله. 
وتقول أيضاً: ” عندما عدتك يوم مرضك، وكنت قصيدة يحبسها الحاكم، آمنت بمذكرات نهرو”. 
أما في قصيدتها “اغتيال هديل الحمام” فهي تدعو إلى تعطيل الجهاد، وبثكل الأم عندما يجند ابنها في الجيش، فتقول: 
“يعز غيابك في .. إنّه كفرار الحليب من صدر الأم يوم تثكل في طفلها الذى ألحق بالجيش لأنه بلغ العشرين”. 
وليس لنا من تعليق إلا أن نسأل: أمثل هذه الشاعرة تسكت عنها الأقلام ولا تنبه إلى خطورة فكرها ؟ 
ماذا عن كاتبة سعودية أخرى لا تقل شهرة هي نجاة عمر، التي تُسمي بنجمة الأربعاء ؟ 

   إنّ هذه الكاتبة ترتد بكتاباتها إلى الوثنية، واقرأ معي كلاماً كتبته ونشرته فعلاً في أوسع الصحف السعودية تحت عنوان:” بندورا مصلوبة على لسان سيزيف..” تقول فيه:
” على مائدة التعريف تصلب بندورا على لسان سيزيف، أيها البطل سيزيف، يا محكوماً إلى الأبد بي، ومحكومة أنا بتصعيدك إلى فوق، ومحكوم أنت بالهبوط إلى تحت، وعلى كتفك أثقل حجر من الحب سواء لي، سواء شئته أنت، أم تركت المشيئة لي. فشكراً لآلهة الإغريق الذين أنجبوا بطلاً كسيزيف، شكراً لحجر المقاومة العنيد، وللجبل العظيم، وشكراً أيضاً للمسافة المحكومة بالطبيعة والتجديد، فيا أيتها الحواء بندورا، يا قدراً انتصب كالموت أمام سيزيف وأكدته الطبيعة بالتزاوج، مهما حملوا صندوقك من أعاجيب فشكراً لآلهة الإغريق الذين أتاحوا لبندورا الحفاظ على الأمل”. 
   ماذا نجد في هذا النص إذا قومناه من المنظور الإسلامي ؟ 
  إنّ هذا النص يحتوي على الإلحاد والوثنية في وقت واحد، ويبدو هذا في الآتي: 
أولاً: إنّه مجد آلهة الإغريق وهذه دعوة إلى الوثنية. 
ثانياً: اعتبر الطبيعة هي التي تتحكم في مصائر الناس وفى تزاوجهم، وهذا ما يؤمن به الشيوعيون والماديون الملحدون. 
ثالثاً: استخدمت الكاتبة العبارات المسيحية، مثل كلمة الصلب، وهذه من سمات الحداثيين ؛ إذ يكثر في أدبهم استخدام العبارات المسيحية الكهنوتية.
في ظني أنّ هناك عدداً من كاتبات القصة السعوديات ممن يؤمن بالحداثة مذهباً في الفن، قد ملأن الساحة السعودية والخليجية بإبداعهن القصصي، وقد أذكر منهن: فوزية الجار الله، ورقية الشبيب، ورجاء عالم.. فماذا تقولين في هؤلاء؟ 

  – عند تتبعنا للقصة السعودية منذ الثمانينات من هذا القرن، وبالتحديد منذ وفود التيار الحداثي إلى المملكة العربية السعودية نجد أنّ الجيل الذى ظهر في هذه الفترة معظمه قد تأثر إلى حد كبير فى موضوعاته وأساليبه ومناهجه بالتيار الحداثي، وبكل ما حمله هذا التيار من أساليب تعبيرية غامضة وركيكة، ومذاهب غربية كالرمزية والوجودية والسريالية، والكلاسيكية الغارقة في الوثنية الإغريقية، والرومانسية القائمة على المسيحية، وكذلك إحياء معتقدات الفرق الباطنية، كالقرمطية والنصيرية والصوفية الملحدة وكلها تستمد عقائدها من البوذية والهندوسية والمجوسية والغنوصية المسيحية واليهودية. 
وعند ولوجنا للعالم القصصي للقاصات السعوديات الحداثيات نجد أن بعضهن غرق في عالم اللا وعى كما في مجموعة فوزية الجار الله ” وفى البدء كان الرحيل” بينما نجد مجموعة رقية الشبيب “الحزن الرمادي” مليئة بالإحباط والتعاسة والفشل والهزيمة الداخلية. أمّا رجاء عالم فإن عالمها القصصي يمثل عقائد الهندوسيين والبوذيين والمجوس إذ يبدو أنها قرأت كتبهم ونسجت قصصها على منوال عقائدهم وهذا ليس تجنياً منى عليها ولكنه من منطلق دراسي لها ولنقرأ معاً قصتها “الأصلة” أو بعض العبارات منها فهي تقول فيها على لسان بطلة القصة “فاطمة المكية”. 
الكل يعرفونني باسم (فاطمة المكية) والحقيقة التي أحسنت إخفاءها طوال سنوات وجودي الإحدى عشرة هي أنّني لم أولد في مكة وإنما ولدت سنة 500هـ الموافق 1061م في وادى آش قرب غرناطة، والمتبحر في التواريخ كان سيدرك أن هذا التاريخ يطابق تاريخ ولادة أبى بكر محمد بن عبدالملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي المعروف اختصاراً بابن طفيل، وهذا التوافق في الولادة ليس بصدفة، ذلك لأنّنا- أنا وهو- قرينان ولدنا من برزخ واحد، وكنت ألازمه عندما اشتغل بمداواة الناس، ثم كحاجب في غرناطة، أي كوزير، ثم بعثني في أمه الغزالة أثناء تجسيدنا لحى بن يقظان. وسمانى البخار الذى إليه يكون انبعاث الأحياء، والذي بارتحاله يصير الجسد خسيسًا ولا يزيد عن العصى التي اتخذها لقتال الوحوش، ونظراً لتجاربي وترقي في عل .
وهذه النصوص قبل عرضها تحت مجهر التصور الإسلامي، نجدها صوتا واضحا على مجموعة من العقائد الهندوسية ومنها :
تناسخ الأرواح: فهم يؤمنون بأن الإنسان إذا مات يفني منه الجسد وتنطلق منه الروح لتحل في جسد آخر بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى، وتبدأ الروح بذلك دورة جديدة، وهذه العقيدة شائعة أيضًا لدي البوذيين والفرس المزدوكيين وفلاسفة الإغريق، وقد تأثرت بها بعض الفرق الباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، والبهائية وغيرها. 
1- وحدة الوجود: فهم يعتقدون أنّ الإنسان يستطيع خلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة وتطهير النفس هي عين القوة الخالقة، والروح كالآلهة أزلية سرمدية مستمرة، غير مخلوقة، وهذا الكون كله ليس إلا ظهورا للوجود الحقيقي والروح الإنسانية جزء من الروح العليا، وقد أخذت مدرسة محيى الدين بن عربي من وحدة الوجود مذهبا ومعتقدا، وابن عربي من الصوفية الملاحدة وعقيدتهم تقوم على أن الله في كل شيء، وهو كل شيء وليس من شيء في الكون على هذا إلا ويستحق التقديس والإجلال. 
وقصة “الأصلة” لرجاء عالم حوت على هذين المعتقدين، فروح ابن طفيل انتقلت إلى حي بن يقظان، والفاطمة المكية. وقبل حلولها فى جسد فاطمة المكية تشردت هذه الروح على غير هدي، وأن هذه الروح سرمدية وملكت قدرة التناهي والتنقل بين الأزمان والأجسام. 

فماذا نجد في هذه القصة عند وضعها تحت مجهر التصور الإسلامي؟ 
نجد الآتي : 

1- أنّها خالفت التصور الإسلامي للروح، فالروح لا يعلمها إلا الله لأنّ العلم بها سر الوجود المطلق، ولا قدرة للعقل البشرى المحدود على الإطاحة به ووعيه، لذا عندما سألت قريش الرسول عليه الصلاة والسلام عن الروح بإيعاز من يهود يثرب رد الله بقوله تعالى: “ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”، ولو أراد الله أن يحيط رسوله الكريم بعلم الروح لأحاطه به، ولكنه استأثر بهذا العلم، فمن هي رجاء عالم حتى تأتى وتخوض في علم الروح، وتقول ما تقول عنها.. إنها تحدت قدرة الله واخترقت جسد وليدة فاضت روحها وماتت وجاءت روح بن طفيل وحلت في هذا الجسد. 

2-جعلت الإنسان يبعث الروح في الإنسان والحيوان عند قولها: ” ثم بعثني في أمه الغزالة أثناء تجسيدنا لحى بن يقظان ” وهنا نجدها تقول بتناسخ الأرواح من الإنسان إلى الحيوان كما تقول النصيرية ، ومن قبل قالت بانتقال روح بن طفيل إلى فاطمة المكية وأن هذه الروح تنقلت بين الأحياء والرموز، وعقيدة التناسخ تخالف التصور الإسلامي، فالله غير عاجز عن خلق روح لكل جسد وتناسخ الأرواح يسقط الجزاء والحساب، إذ كيف تحاسب الروح وقد انتقلت من جسد إلى آخر، وقد تنتقل إلى الحيوان، حسبما يعتقد هؤلاء المنحرفون في الفكر. والله جل شأنه يقول: “كل نفس ذائقة الموت”، ويقول سبحانه وتعالى: “وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا”. 
3-نلاحظ أن رجاء عالم تدرجت فى تناسخ الأرواح تدرج النصيرية، فالتناسخ عند النصيرية يطلقون عليه “التكنيس” وهو يتخذ دورات سباعية فيضية وفيها هبطت الأرواح من عالم الأزل النوراني إلى الأرض في مراتب متعاقبة هي الفسخ والنسخ إلى أن تصل إلى القشاش أو صورة تحول صاعد باتجاه التطهير الروحاني والعودة من عالم البشرية إلى عالم الكواكب والنجوم، وهذه هي الدورة التي عبرت عنها رجاء عالم بالأجسام النورانية، وبامتلاكها قدرة التناهي والتنقل في الأزمان والأجسام ونقلت لقرينها حقيقة أن للنجوم نفوسا.
2- لقد تجاوزت رجاء عالم الحدود عندما زعمت أن ابن طفيل خلق حي بن يقظان بقبضة من طين ثم بعث في هذه القبضة الطينية الروح، أي أنها جعلت من ابن طفيل إلها يخلق البشر كما خلق الله آدم عليه السلام، وهذا في الحقيقة كفر ما بعده كفر، فالله جل شأنه هو الخالق ولا خالق سواه، وآدم عليه السلام هو الذى خلقه الله بهذه الكيفية، وآدم أبو البشر، وعيسى عليه السلام هو الوحيد الذى خلقه الله بمثل ما خلق آدم يقول تعالى: “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون”. 
3- خالفت التصور الإسلامي حينما جعلت من شخصية حي بن يقظان إلها يُسجد له وتخضع له جميع القوى وسُخرت لكماله. 
4- تزعم أن هذه الروح التي اتصلت بالأجسام النورانية قد رأت الجنة. 
هذا بعض ما حملته هذه القصة من إضلال وتضليل، وهذا نموذج للأدب الحداثي الذى يرى البعض أنني أنظر إلى الحداثة في المملكة نظرة تشاؤمية وأنها ليست بالسوء الذى أراه.. فهل يوجد إلحاد أكثر مما نجده في هذه القصة ؟ 
  وممّا يزيد الأمر خطورة أن هذه القصة نشرتها في العام الماضي جريدة “الأهرام” في أحد ملاحقها الأسبوعية، وفوجئت هذا العام بوجودها ضمن قصص مختارة لمكتبة الأسرة في مهرجان القراءة للجميع، وقد أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهذا يعنى أن هذه القصة قد دخلت البيوت المصرية بكل ما تحمله من عقيدة هندوسية بوذية تخالف عقيدتنا الإسلامية، وهذا هو سبب تركيزي على هذه القصة للتنبيه إلى خطورتها، ولست أدرى كيف يتم الترويج لهذه القصة بالذات وهي تحمل عقيدة تناسخ الأرواح؟ 

ترى مسؤولية من هذه ؟ 
  أمّا عن النواحي الفنية والجمالية في القصة فهي متلاشية لما تحمله القصة من انحراف عقدي  لأنّ النواحي الجمالية والفنية لا تكون إلا من خلال جمال المضمون وجودته وهذا مفتقد في القصة؛ إذ ما قيمة أن تقدم السم مغلفا في ورق من سوليفان ؟ 
  كان حوارى مع الأديبة السعودية سهيلة زين العابدين حول النظرية الإسلامية في النقد الأدبي، وتطبيقها على مجموعة من أكبر الكُتّاب في مصر ولبنان وسورية والعراق والسعودية، بوضع أعمالهم تحت مجهر التصور الإسلامي .. كان هذا الحوار قد امتد في الزمان والمكان امتدادا لم أكن أقدر أنه سوف يتسع على هذا النحو. ولكن الذى أغراني بالاستمرار هو أنني كنت بصدد صوت نقدي جديد، وليس مهماً ما إذا كنا نتفق أو نختلف مع آراء هذه الكاتبة والأفكار التي يقول بها هذا الصوت، ولكن المهم هو ألا ينفرد تيار واحد، أو اتجاه فكرى ونقدى بعينه، بالساحة الأدبية والنقدية فيعيث فيها فسادا، باسم الحداثة مرة، وباسم التجديد مرة، وباسم مواكبة العصر في كل المرات. لتفتح إذن كل الأبواب والنوافذ ليدخل الهواء النقي، وضوء الشمس الساطع الجميل، ولتتحاور كل الآراء والأفكار فى الساحة ليختار منها القارئ ما يريد بعد أن يُعمل عقله وفكره فيما يقرأ، شريطة ألا نزيغ عن العقيدة السمحاء ، وألا نمس معتقدات الأمة وثوابتها، وأن نحفظ علينا أعز ما منّ الله به على هذه الأمة وهو الإسلام. 

انتهت حلقات هذا الحوار الرائع والممتع للأديبة الكبيرة سهيلة زين العابدين على أمل أن نرى لها حوارات مماثلة ولقاءات متجددة في القريب العاجل.
……………………………………………
نُشر في  مجلة الوطن العربي عام 1999م.


Join the discussion