حوار مجلة الوطن العربي حول النظرية الإسلامية في النقد الأدبي ( 2- 5 )

حوار مجلة الوطن العربي حول النظرية الإسلامية في النقد الأدبي ( 2- 5 )

حوار الأستاذ محمد بركات معي لمجلة الوطن العربي
حول النظرية الإسلامية في النقد الأدبي ( 2 – 5)
عن  طه حسين ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس 
ويوسف إدريس ونوال السعداوي

                   
هذه هي الحلقة الثانية من حوار الأديبة الإسلامية السعودية سهيلة زين العابدين حماد. وهذه الكاتبة تملأ الساحة الأدبية والفكرية في المملكة العربية السعودية والخليج بكتبها ومؤلفاتها ومعاركها منذ سنوات .. وتمثل سهيلة بنشأتها وتربيتها وعلمها ودينها نموذجا رفيعا للمرأة العربية المسلمة بحق ، فهي لم تدع كاتبا أو مفكرا ، أو شاعرا يمس العقيدة إلا وتصدت له . وكتبها ضد توفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس ، ودراستها ضد شعراء وكتاب الحداثة ابتداء من أدونيس حتى عبد الله الغذامى تملأ الصحف والمجلات .. ولهذا كانت أول أديبة سعودية يتم تكريمها في المملكة العربية السعودية .
وفى الحلقة الأولى التي نشرناها في الأسبوع الماضي تحدثت سهيلة زين العابدين عن مفهومها للأدب الإسلامي والنظرية الإسلامية في النقد الأدبي التي ساهمت في إبداعها ثم وضعتها موضع التطبيق في دراساتها عن عشرات الكتاب والأدباء والشعراء والباحثين . وقد عرفت الأدب الإسلامي فقالت:
إنه التعبير الفني عما يحس به الأديب تجاه الله والإنسان والكون والحياة بما يوافق نظرة الإسلام. ومن خلال هذا التعريف البسيط يمكن أن نعرف خصائص الأدب الإسلامي وملامحه ، والتي تتلخص في الإيمان والسمو والشمولية والجمال .
وكما يحدد لنا هذا التعريف أهم خصائص الأدب ، فهو يحدد لنا أيضا أسس تقويمه ونقده ، بحيث يكون معيار هذا التقييم هو التصور الإسلامي لله والإنسان والكون والحياة . فما يوافق هذا التصور يعد إسلاميا وما يخالفه لا يدخل في نطاق هذا الأدب .
 وقد وضعت سهيلة زين العابدين هذه النظرية الإسلامية في النقد الأدبي موضع التطبيق في دراسة لفكر توفيق الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي ، وهى الدراسة التي جاءت في 750 صفحة من القطع الكبير، واختارت عشرة كتب له يمكن أن تلخص مجمل أفكاره وهى كتب : التعادلية ، وتحت شمس الفكر ، وحماري قال لي ، ونظرت في الدين والثقافة والمجتمع ، ويقظة الفكر ، وتحت المصباح الأخضر ، وشجرة الحكم السياسي ، والأحاديث الأربعة ، ودفتر جيب ، ثم سجن العمر ، وانتهت إلى أن توفيق الحكيم قد تجاوز كل الحدود حين افترى على الله كذبا ، وادعى أن الله قد كلمه تكليما ، وقال له تعالى :
” قل على لساني ما تشاء ” “!!” .. ثم عددت الكاتبة عشرات الأخطاء الفكرية التي تثبت أن الحكيم كان يطعن في الإسلام باسم الإسلام في كل كتبه . وحتى مسرحياته الدينية والإسلامية مثل : ” أهل الكهف ” و ” محمد ” صلى الله عليه وسلم و ” سليمان الحكيم ” فقد اعتبرتها الكاتبة مما يحسب عليه ، وليست مما يحسب له .. لأن هذه الأعمال كلها لم تأت من خلال التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان ، بل خضع فيها توفيق الحكيم لتأثيرات ثقافته الغربية ، ومصادرها الوثنية .
وهكذا أخضعت الأديبة والناقدة السعودية أدب هذا المبدع الكبير للمنظور الإسلامي ، ولمقاييس النظرية الإسلامية في النقد الأدبي ، فلم يصمد لها .
طه حسين 
قلت لسهيلة زين العابدين : ولكنى أعرف أنك أخضعت أدباء ومبدعين ومفكرين كبارا آخرين لنفس المعيار فلم يصمدوا له أيضا ؟
قالت : نعم .. درست الدكتور طه حسين ، ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ونوال السعداوي ، وصلاح عبد الصبور ، وأمل دنقل وآخرين ، وطبقت عليهم نفس المعيار .. فماذا قلت في طه حسين وهو عميد الأدب العربي ؟
لقد قرأت طه حسين بكامله ، ولكنى تعمقت في دراسة كتبه الإسلامية : ” في الشعر الجاهلي ” و ” على هامش السيرة ” و “الوعد الحق ” و ” مرآة الإسلام ” و ” الشيخان ” و ” الفتنة الكبرى ” و .. عثمان وعلى وبنوه ، كما أمعنت النظر في كتبه الأخرى : الأيام ، وحديث الأربعاء ، ومع المتنبي ، وفلسفة ابن خلدون ، ومستقبل الثقافة في مصر .

فماذا وجدت فيها ؟ 
   وجدت أن هذه المؤلفات تبرز التأثير الغربي الاستشراقي على فكر الدكتور طه حسين ، وسيطرتها عليه ، وليس هذا غريبا ، لأن الدكتور طه حسين تربى فكريا وعلميا في أحضان الاستشراق والتغريب ، وهو لا ينكر هذا بل يعترف به اعترافا صريحا فيقول :في “الأيام :”
” أقبل أساتذة جدد ملكوا عليه أمره ، واستأثروا بهواه ، فهذا هو الأستاذ كارلون لليتوا المستشرق الإيطالي يدرس باللغة العربية تاريخ الأدب والشعر الأموي ، وهذا الأستاذ سنتلانا يدرس تاريخ الفلسفة الإسلامية ، وهذا الأستاذ ميلوني يدرس تاريخ الشرق القديم ، وهذا الأستاذ الألماني ليثمان يدرس اللغات السامية والمقارنة بينها وبين اللغة العربية، وإذا الفتى أمام هذا كله يخرج من حياته الأولى خروجا يوشك أن يكون تاما ، لولا أنه يعيش بين زملائه من الأزهريين  ، وطلاب مدرسة القضاء وجه النهار وشطرا من الليل ، ولكن عقله قد نأى عن بيئته هذه نأيا تاما ، واتصل بأساتذية أولئك اتصالًا متينًا ، فكلهم قد عرفه وكلهم قد آثره بالحب والرفق والعطف ، وكلهم قد أدناه من نفسه ، ودعاه إلى أن يزوره في فندقه وأحب أن يقول له ويسمع منه ” .

فماذا كان تأثير هؤلاء المستشرقين على طه حسين ؟ 
– كانت مناهجهم جد خطيرة ، فقد أخضع طه حسين القرآن والتاريخ الإسلامي والأدب العربي لهذه المناهج ، وتجرد من إسلامه في كتاباته ، فراح يطبق منهج الشك الديكارتى حتى على القرآن ، فجاءت دراساته والمستشرقين سواء ، حيث قدم له هؤلاء الفكر الغربي في الصورة التي عرفها الغرب في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين ، وهو فكر حاصرته الأيديولوجية التلمودية فانصهر فيها ، فقد كانت مدرسة العلوم الاجتماعية قد ظهرت في فرنسا، وظهر من قبلها ذلك التيار الخطير الذي هاجم المسيحية ، وتحول عن الفكر المسيحي والفلسفة المثالية إلى الفكر المادي المتأثر بالمفاهيم التلمودية  في حلقات متصلة تبدأ بفولتير وفلاسفة الثورة الفرنسية : روسو ، وديدرو ، ثم تتصل بأوجست كونت ، وارنست رينان ، وماركس ، وتصل إلى دوركهايم ، وفرويد ، وسارتر ، وتحملها أقلام وألسنة كازانوفا ، وليفي بريل ، وماسينيون وغيرهم .. وعن طريق هؤلاء تشكلت في نفس طه حسين وعقله وأعماقه تلك العقيدة التي عاش متحمسا لها ومدافعا عنها ، وحفيا بها وهى الوفاء للفكر الغربي ولفرنسا ، وللفكر اليوناني ولأوروبا . وتظهر لنا مؤلفات طه حسين هذا الولاء ، وفى مقدمتها كتابه ” مستقبل الثقافة في مصر ” ؛  إذ دعا فيه إلى الأخذ بالحضارة الأوروبية خيرها وشرها ، حلوها ومرها ، ما يحمد منها وما يعاب ، وما يحب منها وما يكره .. إلى أن يصل إلى القول في وضوح وجلاء أن من السخف الذي ليس بعده سخف اعتبار مصر جزءا من الشرق ، واعتبار العقلية المصرية عقلية شرقية كعقلية الهند والصين . ولم يقف العميد عند هذا الحد بل ادعى أن التشريع الإسلامي مستمد من القانون الروماني وهو نفس ادعاء ” جولد تسيهر ” .

   هل هناك تهم محددة ضد طه حسين غير تهمة التأثير الغربي على فكره ؟ 
نعم .. فلقد أخضع الدكتور طه حسين دراساته كلها لمذهب ديكارت الفلسفي القائم على الشك ، وبدا في لحظات وكأنه يتحدث بلسان المستشرق الشهير ” مرجليوث “.. ويظهر ذلك في الآتي :
1. قصر القرآن الكريم على الأمة العربية ، وجعله خاصا بالعرب ، وليس للناس كافة ، وذلك ليثبت إن الشعر الجاهلي منحول .
2 . قال الدين الإسلامي دين العرب وحدهم وجاء لإصلاح أحوالهم في فترة زمنية معينة ، وقد انتهى دوره الآن .
3 . شكك في أنساب العرب وهجراتهم .
4 . أنكر ما جاء في التوراة والإنجيل عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
5 . شكك في نسب الرسول صلى الله عليه وسلم وزعم أن ما كتب عن نسب الشريف هو من وضع الناحلين لتعظيم شأنه .
6 . شكك في الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام وأدعى أن المسلمين ابتدعوها ليثبتوا أن للإسلام أولوية في بلاد العرب .
7 . لم ينكر على المستشرق ” كليان هوار ” زعمه بأن القرآن الكريم من نظم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن النبي قد استعان بشعر أمية ابن أبى الصلت في نظم القرآن .
نجيب محفوظ
8 . إذا كان هذا هو الرأي في أدب وفكر طه حسين فمن الطبيعي أن يمتد تأثيره إلى تلاميذه ، وإلى كل الأجيال التي جاءت بعده .. فماذا تقولين مثلا في عميد الرواية العربية نجيب محفوظ الذي اعترف به العالم كله ، فكان أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل ؟
نحن لا نريد أن نظلم أديبنا الكبير نجيب محفوظ أو نغمطه حقه ، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نحدد ماهية أدبه ، وتقويمه من منظور إسلامي .
وهنا ، لابد أن نتحدث عن أربعة محاور تجمل هذا الأدب ، والنظرة التي يصدر عنها كاتبه ، وهذه المحاور الأربعة هي :
1ـ الرمزية في أدب نجيب محفوظ والتي تحدد نظرته إلى الخالق جل شأنه وإلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام .
2ـ الصوفية وتأثير فلسفة برجسون على فكره وأدبه والتي بها تحدد نظرته إلى الإنسان .
3ـ الواقعية الاشتراكية والمراكسية في أدب نجيب محفوظ والتي تحدد نظرته إلى الدين .
4ـ الإباحية والعبثية في أدب نجيب محفوظ. 
فماذا عن الرمزية فى أدب نجيب محفوظ؟ 
– تتجسد هذه الرمزية في مجموعة من أعماله الكبرى مثل: “اولاد حارتنا” و”الطريق” و”الشحاذ” و”السراب” و”ثرثرة فوق النيل، و”حارة العشاق” و”حكاية بلا بداية ولا نهاية” و”حكايات حارتنا”.
وقد رمز نجيب محفوظ إلى الخالق جل شأنه بالأب، جاعلاً له الزوجة والابن، وهى نظرة تخالف نظرة الإسلام، فالخالق جل شأنه ليس كمثله شيء. وفى كتاب “الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية” لجورج طرابيشي تفصيل كامل لهذه الفكرة، يثبت فيها المؤلف أن الأب في روايات نجيب محفوظ هو الله. وقد أقر محفوظ هذا التفسير الذي ذهب إليه طرابيشي وأرسل له يقول: 
” بصراحة أعترف لك بصدق بصيرتك وقوة استدلالك، ولك أن تنشر عنى بأن تفسيرك للأعمال التي عرضتها هو أصدق التفاسير بالنسبة لمؤلفها”.
وماذا عن الصوفية وتأثير فلسفة برجسون على نظرة نجيب محفوظ للإنسان ؟
– عند دراسة نظرة نجيب محفوظ للإنسان في قصصه ورواياته نجد أنه قد تأثر بفلسفة هنري برجسون القائمة على النظرية الثنائية المتناقضة للإنسان، وهى أنه جسد وروح، مع الفصل بينها إذ نجده في كتابه الطاقة الروحية يقول: 
“إن حياة الروح لا يمكن أن تكون نتيجة لحياة الجسد”.. ومن خلال تصور برجسون للإنسان تقوم نظرة نجيب محفوظ إلى الإنسان بأنه كائن ذو طبيعتين متناقضتين متعاديتين، إحداهما حيوانية جسدية هابطة ومدانة، والأخرى روحية سامية علوية.
وهذه الثنائية كانت محورًا هامًا من محاور تفكير نجيب محفوظ وتبدو أساسًا لتفسير كثير من آرائه التي تتصل بالمذاهب العقلية المختلفة أو بتصويره للبشر وحكمه على سلوكهم.
وقد تبنى نجيب محفوظ الفرويدية لإبراز هذا الجانب الذي يبدو أوضح ما يكون في “السكرية” و”بين القصرين” و “قصر الشوق” و “زقاق المدق” والقاهرة الجديدة” و”بداية ونهاية” و”حكايات حارتنا” و”الشحاذ” وغيرها.
فماذا عن المحور الثالث المتصل بالماركسية والاشتراكية في أدب نجيب محفوظ ؟
إنّ فصل نجيب محفوظ بين المادة والروح في نظرته إلى الإنسان أدى إلى تحديد موقفه من الاشتراكية والماركسية حيث غلب على قصصه الانتماء اليساري ولا سيما في “الثلاثية” ، أما في “القاهرة الجديدة” و”ثرثرة فوق النيل” فتحدث عن غياب الله. وقد قال الدكتور غالى شكري إن نجيب محفوظ أراد في رواية “أولاد حارتنا” أن يستبدل الدين بالعلم. ولتركيز نجيب محفوظ على الحل الماركسي ودعوته له في معظم قصصه جاء اهتمام المستشرقين السوفييت بأدبه بصورة خاصة حيث ظهرت خمس رسائل دكتوراه روسية في أدب نجيب محافظ.
وماذا عن الاتهام الرابع وهو المتصل بالعبثية الوجودية فى أدب نجيب محفوظ ؟
لا تكتمل أمامنا النظرية المحفوظية إلى الإنسان إلا بالوقوف عند العبثية الوجودية في أدبه كما تمثلها روايات:
“اللص والكلاب” و “الطريق” و”الشحاذ” و “عبث الأقدار” حيث تسيطر العبثية على أبطال هذه الروايات فتحول حياتهم إلى ظلام ممتد، فهم جميعًا غرباء يتخذون من الانتحار وسيلة من وسائل الخلاص لوضع نهاية للعبث.

إحسان عبدالقدوس
إذا كان هذا هو الأمر مع عميد الأدب العربي طه حسين، وعميد الرواية العربية نجيب محفوظ .. فكيف يكون الأمر إذن مع كاتب روائي لا يقل تأثيرًا وشعبية مثل إحسان عبدالقدوس ؟
لقد وضعت كتابًا كاملاً في 600 صفحة من القطع الكبير عن إحسان عبدالقدوس ضمن سلسلة الفكر العربي تحت مجهر التصوير الإسلامي، وهو بعنوان “إحسان عبد القدس بين العلمانية والفرويدية” . ولم تأت هذه الدراسة من فراغ، فقد أخضعت إحسان عبدالقدوس كاملاً للدراسة المستفيضة، وقرأت له 52 عملاً أدبيًا كتبها على امتداد أربعين سنة. قرأت سيرته الذاتية، ودرست موقفه من العلمانية، ومن الأديان بشكل عام، والإسلام على نحو خاص، وتعمقت في رأيه في الفلسفات الفرويدية والوجودية، والداروينية، ونظرته للإنسان، ورأيه في المرأة، وغيرها من الأفكار التي يحتوى عليها أدبه.
فبماذا خرجت ؟

– بعد رحلة طويلة جبت خلالها أعماق فكر إحسان عبدالقدوس، اتضحت لي معالم هذا الفكر، إذ ثبت لي أولاً ما هو شائع من أن إبداعه فى جملته يمثل الأدب المكشوف، ولكن هناك جوانب من أدبه وفكره لم يتطرق إليها من قبل أي ناقد أدبي.
وقد كشف الكتاب عن جوانب من عقيدته ونظرته للخالق جل شأنه والأديان والإنسان والكون والحياة، وهى نظرة جمعت بين العلمانية والعقلانية والواقعية الاشتراكية والبهائية والإسماعيلية والنصيرية والفرويدية، والوجودية السارترية.
ومن خلال دراستي لقصصه ورواياته من المنظور الإسلامي تبن لي مدى بعد الأستاذ إحسان عبدالقدوس عن التصور الإسلامي للألوهية والأديان والحلال والحرام والإنسان والحياة.

هذه أحكام مرسلة .. فكيف نطبقها على هذا الروائي الكبير ؟
– لقد جمعت من خلال دراستي لمجمل أعماله 52 تهمة ، تستند كل تهمه منها إلى مصدرها. وسأقدم هنا بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر.
في قصة “منتهى الحب” مثلاً نجده وقد نال من الذات الإلهية إذ اعترض على إرادة الله وقدرته ومشيئته وعدله وحكمته وقضائه وقدره إذ قال بإلغاء الجحيم وهنا التقى مع الإسماعيلية في تعطيل هذه الصفات، كما التقى مع النصيرية في إلغاء الجزاء والعقاب والجنة والنار، أي أنه أسقط التكاليف الدينية ، ونظر إلى الجنة والنار نظرة تخالف التصور الإسلامي، والتقى مع العقلانيين في قوله :
“إن الله هو العقل”. وفى قصة “الله محبة” التقى مع البهائية إذ قال بتوحيد الأديان، والتقى مرة ثانية في نفس القصة مع البهائية والصوفية إذ قال بالحلول والاتحاد في وصفه الله جل شأنه بالنبل والشهامة وهى صفات بشرية.
وفى معظم قصصه أهمل الدين وفصله عن شؤون الحياة، لأن أبطال هذه القصص وبطلاتها لا يصلّون ولا يصومون ولا يندمون على ارتكاب الفواحش والآثام.
وهو الذي اعتبر شرف المرأة وعذريتها من التقاليد البالية التي ينبغي أن تتمرد عليها الفتاة. وفى مجمل قصصه أباح الكثير من المحرمات كشرب الخمر، والرقص والعلاقات غير الشرعية باسم الحب ، إذ جعل هذا الحب فوق الحلال والحرام، وأباح البغاء واعتبره نوعًا من الرق في الإسلام، وحلل زواج المتعة، وهاجم الحجاب والفصل بين الجنسين، وادعى أن الإسلام يبيح شهادة غير المسلم في عقد النكاح.

أريد تهمًا مأخوذة من قصص محددة ؟
في رواية ” لا أنام” جعل الشيطان من الملائكة بينما هو من الجن كما جاء في الأية الكريمة. وفى “الله محبة” دعا الفتيات إلى تغيير دينهن في سبيل الحب. وفى “الطريق المسدود” دعا إلى الانتحار كحل للمشاكل، وفى قصة “فوق الحلال والحرام” ادعى جهلاً وافتراءً بأن أمنا حواء خلقت رعاية، وأن الله أوحى إليها بستر عورتها لإثارة آدم وإغرائه، أي جعل الحجاب سبيلاً للإغراء، ونفى الإثارة عن العرى. وفى “انف وثلاثة عيون” امتهن الأمومة إذ جعل الأم تقود ابنتها إلى الخطيئة.
   وهاجم المجتمعات التي تلتزم بالحجاب وعدم الاختلاط وادعى أن النساء فيها يسلمن أنفسهن لأي رجل يرينه كما في قصة “خلف العباءة” ، واتهم نساء المجتمعات الملتزمة بالحجاب بالشذوذ الجنسي. وفى قصة ” لا تتركوني هنا وحدي” تعرض للذات الإلهية عندما اتهم الإسلام بالأنانية لتحريمه زواج المسلمة من غير المسلم. وفى نفس القصة تعاطف مع اليهود وصور الزوجة اليهودية بأنها خير من المسلمة، وفى “البنات والصيف” جمع بين الصلاة وشرب الخمر، وفى قصة “أرجوك أعطني هذا الدواء” جعل الخيانة الزوجية علاجًا نفسيًا.
وأستطيع أن أسرد لك مئات الأمثلة للمخالفات الشرعية، والنظرة غير الإسلامية في كل قصص وروايات إحسان عبدالقدوس .. ففي إطار الأدب المكشوف الذي كتبه نظر إلى حياته على أنها متعة ونساء وخمر وجنس، وأن الحياة هي الدنيا فقط، وهى نظرة تخالف التصور الإسلامي.
يوسف إدريس.
يبدو أن أحدًا لن ينجو إذا وضع تحت مجهر التصور الإسلامي .. فماذا تقولين أيضًا في عميد كتاب القصة القصيرة في العالم العربي وهو يوسف إدريس؟

– إن يوسف إدريس حكايته حكاية، لأن أثر الوجودية الملحدة في أدبه لا يعدله أثر آخر.. ويتضح هذا في قصصه ورواياته التي تعج بالإباحية والعبارات الجنسية الفاضحة مثل: “الحرام” و”العيب” و”حالة تلبس” و”أكبر الكبائر” و”العملية الكبرى” و “بيت من لحم” و”أكان لابد يا ليلى أن تضيئي النور” و”المحطة” و”لغة الآي آي” وغيرها.
 وهذه الأعمال كلها تغرق في الجنس، فالموقف القصصي أو الروائي عند يوسف إدريس هو أساسًا موقف جنسي، ولا غرابة في هذا ما دام مفهومه لحرية المرأة هو مفهوم الوجودية الملحدة للحرية، إذ نجده يعرف هذه الحرية في كتابه “فقر الفكر وفكر الفقر” فيقول إن “التعريف الوحيد للحرية في هذا المجال – وهو حرية المرأة – هو الحق في الاختيار، بدءًا من اختيار الطعام والشراب والملبس إلى اختيار الحبيب أو الزوج، ثم اختيار التعليم ونوعه ومداه” ويرى الدكتور إدريس أن هذه الحرية لا تتحقق إلا إذا تمتعت المرأة بالاستقلال الاقتصادي عن طريق العمل، ووصف المرأة غير الموظفة بأنها امرأة مستبعدة، حيث يقول في نفس الكتاب .. “إنني ما قابلت شابًا مصريًا أو عربيًا ووجدته نتاج بيئة أو أم طبيعية مائة في المائة .. ولهذا نحن نريد عائلات من نوع آخر، عائلات مبنية على فتاة تختار بمطلق إرادتها من تحبه ويحبها، ويتزوجان لينشئا أولادً أحرارًا مثلهما”.

هذه الحرية عند يوسف إدريس، بمفهومه لها وهى التى عبر عنها فى مجمل أعماله، ماذا نجد لو حللناها من وجهة النظر الإسلامية ؟
– من المنظور الإسلامي سوف نجد أن هذه الحرية تسفر عن المواقف الخمسة التالية:
1- لقد دعا إلى عدم الالتزام بأمر الله فيما نهى عنه من أكل لحم الخنزير ليتحقق مفهوم الحرية في اختيار الطعام لأنه لا يوجد رجل يحرم على المرأة أي نوع من الطعام، والمعروف أن المرأة هي التي تحدد نوع الأكل الذي يتناوله زوجها الرجل، ولها كامل الحرية في اختيار ما لذ وطاب من الطعام ما عدا الذي حرمه الله على كل مسلم ومسلمة.
2 –ي نطبق على الشراب هنا ما ينطبق على الطعام، فهل يريد يوسف إدريس للمرأة أن تشرب الخمر أو تدخن الحشيش إن أرادت حتى يتحقق لها مبدأ حرية اختيار الشراب، لأنه لا توجد قيود على حرية المرأة في اختيار الطعام والشراب، لأنه لا توجد قيود على حرية المرأة في اختيار الطعام والشراب إلا فيما حرمه الله عن كل مسلم ومسلمة.
3-ثم نأتي إلى الملبس وهو يقصد بهذا الحجاب، فلكي تتحقق حرية في الاختيار فلا يفرض عليها حجاب، ويوضح هذا تحامله الشديد على علماء الإسلام الذين يدعون المرأة إلى الالتزام بالحجاب، ولعلنا نذكر هنا حملته الضارية على الشهيد سيد قطب، وعلى الشيخ الشعراوي، ثم إنه يقول بالحرف الواحد “بعض إخواننا الدعاة مش فاهمين هذه الحقيقة، والدين عندهم موجه ضد المرأة المسلمة .. إنه يحجبها ، ويحطها في البيت، ويمنعها من العمل”.
4-ثم نأتي إلى نقطة اختيار الحبيب فنلاحظ أن يوسف إدريس يصر ويلح على أن تكون هناك علاقة بين المرأة والرجل قبل الزواج، ويريد من الفتاة أن تختار من تحبه من الشباب ثم تتزوجه، وكأنه يضمن لها الزواج بمن أحبته. فهل يضمن لها أن تنجب ممن أحبته أولادًا شرعيين ليكونوا أحرارًا. إن مبدأ حرية الاختيار للحبيب السائد في الغرب وفى العالم كله تقريبًا توضح لنا نتائجه، الملاجئ ودور الأيتام المليئة بالأطفال غير الشرعيين.
5- ثم نأتي أخيرًا إلى نقطة الاستقلال الاقتصادي الذي لا يتحقق إلا بخروج المرأة للعمل التكسبي وربطه بحرية المرأة وتحررها في تحكم الرجل وقوامته. وهذا هو ما يدعو إليه كارل ماركس وصاحبه فريدريك إنجلز، لإبطال قانون الزواج وإحلال الشيوعية الجنسية محله؛ إذ يقول إنجلز بالحرف “عند إسهام المرأة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية مع الرجل دونما خوف أو عوائق، فإنّها تمنح نفسها على الفور للرجل الذي تحبه حبًا جنسيًا، والأطفال يربيهن المجتمع دونما فارق بين ما نطلق عليهم أطفالاً شرعيين أو غير شرعيين، ودون خوف من المرأة على ما نطلق عليه الآن البكارة والشرف والفضيلة”. والغريب في الأمر بعد هذا كله أن يوسف إدريس الذي يحرض النساء على العمل، لا تعمل زوجته، هي ربة منزل، وهذا يؤكد أنه لا يستهدف حرية المرأة كما يدعى وإنما يريد تحللها وتمردها على قوامة الرجل.
أعرف أن لك بحثًا كاملاً بعنوان “فقر فكر الدكتور يوسف إدريس “. ؟
– نعم .. وهو بحث كنت أرد به على الأفكار التي جاءت في كتابه “فقر الفكر وفكر الفقر”، وهو كتاب مسموم يدافع فيه عن الشيوعية ويسخر فيه من دعاة الإسلام وعلمائه ومفكريه ،وقد كشف الكتاب عن مدى فقر فكر يوسف إدريس نفسه وثقافته الدينية المتواضعة تمامًا، إذ يجهل هذا الدكتور جهلاً تامًا كل ما يتصل بدينه وهو الإسلام، والله لقد اتضح لي أن الطفل الذي لم يحصل على الابتدائية يعلم في الدين أكثر منه. لقد نصر يوسف إدريس في هذا الكتاب الإلحاد على دين الله ، حتى بدا لي أن الذي أنطقه هو الشيطان وليس الله.
  السعداوي وعبد الصبور ودنقل الواقع أن إعادة تقييم هؤلاء الأدباء والكتاب الكبار، ووضعهم تحت مجهر التصور الإسلامي  يغريني بطرح مزيد من الأسئلة، عن مزيد من المفكرين والمبدعين.. إنني أريد أن أسأل مثلاً عن نوال السعداوي، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل ؟ 

– إنّ لي رأيًا في كل منهم، وقد كتبت عنهم جميعًا، ولى بحث كامل عن نوال السعداوي بين الماركسية والفرويدية، حللت فيه ما قالت به من آراء في بعض كتبها مثل “الأنثى هي الأصل” ، و “المرأة والصراع النفسي” و “امرأة عند نقطة الصفر”. 
 وناقشت ترديدها لدعوة ماركس وإنجلز حول إبطال قانون الزواج، واعتراضها على ما أنزله الله من أحكام وتشريعات، وقولها إن المرأة التي تغطى وجهها ليست إنسانة.
كما حللت الأعمال الكاملة لصلاح عبدا لصور، التي يقول فيها بعبثية الخلق، مستندًا، إلى الوجودية 
الملحدة مرة، وإلى الواقعية الاشتراكية مرات، وهل هناك ما هو أدل على وثنية عبدالصبور ، وإلحاده، من قصيدته “الإله الصغير” الذي يلهو معه. في نفس الوقت قرأت ديوان أمل دنقل كاملاً، وهو ديوان يفيض بالإلحاد، ويقول فيه أمل دنقل .. “خصومة قلبي مع الله .. ليس سواه” ، وفى هذا الإطار يمجد العصاة والكافرين بالله، لأنّهم عصوا الأمر الرباني، مثل ابن نوح، ومثل الشيطان، 
الذي يرفعه إلى السمت فيقول عنه:
“المجد للشيطان معبود الرياح
من قال ” لا ” في وجه من قالوا نعم
من علم الإنسان تمزيق العدم
من قال لا فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم “.
ولكن الحديث عن هؤلاء وأمثالهم هو حديث طويل، ليس هنا، ولا الآن، مجال الإفاضة فيه.

قلت للأديبة الإسلامية السعودية سهيلة زين العابدين حماد: ألا حظ أن أغلب كتبك ودراساتك وأبحاثك وتطبيقاتك للنظرية الإسلامية في النقد الأدبي، تنصرف فإلى الأدباء المصريين، وكأنهم وحدهم في الساحة العربية .. فلماذا لا نقرأ لك آراء مماثلة في إبداع الآخرين في سورية ولبنان والعراق والسعودية والخليج ؟
– قالت : هذا ليس صحيحًا، لأن لي دراسات مستفيضة عن كل من يزيغون في أدبهم وفنهم عن النهج الإسلامي.
قلت: فهل أسمع رأيك في أدونيس، ونزار قباني، وعبدالوهاب البياتي والآخرين ؟
– قالت : سوف نضع هذه الأسماء تحت مجهر التصور الإسلامي لنرى ماذا يقولون .. ولكن هذا حديث يطول .
قالت : وأنا الآن مشغولة.

– قلت : فإلى الحلقة المقبلة إن شاء الله.
________________________________________
نُشر في  مجلة الوطن العربي ،عام 1999م.


Join the discussion