حوار مجلة الوطن العربي عن الدكتور عبد الله الغذّامي (4-5)

حوار مجلة الوطن العربي عن الدكتور عبد الله الغذّامي (4-5)

حوار الأستاذ محمد بركات معي لمجلة الوطن العربي (4-5)
عن الدكتور عبد الله الغذّامي
قلت : فبمن نبدأ ؟ 
قالت: نبدأ بكبيرهم الدكتور عبد الله الغذامى، فهذا هو إمام الحداثة في السعودية، والمبشر بها، وقد كانت لي معه معركة مشهورة وبالذات من خلال كتابيه الهامين “الخطيئة والتكفير” ثم “المرأة واللغة”. 

هذه هي الحلقة الرابعة من حوار الأديبة السعودية سهيلة زين العابدين حماد. 
  وهذه الكاتبة تملأ الساحة الأدبية والفكرية في المملكة العربية السعودية والخليج بكتبها ومؤلفاتها ومعاركها منذ سنوات .. وتمثل سهيلة بنشأتها وتربيتها وعلمها ودينها نموذجاً رفيعاً للمرأة العربية المسلمة بحق. فهي لم تدع قضية من قضايا الأمة لم تكتب فيها، ولم تدع كاتباً أو مفكراً أو شاعراً يمس العقيدة إلا وتصدت له. وكتبها ضد توفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس ، ودراساتها ضد شعراء وكتاب الحداثة ابتداءً من أدونيس حتى عبد الله الغذامى تملأ الصحف والمجلات .. ولهذا كانت أول أديبة سعودية يتم تكريمها في المملكة العربية السعودية. 
وفى “الحلقة الأولي” التي نشرناها تحدثت سهيلة زين العابدين عن مفهومها للأدب الإسلامي والنظرية الإسلامية في النقد الأدبي التي ساهمت في إبداعها، ثم وضعتها موضع التطبيق في دراساتها عن عشرات الكتاب والأدباء والباحثين. 
وقد عرفت الأدب الإسلامي فقالت إنّه التعبير الفني عما يحس به الأديب تجاه الله والإنسان والكون والحياة بما يوافق نظرة الإسلام. 
ومن خلال هذا التعريف البسيط يمكن أن نعرف خصائص الأدب الإسلامي وملامحه والتي تتلخص في الإيمان والسمو والشمولية والجمال. 
وكما يحدد لنا هذا التعريف أهم خصائص الأدب فهو يحدد لنا أسس تقويمه ونقده، بحيث يكون معيار هذا التقييم هو التصور الإسلامي لله والإنسان والكون والحياة. فما يوافق هذا التصور يعد إسلامياً، وما يخالفه لا يدخل في نطاق هذا الأدب. وقد وضعت سهيلة زين العابدين هذه النظرية الإسلامية في النقد الأدبي موضع التطبيق في دراسة لفكر توفيق الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي، وهى الدراسة التي جاءت في 750 صفحة، وانتهت فيها إلى أن توفيق الحكيم يطعن الإسلام باسم الإسلام، لأن أعماله كلها، حتى الدينية والإسلامية منها، لم تأت من خلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، بل خضع فيها توفيق الحكيم لتأثيرات ثقافته الغربية ومصادرها الوثنية. 
 وفى “الحلقة الثانية” التي نشرناها قبل أسبوعين، أخضعت سهيلة مجموعة أخرى من كبار الكتاب والمبدعين المصريين لنفس النظرية الأدبية في النقد الإسلامي، وهؤلاء هم. طه حسين، ونجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف إدريس، ونوال السعداوي، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل. وقد وجدت أن هؤلاء جميعاً لا يصدرون في أدبهم وفنهم وفكرهم عن التصور الإسلامي، بل عن تأثيرات غربية تتفاوت بين مدارس الاستشراق، ومناهج الشك الديكارتي، وتنتهي عند العبثية والفرويدية والوجودية الملحدة 
. وفى “الحلقة الثالثة” التي نشرناها أخضعت سهيلة زين العابدين مجموعة من أدباء وشعراء سورية ولبنان والعراق لنفس النظرية الإسلامية في النقد الأدبي، وهؤلاء هم: أدونيس، ونزار قباني، وعبدالوهاب البياني. وقد حللت شعر ونثر أدونيس تحليلاً ضافياً تحت مجهر التصور الإسلامي ووجدت أنّه يصدر في كل ما يكتبه عن العقيدة النصيرية التي يؤمن بها الحزب القومي السوري الذي ينتمي إليه، وأن نظرة أدونيس للحياة تتلخص في أربع كلمات هي: الحب، والجنس، والرفض، والموت. كما حللت شعر نزار قباني ووجدته بكامله يجمع بين الإباحية والإلحاد، فالإباحية تدفعه إلى أن يجعل من الجنس ديناً، والإلحاد في شعره يكاد يختفي فلا يظهر إلا للمتخصصين ومن خلال التحليل الدقيق. ثم قامت بوضع أشعار عبدالوهاب البياتي تحت مجهر التصور الإسلامي ووجدت أن هذا الشاعر قد عاش حياته كلها مؤمنا بالماركسية الشيوعية الملحدة. وهو لم يخف هذا، بل جاء في كل إبداعه معبراً عن فكره الاشتراكي الذي لا يؤمن بالأديان. 
  وعند هذا الجزء من الحوار كانت الأديبة السعودية سهيلة زين العابدين قد وضعت أدباء مصر الكبار، وشعراء سورية ولبنان والعراق تحت مجهر التصور الإسلامي وقالت فيهم رأياً لا يخلو من جرأة وابتكار. وسألتها عما إذا كان إسهامها النقدي قد اقتصر على كل الأدباء والشعراء غير السعوديين، فقالت: بل وضعت الجميع تحت نفس المجهر، ودخلت معارك نقدية ضارية ضد رموز الحداثة في المملكة العربية السعودية. عبدالله الغذامى، ومحمد العلي، ومحمد جبر الحربي، ومحمد الثبيتى، وعبده الخال، ورجاء عالم، وفوزية أبوخالد، ونجاة عمر. 
الخطيئة والتكفير 

قلت : فبمن نبدأ ؟ 
قالت: نبدأ بكبيرهم الدكتور عبد الله الغذامى، فهذا هو إمام الحداثة في السعودية، والمبشر بها، وقد كانت لي معه معركة مشهورة وبالذات من خلال كتابيه الهامين “الخطيئة والتكفير” ثم “المرأة واللغة”. 

قلت : فماذا تجدين في فكر الدكتور الغذامى، حين يوضع تحت مجهر التصور الإسلامي ؟ 
قالت: الدكتور عبد الله الغذامى أديب مثقف وذكى، ولكنه من أولئك الأدباء الذين يفصلون بين عقيدتهم وبين فكرهم، فهم يعتقدون أن الدين يؤدى إلى التأخر والتقهقر، فيرفضون ربطه بأمور حياتنا الدنيوية، وهذا ما حرص أعداء الإسلام على غرسه في نفوسنا ليباعدوا بيننا وبين ديننا. 
والذي ساعد على غرس هذا المفهوم في نفوس غالبيتهم العظمي هو انبهارهم بالغرب وبفكر الغرب وبحضارة الغرب، وكلنا يعرف أن المسيحيين قد نقموا على دينهم لتسلط رجال الكنيسة عليهم، لذا أعلنوا التمرد عليه، وظهرت العلمانية، وجميع المذاهب الغربية المعاصرة التي انبثقت عنها، وكلها مذاهب مادية تنكر وجود الله، وتنظر إلى الإنسان والكون والحياة نظرة تخالف نظرة الإسلام، وهذا ما ينبغي أن نرفضه نحن المسلمين من هذه المذاهب. 
وقد انبهر الدكتور الغذامى بالفكر الغربي، وعندما أراد أن يتبنى منهجاً جديداً في النقد، راح يقلب في صفحات هذا الفكر وأخذ يقرأ للكثيرين منهم. شتراوس، ورولان بارت، ورومان ياكوبسون، وماجيد، وغيرهم من أصحاب المذاهب الحديثة كالبنيوية والتشريحية والألسنية وغيرها، ووجد بغيته في البنيوية وتزعم حركة الحداثة في المملكة العربية السعودية، وطبق البنيوية في دراساته النقدية ونادي مؤخراً بالنقد الثقافي، وطبقه بالفعل على عدد من دراساته.
 فماذا نجد حين نضع المنهج الذي أخذه الدكتور الغذامى في نقده الثقافي هذا تحت مجهر التصور الإسلامي ؟ 
ينطلق الدكتور الغذامى في كل ما يكتبه من مدرسة الحداثة والبنيوية، وهو يبدأ بمغالطة فكرية حين يزعم أن الحداثة وثيقة الصلة بديننا وتراثنا وأنها نابعة منه، وليست نتيجة تأثرنا بالغرب، وأن القول أن الحداثة وافدة إلينا من الخارج هي تهمة من صنع المستشرقين .
ويلاحظ أنّ الدكتور الغذامى في إثباتاته قد نظر إلى شكل القصيدة الحداثية، أي خروجها على التشطيرة الخليلية، وبهذا يكون قد أغفل المذاهب والفلسفات التي تبنتها الحداثة، وهى واضحة للعيان، من حيث أنها وافدة إلينا بدليل تناقضها مع التصور الإسلامي حين توضع تحت مجهره.. وقد فاته أن مفهومنا -نحن الإسلاميين- للحداثة لا ينصب على شكلها بقدر ما ينصب على مضامينها، فنحن لم نعترض على الشكل بقدر ما نعترض على المضمون، ولسنا ضد التجديد، بدليل أن على أحمد باكثير لم يلتزم في بعض شعره بالتشطيرة الخليلية، ولكنه مع هذا يعد من الشعراء الإسلاميين لأنه التزم في شعره بالتصور الإسلامي وحافظ على لغة القرآن الكريم وبلاغتها. 
   أمّا الحداثيون -من أمثال الدكتور الغذامى- فقد ابتعدوا كثيراً عن هذا التصور، بل عادوا إلى الوثنية وصنعوا لهم آلهة ومجدوا الشيطان لأنه عصى الله، إلى حد أن أحدهم جعله كالخالق، وآخر جعل منه مركبته إلى النجوم وأعلن كرهه لله، إلى آخر هذا الهذيان البغيض. بل إنهم لم يكتفوا بهذا بل راحوا يمجدون أدعياء الألوهية والربوبية أمثال الحلاج والشلمغاني، كما اعتبر تناسخ الأرواح في الفن القصصي إبداعاً، مع أنه من المعروف أن التناسخ من عقائد الفرق الباطنية المأخوذة من عقائد البوذية والهندوكية والمجوسية. 
   إنّ حماس الدكتور الغذامي للحداثة كان يجب ألا ينسيه مسؤوليته الدينية كباحث أكاديمي مسلم، فبدلاً من أن يجهد نفسه في إثبات صلة الحداثة بتراثنا وأصالتنا ليبعد عنها كل ما له صلة بالتغريب لينفي عداءها للإسلام، كان عليه أن يصحح من فكر الحداثيين ويخلصه من شوائب الشرك والإلحاد والوثنية والعداء للإسلام والتراث العربي. إن أهم ما ينبغي أن يدركه الدكتور الغذامى وتلامذته الحداثيون أن الشكل العام للقصيدة الحداثية ليس هو جوهر اعتراضنا على الحداثة، إذ ينصب اعتراضنا عليها على اعتناقها للمذاهب المادية الملحدة ومحاولاتها للعودة بالفكر العربي إلى الجاهلية والوثنية وإشاعة الشعوبية والدعوات الصوفية المنحرفة لتخلخل العقيدة الإسلامية من أجل تقويضها ولتنفيذ ما يخطط له الماسونيون والصهاينة وفق ما جاء في بروتوكولاتهم. 
  وممّا يثير الدهشة والغرابة معاً أنّ الدكتور الغذامى قد ناقض الحداثة في محاولته إثبات صلتها بالتراث العربي الإسلامي، لأنه معروف لدى الجميع أن الحداثة ترفض التراث وكل ما هو ديني وإسلامي، ولكن ماذا نقول والتناقض الفكري سمة أساسية من سمات الحداثيين. 
كيف يمكن تطبيق المنهج البنيوي النقدي كما يفهمه الدكتور الغذامي، وكما أخذ به وشرحه في كتابه 
الهام “الخطيئة والتكفير” ؟ 
البنيوية كما يشرحها الدكتور الغذامي في هذا الكتاب غير ثابتة، بل هي دائمة التحول، وتظل تولد من داخلها بنى دائمة التوثب، فالجملة الواحدة يتمخض عنها آلاف الجمل التي تبدو جديدة مع أنها لا تخرج عن قواعد النظم اللغوي للجمل، وهذا التحول يحدث نتيجة لتحكم ذاتي من داخل البنية فهي لا تحتاج إلى سلطان خارجي لتحريكها. 
   وهذا يعنى قيام البنيوية على تحليل الظاهرة من داخلها دون البحث عن مؤثرات خارجية، فالبنية تتحرك من دون محرك لها، أي أنها تنكر وجود الله المحرك الأول لها، والله هو الذي لا يحركه محرك، فهو الذي يحرك جميع الكائنات، فهي بهذا المعنى تلغى وجود الخالق وتعتبر النفس الإنسانية شيئاً من الأشياء يسري عليها ما يسرى على الأشياء من قوانين الحتمية كما يقول شتراوس. 
إن بنيوية الغذامى -كما هي عند غيره- تقف موقفاً إنكارياً من الدين وتنطلق من المادية الميكانيكية، وهذه بطبيعة الحال فلسفة إلحاد وملاحدة، وقد قال مؤرخ الفلسفة الأميركي فريدريك كوربلتون في كتابه (تاريخ الفلسفة) ..”إن البنيوية فرع جديد من المذهب الطبيعي، فالبنيويون يرون أن الطبيعة بنية ولذلك فإن ثمة تقارباً، بل تطابقاً إلى حد بعيد، بين المذهب الطبيعي والمادية الميكانيكية، فالمادية الميكانيكية للبنية انطلاقاً من مفهوم البنية ذاته ليست أيضا بحاجة إلى علاقة خارجها كما يزعمون”. 
وهذه النظرة تناقض نظرة الإسلام، فالله هو الخالق للكون المدبر له ” بيده ملكوت السموات والأرض” .. “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” .. “فعال لما يريد” .. “إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون” .. “هو الواحد الأحد” .. “لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد” .. ” لا تأخذه سنة ولا نوم وهو على كل 
شيء قدير”. 
 إنّ الإنسان في الإسلام مخلوق مكلف، حمل أمانة الاستخلاف ، فهو خليفة الله في أرضه، ميزه على سائر المخلوقات بالعقل، مسيرً ومخير، وليس مجرد آلة تدور كما يقول البنيويون. وقد خلق الإنسان لعبادة الله.. ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” وهى الغاية العليا من خلقه، والإنسان من روح وجسد، وقد وازن بين الروح والجسد، فلم يجعل أحدهما يطغى على الآخر، وقد كرم الله الإنسان بالعقل، وحثه على العلم، وعلمه الله ما لم يعلم، ولكن الله أعلم منه. 

بالرغم من مخالفة البنيوية للتصور الإسلامي، بل إنكارها لوجود الخالق نجد الدكتور الغذامي قد طبق هذا المنهج على بعض نصوص القرآن .. فكيف ترين هذا ؟ 
هذه جرأة ما بعدها جرأة على كتاب الله.. وهو -أي الغذامي- يدلل بكلام “بياجيه” على آرائه فيقول في صفحة 32 بالحرف 
“والجملة لا تحتاج إلى مقارنتها مع أي وجود عيني خارج عنها لكي يقرر مصداقيتها، وإنما هي تعتمد على أنظمتها اللغوية الخاصة بسياقها اللغوي، ففي قوله تعالى: ” طلعها كأنه رءوس الشياطين” نحن لسنا بحاجة إلى الوجود العيني للشياطين لكي ننفعل بهذه الآية، فالجملة هنا تقوم بتأسيس انفعالها في نفس المتلقي عن طريق طاقتها التخييلية، الذي هو التحكم الذاتي في لغة بياجيه، بأن تعتمد البنية على نفسها لا على شيء خارج عنها، وهذه النظرة التكاملية في تصور الوحدة تخدم في تقديم العمل الأدبي لا على أنه ناقل للمعني، ولكن على أنه قيمة جوهرية ذاتية التولد وذاتية التحول، وبشكل مطلق على أنه كل ذاتي الاعتبار، ولا حاجة له إلى ما هو خارج حدوده ليقرر طبيعته. وهذه هي البنيوية في مصطلحات بياجيه”. 

ماذا يعني هذا النص ؟ 
إنّ الدكتور الغذامي بقوله هذا قد وقع في محظور عقدي خطير، فهو لم يكتف بإخضاع القرآن الكريم للنقد البنيوي بل نجده صرح بأن القرآن أو نص الآية ذاتي ولا يخضع لمرجعية خارج حدوده، أي أنه أنكر مرجعيته إلى الخالق جل شأنه، وهو بالطبع لا يقصد ذلك، ولكن تطبيقه لمنهج ينكر وجود الخالق ولا يتفق مع ديننا أوقعه في هذا المنزلق العقيدي دون أن يقصد، وهذا أكبر دليل على مدى خطورة تطبيق مناهج الغرب على ديننا ومعتقداتنا وقرآننا وفكرنا وأدبنا على علاتها قبل أن نعرضها على الإسلام ونعرف مدى توافقها ومدى مخالفتها له قبل الأخذ بها وتطبيقها والسير على نهجها 
هذا عن المنهج البنيوي ومدى خطورة تطبيقه، فماذا عن الخطيئة والتكفير اللذين طبقهما الدكتور الغذامي على أدب الأديب السعودي حمزة شحاتة ؟ 

 – هذا مأخذ آخر على د.الغذامى، إذ نظر إلى خطيئة أبينا آدم نظرة المسيحية لها. والغريب أنه يتحدث عنها على أنها هكذا وردت في القرآن الكريم، فيقول في صفحة (111) “.. هذه صورة لمعترك المرأة والرجل في أدب شحاته، وهى صورة لا يملك القارئ وهو يتأملها إلا أن يتذكر تاريخ البشر الأزلي في قصة الوجود الأولى كما رسمها القرآن الكريم ممثلة في حادثة آدم عليه السلام مع حواء”. ثم يقول: “فحواء كانت هي اللحظة الحساسة في تاريخ البشر منذ تواجه معها آدم على مشهد التفاحة وهى تقدمها له ليأكل منها، وهو يضعف أمامها ناسياً تحذير الله سبحانه وتعالي: من الفاكهة المحرمة، وأخيراً ينسى نفسه فيأكل الحرام ويأثم، وعندئذ يحكم الله عليه بالهبوط إلى المنفى “الأرض” ويغادر آدم فردوسه مخطئاً آثماً ونادماً على ما بدر منه، ولكنه يهبط بوعد من الله بالعودة إلى هذا الفردوس إن هو عمل بشروط العودة، وهكذا يدخل آدم ومن بعده بنوه في صراع دائم بين قطبين أزليين هما الخطيئة والتكفير، الخطيئة طريق المنفى، والتكفير طريق العودة إلى الفردوس”. 
   وهذه القصة التي رواها د.الغذامى لا تتفق البتة مع ما جاء في القرآن الكريم، وإنما تتفق مع ما جاء في الإصحاح الثالث من سفر التكوين الذي ألحق تهمة الخطيئة الأزلية بحواء، وجعل الحية هي التي غوت حواء وليس الشيطان، وأن الله قال للمرأة عقاباً لها: “تكثيراً أكثر أتعاب حملك .. بالوجع تلدين أولاداً .. وإلى رجلك يكون اشتياقك .. وهو يسود عليك”. وقال لآدم، “لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلاً لا تأكل منها.. ملعونة الأرض بسببك .. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك”. فهنا حكم على آدم وذريته باللعنة، فالخطيئة في الفكر المسيحي ملازمة للإنسان، إلى أن تقوم الساعة، والتفسير المسيحي لحركة التاريخ قائمة ومبنية على ملازمة الخطيئة للإنسان. 
وقد نقل الدكتور الغذامى هنا آراء النقاد الغربيين، ولكنه حاول أن يلبس موضوعه لباساً إسلامياً فذكر القرآن الكريم، والغريب في الأمر أنه يأتي بآيات قرآنية وأحاديث نبوية ويفسرها على أن الإسلام يقرر بملازمة الخطيئة للإنسان، وهذا تحريف وتأويل للقرآن وتجرؤ على الدين لأن نص الآيات واضح في سورة “طه” على تبرئة أمنا حواء من تهمة الخطيئة الأزلية، وعلي قبول الله توبة آدم عليه السلام وأنه غفر له. 
إ- ن مسلك الدكتور الغذامي هنا يذكرنا بمسلك المستشرقين الذين يلوون النصوص لتخدم أهدافهم، فالدكتور الغذامي تورط في قضية الخطيئة والتكفير، ولكي يلبسها الثوب الإسلامي أول الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفق ما يريد. وأغرب من هذا أنه يصف القرآن الكريم بـ”الأثر” ويلحق ذات الصفة بالحديث النبوي الشريف. 

المرأة واللغة
   هذا عن المنهج البنيوي عند الغذامي كما جاء في كتاب “الخطيئة والتكفير” فماذا عن النقد الثقافي كما جاء في كتابه الأخطر وهو “المرأة واللغة” .. هذا الكتاب العاصفة الذي يدعو فيه ناقدنا إلى ثقافة نسائية ولغة نسائية أيضاً؟ 
هذه قضية جد خطيرة، وتفوق البنيوية خطراً لأنها تهدف إلى هدم الخطاب القرآني وتشريعاته بإسقاطها عن المرأة عندما يكون لها خطاب أنثوي خاص بها على نحو ما يطالب به الدكتور الغذامى المرأة. 
إنّ النقد الثقافي أو الاجتماعي موجود في الساحة الأدبية والفكرية منذ أزمنة بعيدة، وهذه النوعية من الدراسات يوجهها ويحدد مسارها الباحث ذاته، من حيث النهج الذي يتبعه، والفكر الذي يعتنقه، والرؤية التي يطرح من خلالها القضية محور النقاش، فإن كان الباحث ذا توجه إسلامي ناقش القضايا التي يطرحها من منظور إسلامي، وإن كان بنيوي المنهج، حداثي الفكر، ناقش ما يطرحه من قضايا وفق ما التزم به من مناهج وما اعتنق من أفكار. والدكتور عبد الله الغذامي عندما تناول قضية المرأة واللغة تناولها من المنظور البنيوي والفرويدي فابتعد بذلك عن المنظور الإسلامي، بل أقصى الدين تماماً مع أن قضية اللغة العربية وثيقة الصلة بالدين الإسلامي لأنها لغة القرآن وأي مساس بها هو مساس بكتاب الله وما فيه من تشريعات 
ما هي على وجه التحديد المحاذير العقيدية، والمغالطات الدينية والتاريخية واللغوية التي وقع فيها الدكتور الغذامي في كتاب” المرأة واللغة”؟ 
أولاً: استند الدكتور الغذامي وهو يناقش قضية “المرأة واللغة” على نظرية فرويد وأقصى الدين إقصاءً تاماً إلى حد أنه قال مثل فلاسفة الغرب الملحدين بأن المرأة رجل ناقص، وأنها تعاني غياب عضو الذكورة. وهذا تخريف يتناقض تماماً مع الإسلام ومع قول الله تعالى: “وخلقنا الإنسان في أحسن تقويم” فالله جل شأنه لم يقرر أن المرأة خُلقت ناقصة لعضو من الأعضاء، فهي كاملة الخلقة مثل الرجل، واختلاف النوع لا يعني نقصان الخلقة لأن لكل نوع مهمة في الحياة خلق من أجلها، وخلقة الله على الهيئة والكيفية التي تؤهله للقيام بها، فالزوجية من سنن الكون، والله جل شأنه خلق الزوجية أساساً لنظام الحياة في هذا الكون وعمارته.. فهو خلق من كل شيء زوجين.. يقول جل شأنه:” ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون”…. والقول بغير هذا هذيان لا معنى له . 
       ثانيا: استناد د.الغذامي على نظرية فرويد بقصص الكاتبة السعودية رجاء عالم القائمة على تناسخ الأرواح أوقعه في مزالق عقيدية لأن عقيدة التناسخ تتنافى مع العقيدة الإسلامية، وهى تمثل عقيدة بعض الفرق الباطنية كالنصيرية، وهى مأخوذة من العقائد البوذية والمجوسية. وقد اعتبر قصص رجاء عالم كقصة “الأصلة” التي تقول فيها إن روح ابن طفيل عندما غادرت جسده رحلت من الأندلس، وحلت في مكة المكرمة، وسكنت جسد أنثى هي فاطمة المكية، هو كلام مرفوض إسلامياً وعقدياً ومع هذا اعتبر الغذامي أن هذه القصة هي غاية الإبداع. 

 ثالثا: أوقعه هذا في مغالطات دينية، ولم يورد اهتمام القرآن بالأنثى وتتبعه لحياتها منذ لحظة ميلادها حتى يواريها التراب، وأنه خصها بالخطاب كما خص الرجل في مساواتها له في الثواب والعقاب، وفى التكاليف كقوله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”. وكقوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” .. وهناك عشرات الآيات والأمثلة في القرآن الكريم تدحض كلها مقولة مي زيادة وهى أن معشر النساء يكتبون بلغة ليسوا فيها، وهى المقولة التي استند عليها د.الغذامي في إثبات نظرية فرويد. 
رابعاً: أيضاً أوقعه استناده على نظرية فرويد في مغالطات تاريخية إذ تجاهل ما أحرزته المرأة المسلمة من إنجازات بعد عصور الإسلام ليثبت أن المرأة مسلوبة الإرادة، مكممة الفم، لا تتحدث إلا إذا أذن لها من الرجل، وأن الرجل هو الذي يهبها آلة الكلام وهى اللسان. وهذا يتنافى مع ما جاء في القرآن، من حيث أن الله هو الذي خلق الإنسان، وخلق له لساناً وشفتين، وهو الذي علّمه البيان. وحتى عندما يستشهد د. الغذامي بموقف إيجابي للمرأة عبر التاريخ، فإنه يذكر الجارية »تودد« التي حصلت على ما تريد، ليس بعلمها أو دينها أو فكرها أو ثقافتها، بل باستخدامها لسلاح جمالها وافتتان الرجل بهذا الجمال 
* خامساً: وقع ناقدنا في مغالطات لغوية، انتهت به إلى بعض المحاذير، فقد اعترض على الخطاب اللغوي للزوج، بزوجه، وهو هنا يلمح إلى الخطاب القرآني، لأنه لم يرد لفظ زوجة في القرآن، وإنما يشار إلى الزوجة بـ”زوج” وذلك تأكيداً للمماثلة والتكافؤ.. “ولهن مثل الذي عليهن”. 
كما نجده أخضع اللغة للمنطق وهذا لا يقره اللغويون، لأن من المسلمات عدم خضوع اللغة للمنطق، فمثلاً جاء في قوله تعالى: “وجاءت الرسل” وهنا أُلحقت تاء التأنيث، بجمع تكسير للمذكر، وهناك أسماء ذكور تنتهي بتاء التأنيث مثل. شوكت، وطلعت، وبهجت، أو تنتهي بتاء مربوطة دالة على مؤنث مثل: حمزة، وعرفة، وعطية، وصدقة وغيرها. 
سادسا: وقع الدكتور الغذامي في خطأ كبير حين احتج على نسبة الأولاد لآبائهم، مع أن الله جل شأنه أمر بذلك حفظاً للأنساب.. يقول تعالى: ” أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله” كما نجده جل شأنه نسب الأولاد إلى آبائهم في قوله:”بني إسرائيل” و”مريم ابنة عمران” و”يا بني آدم” و”آل ياسين”. وعلى هذا النحو راح الدكتور الغذامي يأخذ من مناهج الغربيين المخالفة لديننا مما أوقعه في كل هذه المحاذير والمغالطات. 

قلت للأديبة الإسلامية السعودية سهيلة زين العابدين. لقد كنت أريد في هذه الحلقة من هذا الحوار الثر، أن أسمع رأياً في مجمل الأدباء السعوديين أو في معظمهم ممن أخضعتهم للنظرية الإسلامية في النقد الأدبي ووضعت أعمالهم تحت مجهر التصور الإسلامي.. وكان يعنيني هنا أن أسمع هذا الصوت النقدي الجديد في الدكتور عبدا لله الغذامي، وفي محمد العلي، ومحمد جبر الحربي، ومحمد الثبيتي، وعبده الخال. ثم في الأديبات السعوديات. رجاء عالم، وفوزيـة أبو خالد، ونجاة عمر. ولكن ها هو ذا النـاقد والمـفكر السعودي الكبـير -سواء اتفقنا أو اختلفنا معه – الدكتور عبد الله الغذامى يستولي على الحلقة كلها بكتابيه الهامين “الخطيئة والتكفير” و”المرأة واللغة” .. فماذا عن الآخرين؟

– قالت سهيلة. إن الدكتور عبد الله الغذامى يستحق أن تخصص له هذه الحلقة كلها، وربما ما هو أكثر منها، فهذا هو أكبر نقاد السعودية والخليج الآن، وهذا هو الذي يؤثر بكتبه ومقالاته ودراساته على كل من يكتبون شعراً وقصة ونقداً، وهو الذي استورد الحداثة إلى المملكة، والبنيوية أيضاً وجعل لهما أنصاراً ومريدين.. وكل أصحاب الأسماء الذين ذكرتهم في سؤالك هم مجرد مريدين لهذا الدكتور الأكاديمي المؤثر تأثيراً خطيراً. إنه كبيرهم الذي علمهم السحر. ولهذا كان يجب أن نقف أمام مجمل فكره هذه الوقفة المتأنية الفاحصة لنضع هذا الفكر تحت مجهر التصور الإسلامي.. أما الآخرون ممن ذكرت أسماءهم فموعدنا معهم في الحلقة القادمة إن شاء الله.. وأما الآن، مرة ثالثة أو رابعة فإلي القهوة العربية النفاذة !

في الحلقة المقبلة .. مع فاتنات الأدب : فوزية أبو خالد ، رجاء عالم ، ونجاة عمر – ومع : محمد جبر الحربى، ومحمد العلى، ومحمد الثبيتى، وعبده الخال
________________________________________
نُشر في  مجلة الوطن العربي عام 1999م.

Join the discussion