حوار مجلة الوطن العربي عن أدونيس ونزار قبّاني (3-5)

حوار مجلة الوطن العربي عن أدونيس ونزار قبّاني (3-5)

حوار الأستاذ محمد بركات معي في مجلة الوطن العربي عن أدونيس ونزار قبّاني  (3-5)
هذه هي الحلقة الثالثة من حوار الأديبة الإسلامية السعودية سهيلة زين العابدين حماد. وهذه الكاتبة تملأ الساحة الأدبية والفكرية في المملكة العربية السعودية والخليج بكتبها ومؤلفاتها ومعاركها منذ سنوات

.. وتمثل سهيلة بنشأتها وتربيتها وعلمها ودينها نموذجًا رفيعًا للمرأة العربية المسلمة بحق. فهي لم تدع قضية من قضايا الأمة لم تكتب فيها، ولم تدع كاتبًا أو مفكرًا أو شاعرًا يمس العقيدة إلا وتصدت له. وكتبها ضد توفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس، ودراساتها ضد شعراء وكتاب الحداثة ابتداءً من أدونيس حتى عبد الله الغذامى تملأ الصحف والمجلات .. ولهذا كانت أول أديبة سعودية يتم تكريمها في المملكة العربية السعودية. وفى “الحلقة الأولى” تحدثت سهيلة زين العابدين عن مفهومها للأدب الإسلامي والنظرية الإسلامية في النقد الأدبي التي ساهمت في إبداعها ثم وضعتها موضع التطبيق في دراساتها عن عشرات الكتاب والأدباء والباحثين. وقد عرفت الأدب الإسلامي فقالت إنه التعبير الفني عما يحس به الأديب تجاه الله والإنسان والكون والحياة بما يوافق نظرة الإسلام. ومن خلال هذا التعريف البسيط يمكن أن نعرف خصائص الأدب الإسلامي وملامحه والتي تتلخص في الإيمان والسمو والشمولية والجمال. وكما يحدد لنا هذا التعريف أهم خصائص الأدب، فهو يحدد لنا أيضًا أسس تقويمه ونقده، بحيث يكون معيار هذا التقييم هو التصور الإسلامي لله والإنسان والكون والحياة. فما يوافق هذا التصور يعد إسلاميًا، وما يخالفه لا يدخل في نطاق هذا الأدب. وقد وضعت سهيلة زين العابدين هذه النظرية الإسلامية في النقد الأدبي موضع التطبيق في دراسة لفكر توفيق الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي، وهى الدراسة التي جاءت في 750 صفحة، وانتهت فيها إلى أن توفيق الحكيم يطعن الإسلام باسم الإسلام، لأن أعماله كلها، حتى الدينية والإسلامية منها، لم تأت من خلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، بل خضع فيها توفيق الحكيم لتأثيرات ثقافته الغربية ومصادرها الوثنية. وفى “الحلقة الثانية” أخضعت سهيلة مجموعة أخرى من كبار الكتاب والمبدعين المصريين لنفس النظرية الأدبية في النقد الإسلامي، وهؤلاء هم : طه حسين ، ونجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف إدريس، ونوال السعداوي، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل. وقد وجدت أن طه حسين في كل مؤلفاته كان واقعًا تحت التأثير الغربي الاستشراقي الذي يبدأ بمنهج الشك الديكارتي وينتهي بتأثير المدرسة الفرنسية عليه. أما نجيب محفوظ فقد حللت أدبه من خلال أربعة محاور هي : الرمزية، والصوفية، والواقعية الاشتراكية، والعبثية، حيث كان يرمز لله بالأب ويستبدل الدين بالعلم. وفى دراستها عن إحسان عبد القدوس وهي في 600 صفحة وجدت أنه أرسى دعائم الأدب المكشوف، وتراوحت أعماله كلها بين العلمانية والفرويدية، بكل ما تبتعدان به عن الإسلام. وأما يوسف إدريس فقد هالها في كتبه ورواياته أثر الوجودية الملحدة على كل أعماله. وقد انتهت هذه الحلقة بالتعرض لفكر الدكتورة نوال السعداوي الذي يتراوح بين الماركسية والفرويدية، وأشعار صلاح عبدالصبور الملحدة، وديوان أمل دنقل الذي يعترف فيه أنّ خصومة قلبه مع الله ، وليس مع سواه .

قلت للأديبة الإسلامية السعودية سهيلة زين العابدين حماد: ألاحظ أن أغلب كتبك ودراساتك وأبحاثك وتطبيقاتك للنظرية الإسلامية في النقد الأدبي تنصرف إلى الأدباء المصريين وكأنهم وحدهم في الساحة العربية .. فلماذا لا نقرأ لك آراء مماثلة في إبداع الآخرين في سورية ولبنان والعراق والسعودية والخليج ؟ 
قالت : هذا ليس صحيحًا، لأن لي دراسات مستفيضة عن كل من يزيغون في أدبهم وفنهم عن النهج الإسلامي. فمن تريد أن تضعه تحت مجهر التصور الإسلامي اليوم ؟ 

قلت: أدونيس، ونزار، والبياتي وأحب أن نركز أكثر على أدونيس باعتباره إمامًا في هذا الميدان، فضلاً عن أنه مازال حيًا، ومازال مؤثرًا على عكس نزار والبياتي.. وأحب هنا أولاً أن نقول للقارئ من هو أدونيس، قبل أن نخوض في فكره وشعره ؟ 
قالت سهيلة زين العابدين: هو على أحمد سعيد، ولد سنة 1930، وهو لبناني الجنسية ، سوري المولد والنشأة والثقافة، كان نصيرًا ثم اعتنق الشيوعية، ينتمي إلى الحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة في الثلاثينات، وقد اعتنق أدونيس عقيدة ومبادئ هذا الحزب التي تنكر وجود الله ، فهي تعلن كما جاء في كتاب “نشوء الأمم” لأنطون سعادة، بأن فكرة الألوهية اخترعها الإنسان يوم كان يرزح تحت سلطان الخوف والوهم والخرافة. وهى بذلك تلتقي مع الفلسفات المادية في إنكارها لوجود الله، وفى نظرتها للإنسان والكون والحياة، وهى نظرة مادية بحتة. وفكر أدونيس يمثل عقيدة هذا الحزب، واسم أدونيس نفسه هو أحد رموز هذا الحزب، واسم أدونيس نفسه هو أحد رموز هذه العقيدة، وسعادة هو الذي أطلقه عليه، حيث إن أدونيس هذا هو أحد آلهة الفينيقيين الذين يعتبرهم الحزب هم أصل الأمة السورية، إذ تقوم القومية السورية على عزل سورية عن الأمة العربية، وتعتبر الفتح الإسلامي فتحًا أجنبيًا، كما ترى أن الوطن السوري هو البيئة التي نشأت فيها الأمة السورية، وأن نهضة سورية القومية إنما تستمد روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها السياسي والقومي، وأن أزهى العصور في تاريخ سورية هو العصر الفينيقي.
كيف ترين أدونيس إذن تحت مجهر التصور الإسلامي ؟ 

– إنّ نقطة الخلاف الأولى مع أدونيس هي نظرته إلى الله. لأنه نظر إلى المولى جل وعلا نظرة تخالف التصور الإسلامي كل المخالفة، فتجرأ على الذات الإلهية وجعل الله ميتًا ومقتولاً وأعمى وشحاذًا، وجعل له زوجة، وأنه يولد ، وشبّه بالإنسان، وجعل للحب إلهًا.. وهذا كله مخالف للإسلام .

ماذا قال بالضبط ؟ 
إنّه يقول في كتابه “مقدمة للشعر العربي” صفحة 131 ما نصه بالحرف الواحد.. “الله فى التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان. التصوف ذوب ثابت الألوهية، جعله حركة في النفس، في أغوارها، أزال الحاجز بينه وبين الإنسان، وبهذا المعنى قتله “أي الله” وأعطى للإنسان طاقته. إن المتصوف يحيا في سكر يسكر بدوره العالم، وهذا السكر نابع من قدرته الكامنة على أن يكون هو والله واحدًا، صارت المعجزة تتحرك بين يديه”.
 ما هو الشعر الذي قاله ويؤيد هذا المعنى ؟ 
شعر كثير جدًا. يقول في قصيدة “الإله الميت” : “اليوم حرقت سراب السبت سراب الجمعة اليوم طرقت قناع البيت وبدلت إله الحجر الأعمى وإله الأيام السبعة بإله ميت “. ويقول في قصيدة “موت” : “نموت إن لم نخلق الآلهة نموت إن لم نقتل الآلهة يا ملكوت الصخرة الثالثة”. ويقول في قصيدة “هذا هو اسمي ” : طفل يشب وللأرض إله أعمى يموت. ويقول: ورأيت الله كالشحاذ في أرض على. ويقول: سقط الخالق في تابوته سقط المخلوق في تابوته والأمثلة بعد هذا في كل شعره أكثر من أن تحصى، وفيها يحدد نظرته إلى الله بغير التواء، لأن هذه النظرة هي التي تمثل عقيدته، فهو يريد قتل الله، وقد شبهه بالإنسان والحيوان والجماد ووصفه بصفات بشرية، وهى نظرة تخالف النظرة الإسلامية كل المخالفة، لأن الله في التصور الإسلامي “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”. فأين أوصاف الله ، الأول والآخر والظاهر والباطن، بأوصاف أدونيس له حين يقرن اسم الله بالشيطان والشقاء، وحين يصفه بالإله الضائع، والميت، وحين يشبهه بالشيخ والشحاذ، ثم تبلغ به الجرأة على الذات الإلهية إلى حد أن يقول : “إنه يعبر فوق الله” .. تعالى الله عما يصفون علوا كبيرًا.
 فما هي نظرة أدونيس للإنسان والكون والحياة ؟ 
تتخلص نظرة أدونيس للحياة في أربع كلمات هي: حب، وجنس، وموت، ورفض .. ولم يخرج شعره وفكره عن هذه المقولات الأربع ، فجاءت لغته الشعرية لغة جسد وجنس وموت، والعبارات التي استخدمها في شعره تدور في فلك المرأة وجسدها، إذ جعل من أعضاء هذا الجسد مفردات لغوية لشعره، فهو ينظر للمرأة على أنها خلقت للذة والمتعة، ولهذا كان شعره يقطر جنسًا وإباحية، ومن هنا مجّد في شعره الإباحيين ممن أدعى بعضهم التصوف من أمثال: الشلمغانى، والحلاج، وابن عربي، وبشار بن برد، وأبى نواس، والنفري، فضلا عن الملحدين والإباحيين في الغرب من لينين إلى بودلير. أما الحياة في نظره فهي الحياة الدنيا، فلم يتحدث عن الآخرة وعن البعث، والحساب، والثوابت والعقاب والجنة والنار، وإذا تحدث عن البعث فإنما عن بعث طائر الفينيق، هذا الرمز العنصري الوثني الذي يدعو إليه الحزب القومي السوري. أما نظرته للإنسان فهي نظرة مخالفة كل المخالفة للإسلام، لأن أدونيس “اله” الإنسان، فهو يعتقد كالنصيرية، بالحلول والاتحاد والتأليه والتناسخ، ولهذا فكل شيء عند أدونيس إلهًا، ومن ثم لم يكن غريبًا أن يقول مثل الوجوديين بعبثية الخلق، وبأن الإنسان خلق ليأكل ويلعب وينام ويشبع غريزته الجنسية. وخلاصة القول هنا إن نظرة أدونيس للحياة والإنسان والكون تمثل خليطًا من نظرة النصيرية والفرويدية والوجودية الملحدة والوثنية الإغريقية والماركسية، وإن كانت العقيدة النصيرية هي الغالبة على فكرة وعلى كل ما كتبه. 


نقطة الخلاف الأولى إذن مع فكر أدونيس وشعره أنه “نصيري” العقيدة .. فما هي النصيرية، وما هي معتقداتها ؟ 
تنسب النصيرية إلى محمد بن نصير الفارسي الأصل، وكان يدعى أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري، وكان يقول بإباحة المحارم، ويقول الشهرستاني إن النصيرية من جملة الغلاة، وأنهم كانوا يقولون إنه لما لم يكن بعد رسول الله شخص أفضل من على بن أبى طالب وأولاده المعصومين من بعده باعتبارهم خير البرية فظهر الحق بصورتهم ونطق بلسانهم وأخذ بأيديهم لذا سموا بالإلهية. وقال عز الدين أبو حامد المعروف بابن أبى الحديد إنهم أدعو حلول الذات الإلهية المقدسة في قوم من سلالة أمير المؤمنين وقالوا بالتناسخ وجمدوا البعث والنشور وأسقطوا الثواب والعقاب. 
ما هي المعتقدات أو الأصول الكبرى في النصيرية ؟ 
يمكن تلخيص هذه المعتقدات في خمسة أصول هي:
1- عقيدة الحلول والاتحاد والتأليه.
2- إسقاط التكاليف الدينية وإباحة المحرمات.
3- التأويل الرمزي الباطني. 
4- عقيدة التناسخ ونفى البعث والعقاب والثواب.
5- التعاليم السرية. 
كيف عبر أدونيس عن هذه المعتقدات في شعره ونثره ؟ 

 – إنّ قراءة فكر وشعر أدونيس على ضوء معتقداته النصيرية يكفى ليفك الكثير من الغموض والطلاسم التي كانت تستغلق على البعض في تناوله أعماله. إن أدونيس يؤمن بالحلول والاتحاد والتأليه إيمانًا مطلقًا، والحلول اصطلاح فلسفي يستعمل في علم الكلام في الإسلام للدلالة على الاتحاد الجوهري بين الروح والجسم، كما يستعمل للدلالة على حلول الذات الإلهية في جسم الإنسان، وقد رفض جميع المتكلمين المسلمين هذه النظرية وحكموا على الفرق الحلولية بالكفر والخروج من الدين. وهذا التصور للألوهية يناقض العقيدة الإسلامية التي تقر مبدأ الوحدة الذاتية المطلقة للإله. ولكن أدونيس يأخذ بالنصيرية عقيدة، وبالحلول مذهبا.. فهو يقول في أحد مزاميره .. ” أبحث عما يوحد ذاتنا .. الله وأنا، الشيطان وأنا، العالم وأنا، وعما يزرع بيننا الفتنة” .. وقد غالى أدونيس في عقيدته النصيرية فادعى أن له إسراءً ومعراجًا، كادعاء أبى يزيد البسطامي، إذ قال أدونيس إنّ روح الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد حلت به، وجاء جبريل (عليه السلام) بالبراق وأسرى به إلى السموات السبع، وإنه التقى بعزرائيل، وإنه صلى بالملائكة ركعتين، وإنه التقى بالذات الإلهية بلا حجاب وقد روى أدونيس هذا كله في قصيدة السماء الثامنة “رحيل في مدائن الغزالي”.
هل هناك أشخاص أو حركات فكرية أخرى تلتقى مع النصيرية وأخذ بها أدونيس في أعماله ؟ 

   -نعم .. فلقد حرص أدونيس في كل شعره، ومؤلفاته على أن يمجّد أقطاب الإلحاد والإباحية .. ونظرًا لتوافق دعوة الشلمغانية ودعوة القرامطة، والدعوة الحلاجية مع النصيرية في العقيدة والأهداف كان أدونيس حريًا على تسليط الأضواء عليها. والشلمغاني مشعوذ من مدعى الألوهية، وهو من غلاة الشيعة، ممن يعتقدون بالحلول والتناسخ، وأنهى إلى أن ادعى حلو روح الله فيه وسمى نفسه روح القدس، ووضع كتابًا أباح فيه كل شيء، وكان مما قال فيه .. “اقرأوا كتابى في إبطال الشرائع .. فالجنة أن تعرفوني ، والنار أن تجهلوني”. وهذا الشلمغاني المارق هو الذى يريد أدونيس أن نقرأه ونتمثل به، وقد جعل الجنة في معرفته، والنار في جهله، لأن أدونيس في الحقيقة هو صورة طبق الأصل من الشلمغانى، ومن يقرأ أشعاره يجد أنّه أطلق الألوهية على كل شيء، وقال بالحلولية والتناسخ وإسقاط التكاليف الدينية وإباحة المحرمات. في هذا الإطار نجد كل فكر وشعر أدونيس يبدأ وينتهى بفكرة النصيرية وكل روافدها ومصادرها. ولهذا نجده يسلط الأضواء على الزنادقة والملحدين الذين ادعوا التصوف مثل الحلاج، وابن عربي، والسهروردي، كما نجده يمجد القرامطة، وحركة التصوف وخصوصًا تلك التي تقوم على الإلحاد. 

  إنّ إيمان أدونيس بفكر القرامطة قد يفسر الجانب الإباحي في شعره من حيث إنّهم يسقطون التكاليف الدينية ويبيحون المحرمات . 
  إنّ الحركة القرمطية في حقيقتها تعبير حي وفعلي للعقائد الإسماعيلية، لهذا فقد أخذت هذه الحركة على عاتقها تنفيذ كل الأحلام التي كانت تحلم بها الإسماعيلية، وهى إيجاد مجتمع يعتبر الدين خرافة، والثواب والعقاب والمعاد أمورًا لا تصدق، ويرى في اللذة والإباحية الملجأ الوحيد له. ولهذا نجد هذه الأفكار نفسها في شعر أدونيس الذي أبرز فيه شيوعية المال والنساء، وكتب فيه كثيرًا عن حمدان القرمطي. 

إلى أي حد جاءت نظرة أدونيس للمرأة والخمر في شعره مطابقة لأفكاره النصيرية ؟ 

– لا تختلف نظرة أدونيس للمرأة عن نظرة النصيرية إليها، فهي منبثقة منها، والمرأة في النصيرية نوع من أنواع المسخ الذي يصيب غير المؤمن. لهذا نجد أن شعر أدونيس يقطر بهذه المعاني للمرأة، فهي لا تخرج عن كونها جسدًا خلق للذة وللمتعة ، لذا جاء شعره يطفح بالجنس والإباحية.. ومن هنا تمجيده لحمدان القرمطىي ومحمد بن نصير، والشلمغاني، وأبى نواس، وغيرهم من رموز هذا التيار. وأما الخمر فقد مجده أدونيس وعظمه لأن الخمر في نظر النصيريين مقدسة أيما تقديس لأنها تقدم يسر النقباء والنجباء خلال دخول الجاهل في أسرار عقيدتهم، لذلك يطلقون عليها اسم عبد النور. لقد سخر أدونيس شعره ونثره لنشر القصيدة النصيرية، لهذا فالمرأة والخمر متلاحمان في شعره كما هما متلازمان عند النصيرية باعتبارهما جزءا من الضيافة للدخول في أسرار هذه العقيدة الغريبة. ويستحق الجزء الخاص بالمرأة في شعر أدونيس بحثا منفردا لأن هذا الشاعر امتهن المرأة أيما امتهان في شعره، حين جعلها محطا للجنس والشهوة، وجعل من أعضاء جسدها، مفردات للغته الشعرية. ومن هنا تمجيده المبالغ فيه لأبي نواس، وهجومه المبالغ فيه أيضا على المرأة في الإسلام. 
 فما هي الكلمة الأخيرة إذن في أدونيس تحت مجهر التصور الإسلامي؟ 
  ـ إنّ أية قراءة حتى ولو كانت سريعة لفكر أدونيس وشعره وكتاباته تكشف عن مدي خطورة هذا الفكر على العقيدة والأخلاق والقيم، فهو إلى جانب عمله على نشر عقيدة الحلول والتناسخ، نجده يمجد الإباحية والإباحيين، وفرق القرامطة والحلاجية والشلمغانية ، كما مجد أبي نواس وبودلير، بل نجده وقد تمادي في تمجيد الخطيئة وتحقير المرأة وامتهانها، ولم يكتف بهذا بل افتري على الإسلام ونسب إليه ما ليس فيه. ومعني هذا أن فكر أدونيس يمثل عقيدة النصيرية ويدعو إلى معتقداتها ويروج له. وهذا كله على مستوي المضمون الشعري، أما عن أسلوبه فهو يفتقد إلى الجمال، بل إن شعره يبدو مقززا، يثير الغثيان، ويشيع القرف في النفس، والذي يدعو إلى الدهشة والاستغراب هو أن الحداثيين يعتبرون أدونيس هذا رمزا من رموز الفكر، يقلدونه، ويحذون حذوه، ويعتبرونه مفكرا عظيما، وشاعرًا أعظم!! 

نزار قباني ؟

 – إنّ امتهان أدونيس للمرأة يجرنا إلى امتهان لا يقل أثرا، هو ما لاقته المرأة العربية على يد نزار قباني .. فكيف ترين نزار تحت مجهر التصور الإسلامي .. وكيف ترين المرأة في شعره؟ 
لقد نفى نزار عن عالمه الشعري كل امرأة تجاوزت الأربعين عاما كما قال ذلك الدكتور عبد المحسن بدر. ونزار قباني من أكثر الشعراء الذين أساءوا إلى المرأة وامتهنوها وعروا جسدها تعرية كاملة، بل نجده حتى في رثائه لبلقيس زوجته وأم أولاده، يصورها لنا على أنها امرأة تافهة لا هم لها سوى شعرها وعطرها وملابسها وتدخين السجائر واحتساء الخمر، رغم وصفه لها بالمعبودة والرسولة، أي أنّه كفر بالله وبالرسول، فهو لا يجد ما يذكره بها إلا مشطها وأعقاب سجائرها والكوب الذى تشرب فيه الخمر. وقال إن الأنوثة ماتت بموتها، أي أن الأنثى في نظره هي كما وصف لنا بلقيسه. وبلقيس كما نعلم أديبة فكان عليه أن يعطى لفتة لفكرها على الأقل أيا كانت شخصيتها وسلوكها، ولكن كما يتضح لنا أن المرأة في نظر نزار هي جسد فقط، وما يربطه بها هي أمور عادية بحتة .. تلك الأمور التي تشبع غرائزه وشهواته. ورغم إساءته للمرأة كل هذه الإساءة وامتهانه لها نجد للأسف الشديد معظم عاشقات شعره من النساء ومن الفتيات المراهقات اللاتي تبهرهن تلك الألفاظ ولا يدركن أبعاد وخطورة معانيها على تفكيرهن وسلوكهن .. فهن مثل شاعرهن يبهرهن المظهر ويغفلن عن الجوهر، ونجدهن يتغنين بشعره الماجن ويتلهفن على قراءته ويعتبرنه الشعر المعبر الراقي.. وهنا تكمن خطورة نزار، لأن ملهماته وأمثالهن قد غدون المثال الذى يحتذى لدى الكثير من الفتيات العربيات، ولا سيما المراهقات حديثات السن. 

قرأت لك بحثا تتهمين فيه نزار قباني بالإلحاد، مع أن كل نقاده يتهمونه بالإباحية ؟ 

 – إنّه يجمع بين الاثنين .. الإباحية والإلحاد .. وإباحية نزار يوضحها لنا شعره في كل سطر منه، وأما إلحاده فقد كان خافيا على الناس. وفي حوار أجراه نزار وصدر تحت عنوان ” نزار قباني .. عن الشعر والجنس والثورة ” ، يقول فيه كلمات جعل فيها نفسه إلها .. إذ يقول بالحرف “إنني على الورق أمتلك حرية إله، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم، إن الكتب المقدسة جميعا ليست سوي تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل وإلا حكم الله على نفسه بالعزلة.. ولعل تجربة الله في ميدان النشر والإعلام وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر هي من أطرف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج إلى الناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر”. والسؤال الآن هو: أليس هذا إلحادا ؟ ويستمر نزار في تأليه الشاعر والقصيدة الشعرية فيقول: ” القلب الإنساني قمقم رماه الله على شاطئ هذه الأرض، وأعتقد أن الله نفسه لا يعرف محتوي هذا القمقم ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت”. والسؤال مرة ثانية هو: أليس هذا انكارا لعلم الله بالأنفس وبما تخفي الصدور؟ ويتمادى نزار قباني في كفره وتعديه على الذات الإلهية فيقول: ” إن الله عندي دبيب شعري، وإيقاع صوتي في داخلي والشعور الديني لدي هو شعور شعري، والكفر عندي هو موت صورة الله أي القصيدة في أعماقي”. ثم يقول : “وليس ضروريا أن يصطدم الله والشاعر، لأنّ سلطة الأول محصورة في مبادئ الخير والشر وتقييم أعمال البشر، أما الثاني فيحكم على أرض أخري هي أرض الإبداع الفني، والعمل الفني لا يخضع لمقاييس الخير والشر، سماوية كانت أو أرضية”. والسؤال مرة ثالثة هو: ألا يجرد نزار هنا الشعر والشاعر من الخضوع لله وشرعه ؟
  إنّ الحديث عن إلحاد نزار زاوية جديدة، ولكنها تأتي هنا في سياقها من حيث وضع الشاعر نفسه تحت مجهر التصور الإسلامي .. ولكن ماذا عن التهمة الأخرى وهي الإباحية في شعره ؟
  إنّ نزار قباني يجعل الجنس دينًا، فهو عنده كالصلاة، حيث يقول تحت عنوان “الصلاة بالجنس” .. إنّ كل شيء يتحول بالشعر إلى ديانة .. حتى الجنس يصير دينا، والسرير يصير مذبحا، وغرفة اعتراف .. والغريب أنني أنظر دائما إلى شعري الجنسي بعيني كاهن، وأفترش شعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة، وأنا في هذا المعني لا أشعر بأي مركب من مركبات النقص، بل على العكس أشعر كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتطهر وأدخل مملكة الخير والحق والضوء، وماذا يكون الشعر الصوفي سوي محاولة لإعطاء الله مدلولا جنسيا”. 

فماذا عن ميل شعر نزار إلى الإثارة الجنسية ؟ 
تحت عنوان له هو “نقلت سريري إلى الهواء الطلق” يقول نزار قباني: ” أنا رجل يرفض أن يلعب لعبة الحب خلف الكواليس، لذلك نقلت سريري إلى الهواء الطلق، وكتبت قصائد حبي على أشجار الحدائق العامة .. أردت أن أحرر أثداء النساء من أسنان الخلفاء .. أنهي مرحلة السرية والأحكام العرفية المفروضة على جسد المرأة العربية، وأعيد للحب شرعيته”. ونزار هنا يريد تحلل المرأة العربية من الشرف والفضيلة، ويريدها أن تمارس الجنس بحرية مطلقة كالبهائم والحيوانات، وهذا ما أفصح عنه عندما قال: ” إن الكائنات كلها تلعب لعبة الجنس بمنتهي الطهارة .. الأسماك، والأرانب، والأزاهير، والعصافير، وشرانق الحرير، والأمواج، والغيوم .. كلها تمارس طقوس الجنس بعفوية وشفافية، إلا نحن فقد اعتبرناه طفلا غير شرعي، وطردناه من مدننا وجردناه من حقوقه المدنية”. ويعبر نزار عن نفس هذه المعاني الإباحية بعد ذلك فيقول: ” المهم في الشعر والحب والجنس أن تتحول الأشياء على راحاتنا إلى رماد، فالفم الذي لم نكتشفه بعد، يبقي أجمل من الفم الذي اكتشفناه .. إنني داعية وثائر من أجل هذا الحب، وأنا يائس من كل ثورة تجعل الجنس على هامش دعوتها، ويائس من كل نظام تقدمي يترك جسد الإنسان العربي في بئر الكبت، ومضاجعة أغلفة مجلات الجنس”. إنها الإباحية الجنسية الملحدة كما تجسدت في الماركسية وفى المعسكر الشيوعي.. وهنا يقول نزار : ” إن معجزة الثورة الصينية أنها أنهت التعامل نهائيًا مع بوذا وكونفشيوس، واعتمدت ماركس ناطقًا رسميًا باسمها، ولم تعد أرواح الأجداد تسكن في عقل الصين الحديثة .. أما ثوراتنا فإنها رغم كل شعارات التحرير التي تطرحها وكل المبادئ الماركسية التي تهتدى بها، تجنبت مشكلة الجنس لحساسيتها المفرطة وجذورها الدينية، ووقعت بسبب ذلك في تناقضات مضحكة. إن نظرة العرب إلى المرأة لا تختلف من حيث الأساس والنوعية عن نظرة الأنظمة المقلوبة، وبالتالي لم يقدم لنا اليسار نظرة ثورة فى المرأة تختلف عن نظرة الإخوان المسلمين “. عبد الوهاب البياتي * أعتقد أننا لا يمكن أن نتحدث عن الماركسية دون أن نعرج على ثالث الثلاثة هنا وهو عبد الوهاب البياتي .. فماذا عنه، كيف ترينه تحت نفس المجهر الإسلامي؟ – إنهم ليسوا واحدا أو اثنين أو ثلاثة، ولكنهم فريق كامل، يضم أدونيس ونزار قباني كما أسلفنا، ولكنه يجمع معهم عبدالوهاب البياتي، وأحمد عبدالمعطي حجازي، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل، ويوسف الخال، وأنسي الحاج، ومحمد عفيفي مطر، وخليل حاوي، وسعيد عقل، وسليم بركات، وعصام محفوظ، وفؤاد رفقه، وعبد الرحمن الخميسي، وسليمان العيسي، ومحمد الفيتوري، وغيرهم. وبالنسبة لعبدالوهاب البياتي، فقد عاش عمره مؤمنا بالماركسية الشيوعية الملحدة. وقال هذا صراحة ولم يخفه، وكتب كل نثره وشعره انطلاقا من فكره الاشتراكي الذي لا يؤمن بالأديان .. وإن كان البياتي في موضوع الدين هذا أكثر غلوا ربما من أدونيس، ونزار، لأن الفكرة السياسية كانت طاغية عليه وعلي شعره طغيانا تاما، ولهذا يصدق عليه ما قلناه بصدد أدونيس ونزار، ولا داعي هنا للتكرار، خصوصا وأننا قرأنا عشرات المقالات والدراسات التي نشرت خلال الأسابيع الماضية حول البياتي وشعره وفكره والتي جاءت مواكبة لموته في دمشق. قلت للأديبة الإسلامية السعودية سهيلة زين العابدين: ها نحن قد وضعنا أدباء مصر تحت مجهر التصور الإسلامي في الحلقتين الأولي والثانية من هذا الحوار. وهذه هي الحلقة الثالثة التي تضع أكبر شعراء سورية ولبنان والعراق تحت نفس المجهر .. فهل اقتصر إسهام الناقدة السعودية على كل الأدباء والشعراء غير السعوديين. – قالت سهيلة زين العابدين: بل وضعت الجميع تحت نفس المجهر، ودخلت معارك نقدية ضارية ضد رموز الحداثة في المملكة العربية السعودية. عبد الله الغذامي، ومحمد العلي، وفوزية أبو خالد، ومحمد جبر الحربي، ومحمد الثبيتي، ونجاة عمر، وعبده الخال. وقد كانت لي معركة مشهودة مع إمام الحداثة في السعودية والمبشر بها وهو الدكتور عبد الله الغذامي. 
قلت: فما هي الكلمة في هؤلاء جميعا ؟ 
قالت: إنّها كلمة ضافية تحتاج إلى وقفة طويلة، وتفصيل أطول، فلعلنا نوفيها حقها في الحلقة القادم إن شاء الله.
في الحلقة المقبلة عن الدكتور عبد الله الغذّامي
…………………………..
نُشر في  مجلة الوطن العربي عام 1999م.

Join the discussion