حوار مجلة الوطن العربي حول النظرية الإسلامية في النقد الأدبي ( 1- 5 )

حوار مجلة الوطن العربي حول النظرية الإسلامية في النقد الأدبي ( 1- 5 )

حوار الأستاذ  محمد بركات معي لمجلة الوطن العربي (1- 5)
امرأة بألف رجل !
حول النظرية الإسلامية في النقد الأدبي وفكر توفيق الحكيم
إنّ سهيلة زين العابدين – كما يقال عنها – هي امرأة بألف رجل، فهي تقف على ثغر من ثغور الإسلام لتدافع عن العقيدة، وتدحض كل ما يمس ثوابت الأمة، وقد أسفر هذا كله عن عشرات الكتب، ومئات الدراسات ، والمقالات، فهي غزيرة الإنتاج إلى حد لا يصدق.

واستطاعت بثقافتها الدينية العميقة أن تساهم في إبداع نظرية إسلامية في النقد الأدبي وطبقتها بالفعل على دراساتها المستفيضة العميقة. 
إن الإسهام الفكري الإسلامي لسهيلة زين العابدين يضعها بين أكبر الكاتبات الملتزمات في الأعوام الثلاثين الأخيرة، ويكفى أن نعرف أن لها ما يقرب من خمسة عشر كتابًا عن المرأة المسلمة وحدها. 


فأية قضايا يمكن أن تناقش مع هذه الكاتبة الأديبة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس. ما مفهومها للأدب الإسلامي وهى أكثر من كتب في الفكر العربي تحت مجهر التصور الإسلامي. ثم ما هو الأدب الإسلامي هذا، وما هي النظرية الإسلامية في النقد الأدبي التي ساهمت في إبداعها ثم وضعتها موضع التطبيق. ما رأيها في الأديبات المسلمات وهى رئيسة اللجنة التي تحمل هذا الاسم في رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالهند. كيف تخوض كل هذه المعارك مع الأدباء والشعراء والنقاد وأساتذة الجامعات. من أين لها بروح المقاتل العنيد، وهي التي نشأت في كنف بيت هادئ جميل في مدينة رسول الله. ما دورها في تأسيس المدارس النسوية للجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن في المدينة المنورة، وهى المدارس التي كانت تنضوي تحت لوائها أكثر من ستة آلاف طالبة مسلمة من مختلف دول العالم. ما نظريتها في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، ثم ماذا تقول عن دور المرأة المسلمة في وضعنا الراهن، وعن المرأة العربية بين الإفراط والتفريط، وعن مسيرة المرأة السعودية على نحو خاص. 

عشرات القضايا تثيرها شخصية وكتابات الأديبة السعودية الإسلامية سهيلة زين العابدين. ولكنى أردت أن أبدأ معها في البداية الطبيعة فأسألها عن : 

النظرية الإسلامية في النقد الأدبي، وكيف طبقتها -مثلاً- على مجموعة من أكبر أدبائنا وأولهم وأهمهم توفيق الحكيم ؟. 
* قلت لها : سوف أفترض جدلاً أنّ هناك ما يسمى بالأدب الإسلامي، مع أن هناك من ينكرون هذا الاسم، وينكرون هذا التقسيمات للأدب، وسوف أبدأ هنا باعتبارك ناقدة على الأصالة بسؤالي البسيط التالي: ما هو باختصار شديد مفهوم الأدب الإسلامي، ومن ثم ما هي ملامح النظرية الإسلامية في النقد الأدبي؟ 

– قالت سهيلة زين العابدين: الأدب الإسلامي هو التعبير الفني عما يحسن به الأديب تجاه الله والإنسان والكون والحياة بما يوافق نظرة الإسلام. ومن خلال هذا التعريف البسيط يمكن أن نعرف خصائص الأدب الإسلامي وملامحه، والتي تتلخص في الإيمان والسمو والشمولية والجمال. 
وكما يحدد لنا هذا التعريف أهم خصائص الأدب فهو يحدد لنا أيضًا أسس تقويمه ونقده، بحيث يكون معيار هذا التقييم هو التصور الإسلامي لله والإنسان والكون والحياة. فما يوافق هذا التصور يعد إسلاميًا، وما يخالفه لا يدخل في نطاق هذا الأدب، وهذا يعنى أنه ليس بالضرورة أن يعالج النص الأدبي موضوعًا دينيًا ليكون أبدًا إسلاميًا، ولا ينبغي أن يحتوى النص الأدبي بالضرورة على آيات قرآنية وأحاديث نبوية ليكون أدبًا إسلاميًا. وبهذا المقياس نكون قد حققنا هدفًا كبيرًا هو عدم تقييد الأديب الإسلامي بنوعية معينة من الموضوعات، إذ أن للكاتب الحق في تناول جميع الموضوعات بالفن الأدبي الذى يريده أو يختاره .. قصيدة، أو قصة، أو مسرحية، أو مقالة، أو رواية، أو خاطرة، أو دراسة، ما دام ملتزمًا في تناوله للموضوع بالتصور الإسلامي. بعبارة أخرى نحن نرى أن الأديب الإسلامي يكون ملتزمًا لا ملزمًا .. وهناك فرق كبير بين الإلزام والالتزام. 
ما هو الفرق بينهما ؟ 
– الإلزام هو فرض الشيء من قبل الغير، أي أن هناك توجيهات أو تعليمات من خارج الأديب والفنان يجب عليه أن يأخذ بها. ويستوى الأمر أن يكون مصدر هذا الشيء المفروض على الأديب، هو السلطة أو الدولة أو الحزب أو تعاليم جهة ما هي اللجنة المركزية أو غيرها. والإلزام بهذا المعنى يسلب المبدع حريته وهى أثمن ما يملكه. 
    أمّا الالتزام فهو نوع رفيع من الحرية الاختيارية التي لا نجدها في المذاهب الأدبية الأخرى. فالالتزام في المفهوم الإسلامي يكون نابعًا من ذات الأديب، فالإنسان حين يلتزم بالشيء أو بالأمر، فإنه يوجبه على نفسه ولا يفرضه عليه أحد.
 فالأديب الإسلامي هنا هو الذى يلزم نفسه بالتصور الإسلامي، وهذا الالتزام يكون نابعًا من عقيدته التي يؤمن بها، أما المذاهب الأخرى كالماركسية مثلاً فإن مفهوم الالتزام لديها هو إلزام الأديب بمعالجته للقضايا والمشاكل بالطريقة التي تحددها الماركسية .. فهو هنا ملزم من قبل الغير ، لا من قبل نفسه، وبالمثل نجد هذا المفهوم للالتزام عند الوجودية ومفهومها للوجود وللحرية مثلاً.
  إنّ الفرق هنا هو الفرق بين الأمر الإلهي، والقانون البشرى ؟ 
– بالضبط .. فالالتزام في الأدب الإسلامي نابع عن عقيدة يؤمن بها الأديب، عقيدة إلهية شرعها الخالق، وهذا ما يميزه عن سائر المذاهب الأدبية الأخرى لأنها مذاهب قادمة من تصور بشرى قاصر، وضعه مخلوق وليس بخالق. 
  وبهذا افتقدت هذه المذاهب البشرية “الجانب الروحي” الذى يربط الأديب بخالقه، ويجعله يلزم نفسه بنهج هذا الخالق، ليوثق صلته. فافتقار المذاهب الأدبية الأخرى لـ “العقيدة” أو “البعد الروحي” يفقدها الكثير من خصائص الأدب الإسلامي وأهمها الجانب الروحي، إذ يغلب عن تلك المذاهب النظرة المادية المحضة. 

هذا عن التصور الإسلامي في الإبداع .. فماذا عن التصور الإسلامي في النقد ؟ 
– إنّ الالتزام بالتصور الإسلامي يوجد لنا معيارًا واحدًا نزن به العمل الأدبي ونقومه من خلاله، وبذلك نقضى على هوة الخلاف حول تحديد ماهية الأدب الإسلامي، ونوعيته. فهناك مثلاً من يعتبر عبقريات العقاد خارج الأدب الإسلامي مثل الدكتور عبدالحميد إبراهيم ، وهناك من يعتبرها أدبًا إسلاميًا مثل عبدالعال الحمامصي. فوجهة نظر الأول ترى أن الفكرة التي يؤيدها العقاد فكرة فردية، والإسلام لم تقم حضارته على فرد مهما كان، بل كان محركه فكرة الجماعة. أما الثاني فيرى أن العقاد لم يهدف إلى إثارة النـزعة الفردية، وإنما أراد أن يثبت أن هذه الشخصية أو تلك قد أعدها الإسلام لدور ما ، وأن اعتناقها الإسلام كان له دور أساسي في إظهار عبقريتها، لأن تمثلها للإسلام ومفاهيمه هو الذى فجر ينابيع العبقرية فيها، وجعلها بهذا المستوى الرفيع. فالإسلام هو الذى كشف في عمر بن الخطاب عن هذه القوى الكامنة ليكون لها هذا الدور البارز في الدولة الإسلامية في انتشار الإسلام. 
وهنا يأتى دور النظرية الإسلامية في النقد الأدبي، لتقول كلمة الفصل في هذا الخلاف، إذ توضع عبقريات العقاد تحت مجهر التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، فإن وافقت هذا التصور فهي من الأدب الإسلامي، وإن خالفته فهي غير ذلك. 
  وهكذا نجد أن مبعث هذا الاختلاف هو عدم اتخاذنا التصور الإسلامي كمقياس للنقد والتقويم بل أدى إلى ما هو أخطر من ذلك، إذ أوقع الأدباء والنقاد الإسلاميين في أخطاء كبيرة ، إذ اعتبر بعضهم ما كتبه كل من الدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم عن الإسلام ، أو في الموضوعات الدينية أدبا إسلاميا ، في حين أنها كانت سموما وطعنات وجهت ضد الإسلام وباسم الإسلام. 
أريد أن أضع الآن هذه النظرية الإسلامية في النقد الأدبي موضع التطبيق من خلال دراستك المستفيضة لفكر توفيق الحكيم تحت مجهر التصور الإسلامي ، وهى الدراسة التي جاءت في 750 صفحة من القطع الكبير ؟ 
لقد قرأت توفيق الحكيم كله ولكنى سوف أبدأ أولا بفكر الرجل من خلال عشرة كتب له يمكن أن تلخص مجمل أفكاره وهى كتب : التعادلية ، وتحت شمس الفكر ، وحماري قال لي ، ونظرات في الدين والثقافة والمجتمع ، ويقظة الفكر ، وتحت المصباح الأخضر ، وشجرة الحكم السياسي ، والأحاديث الأربعة ، ودفتر جيب ، ثم سجن العمر .. والحكم على هذا الفكر من منظور إسلامي يمكن أن يقودنا إلى الحقائق التالية : 
  لقد تجاوز توفيق الحكيم كل الحدود حين افترى على الله كذبا وأدعى أن الله قد كلمه تكليما ، وقال له تعالى : قل على لساني ما تشاء .. وقد جاءت هذه التخاريف في كتاب الأحاديث الأربعة . 
وفى نفس الكتاب قال الحكيم بثنائية الخالق ، عندما قال بالحرف ” إن الله ليس فوق القانون ” ، ثم راح يقيد إرادة الله بإرادة المخلوق عندما أجرى حواره هذا مع الله . 
وفى ” التعادلية ” اعترض على الثواب السماوي للخير المطلق ، كما جاء في قصة طريد الفردوس ، وجعل مهمة الإنسان في الحياة هي محاربة القدرة الإلهية ، وأنكر واقعية القصص القرآني بحجة حرية الرأي وذلك في دفاعه عن رسالة الدكتوراة التي قدمها محمد أحمد خلف الله ورفضتها جامعة الملك فؤاد آنذاك ونفى فيها عالمية الإسلام وأنكرها كما قال في ” يقظة الفكر ” ودعا إلى فصل الدين عن الدولة وقصر الدين على الأمور الأخروية منكرًا بذلك جميع آيات التشريع التي وردت بهذا الصدد ، ولمن شاء فليقرأ مقاله عن الجمود والتغيير . 
وفى كتابه تحت ” شمس الفكر ” راح يدعو إلى إحياء الفرعونية ، وفصل مصر عن الأمة العربية كما فعل طه حسين ، وراح يدعى بأن العرب أمة لا ماضي لها ، ولا أرض ولا عمران ، وأنها أمة تجرى وراء اللذة والمتعة والمادة ، وأنها ناقلة وليست مبدعة ، وفى ” مقالات دفتر الجيب ” أدعى بأن الشيوعية والإسلام سواء ، ودافع عن الماركسية ووصف أنبياء الله بأنهم يساريون ، وخص بالذكر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، كما أنكر معجزات الأنبياء ، وعمل على النيل من عصمتهم ووصفهم بما لا يليق بهم من إعظام وتكريم . وقد كان الحكيم ولا أحد غيره هو الذى يفكر في إدخال الاشتراكية إلى مصر ثم البلاد العربية ، إذ تأثر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بما كتبه عن الفكر الاشتراكي في الأربعينات . وفي هذا السياق راح كاتبنا الإسلامي يؤله العلم والعلماء وجعل هؤلاء العلماء هم أنبياء العصر ، بل غالى في تقديرهم وقال إن الله يخشاهم ـ تعالى الله عما يصفون ـ 
وقد جاء هذا في مواضع كثيرة من الأحاديث الأربعة ، وفيها أيضا ألغى أهمية الشهادتين في الإسلام وقال إن الإيمان بالله لا يحتاج إليهما . أما في كتابه ” حماري قال لي ” فقد قدم تصورا للجنة والنار يخالف التصور الإسلامي لهما ، وجعل الموسيقار موزار من أهل الجنة ، ثم قال بنسبية الأديان والشريعة وعاد وردد ادعاء جورجي زيدان والمستشرقين في حروبهم ضد كتاب الله ، فقال ان القرآن احتوى على كلمات غير عربية ، وكان الحكيم قد عارض السفور ، وعارض الاختلاط ولكنه تراجع عن معارضتيهما بل أيدهما بشدة في كتابه ” الوقت الضائع ” كما تبنى الدعوة إلى إدخال العامية وإلغاء الإعراب واستخدام الحروف اللاتينية في الكتابة وكان من أشد المؤيدين لما جاء في كتاب الدكتور طه حسين ” في الشعر الجاهلي ” الذى قال فيه إن هذا الشعر الجاهلي شعر منحول ، وأنكر قصة سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما جاءت في القرآن الكريم ، وفى إطار خوضه في الكتب المقدسة قال بنبوة السيدة مريم . 
  هذه آراء مرسلة لا تصمد للنقد ، لأن لتوفيق الحكيم مسرحيات دينية وإسلامية رائعة منها ” أهل الكهف ” و”محمد ” صلى الله عليه وسلم و ” سليمان الحكيم ” .. فكيف لمبدع عظيم يكتب مثل هذه الأعمال أن نلقى عليه بهذه التهم كلها ؟ 
بل إنّ هذا الرأي الذى تقول به هو الذي لا يصمد للمناقشة ، وسوف أناقش معك ـ في عجالة ـ هذه المسرحيات يناقض توفيق الحكيم النص القرآني ؛ إذ بيّن القرآن أنّ فتية أصحاب الكهف مؤمنون ، وزادهم الله ايمانا ، حيث يقول الله جل شأنه : ” انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذن شططا ” . بينما نجد توفيق الحكيم قد صور لنا الوزيرين ” يمليخيا ” و” مشلينيا ” على أنهما متشككان في الله ، وأشركا المسيح مع الله ، ومات أحدهما بعد الكفر بالله وارتد إلى الوثنية . وفى هذه المسرحية المضللة أقر الحكيم ” الوأد ” الذى حرمه الإسلام حين سمح بدفن ” بريسكا ” وهي حية مع فتية الكهف كما أحيا فكرة الإغريق التي تدور حول صراع الإنسان مع الإرادة الإلهية ، وقال إنّ هدفه من هذه المسرحية هو التعبير عن الصراع بين الإنسان والقوى الخفية وفى المسرحية فهو لم يعترف بواقعية قصة أصحاب الكهف ، إذ اعتبرها مما جاءت به العقلية العربية وهو بهذا أنكر قوله تعالى ” نحن نقص عليك نبأهم بالحق ” كما أهمل الهدف القرآني من هذه القصة وهو إثبات البعث وجعله هدفا ثانويا . وقد هدف من المسرحية ـ كما قال هو نفسه ـ شجب ما يسمى بدعوة الرجعيين ، وأصحاب فكرة تقديس القديم لقدمه ، فهو لا يريد التوقف بل يستهدف الانطلاق والتطور ، وهو يقصد بهذا السعي نحو الاشتراكية ثم الشيوعية ، إذ أن هدفه من مناهضة القديم في المسرحية هو اعداد النفوس والعقول لتبنى الاشتراكية ، فالقديم ، ويقصد به الدين ، لم يصمد أمام متغيرات الزمن في مسرحية أصحاب الكهف فمات أحدهم بعدما ارتد إلى الوثنية ، والآخر لا هم له إلا حبيبته التي وأدت نفسها بنفسها.

  هذا تفسير يحتمل الاتفاق والاختلاف .. ولكن ماذا عن مسرحية ” محمد ” صلى الله عليه وسلم ؟ 
هذه أشد خبثا ، فقد ركز فيها الحكيم على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وألغى نبوته ، ولهذا نجده قد صور الرسول على أن لا هم له إلا النساء والطيب ، إذ ردد الحكيم على لسانه صلى الله عليه وسلم قوله ” حبب إلى الطيب والنساء ” ولم يكمل قوله :” وقرة عيني الصلاة ” إذ أن نص الحديث الشريف هو ” حبب إلى من الدنيا الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة ” . 
   وفى إطار هذه النظرة البشرية أوحى الحكيم للقارئ أن الرسول كان يتزوج بعد كل غزوة ، وأنه جعل لنفسه جلادا ، كما أدعى بأن هدفه من دعوته أن يملك العرب وبلاد العجم ، كما ادعى بأن الرسول يقول : ” إن الشيطان معه مثله مثل سائر البشر ” ، وبالرغم من إنكار الحكيم لمعجزات الأنبياء إلا أنه جسم في هذه المسرحية كثيرا من الخوارق والمعجزات التي ظهرت منذ مولد الرسول ليجعل من سيرته صلى الله عليه وسلم مادة لأدب الأسطورة كما فعل صاحبه د. طه حسين في كتابه ” على هامش السيرة ” ثم نال من السيدة عائشة رضوان الله عليها إذ ادعى أنها حزنت لمولد إبراهيم بن الرسول صلى الله عليه وسلم وفرحت لموته . كما نال من الصحابي الجليل حسان بن ثابت وادعى انه خاض في الإفك مع عبد الله بن سلول ، وأخيرا كان هناك تعاطف واضح من الحكيم مع اليهود حيث تم تصويرهم بصورة الأبطال الشجعان وأنهم مضطهدون وقد تعرضوا للإبادة والقتل ، عن طريق تركيزه على كيفية القضاء على بنى قريظة ثم حشره خبر مقتل كعب الأحبار وكذلك سلام بن أبي الحقيق دون أن يبين سبب مقتلهما . 

فماذا عن المسرحية الثالثة المستلهمة من التراث الديني وهى ” سليمان الحكيم ” ؟ 

– في هذه المسرحية استقى توفيق الحكيم مسماها من التراث اليهودي ، فاليهود هم الذين يسمون سليمان عليه السلام بهذا الاسم . لقد نظر فيها الحكيم إلى نبي الله سليمان نظرة اليهود إلى أنبيائهم فصوره بما لا يليق . 
وقد جعل هدف سيدنا سليمان من دعوة ملكة سبأ هو حبه وعشقه لها ، وليس من أجل دعوتها إلى عبادة الله وحده وإلى دين الإسلام كما جاء في القرآن الكريم أى أنه للمرة الثانية خالف النص القرآني وناقده ومن ادعاءاته الكاذبة في المسرحية على نبي الله سليمان أنه جعله يختلى بملكة سبا ليغازلها وليطارحها الغرام ثم يدس تحت مخدتها نشيد الانشاد الذى نسبه اليهود كذبا الى سليمان عليه السلام . 
كما جعل مجلس النبي سليمان مجلس شراب ولهو وموسيقى ورقص وهذا لا يليق بمجالس الصالحين فكيف بأنبياء الله . ثم صور سيدنا سليمان بانه لا هم له الا نيل قلب بلقيس ملكة سبأ وأنه اباح لنفسه استخدام السحر واسلوب التشفي ليسفر بقلبها . وقد أعلن الحكيم رأيه صراحة في إنكار عصمة الأنبياء وجعلهم يرتكبون خطايا أعظم من خطايا البشر بل أنه جعل الصياد يعف عن ارتكاب الخطيئة بينما جعل
 نبي الله سليمان يرتكبها . 
وفى المسرحية نجد سخرية من علماء الدين اذ ادعى بان مهمة هؤلاء العلماء هي التستر على  أخطاء على اخطاء الأنبياء وايجاد تبريرات لها . 
 وجعل الجن يسحرون لسليمان وهذا خلاف ما جاء في القرآن إذ بين الله جل شأنه ” ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن امرنا نذقه من عذاب السعير ” ثم ادعى الحكيم أن هدف سيدنا سليمان عليه السلام من إقامة الصرح هو إبهار ملكة سبأ لتتعلق به وهذا يناقض ما جاء في القرآن الكريم إذ يبين القرآن أن الهدف هو انقيادها لأمر الله ويثبت هذا ما جاء في الآية الكريمة على لسانها بعدما رأت الصرح الزجاجي الممرد ” قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ” وهنا أعلنت ملكة سبأ إسلامها وهذا لم يورده الحكيم في مسرحيته على الإطلاق . ومعنى هذا أن الحكيم لم يستح من الله إذ حول قصة دعوة سليمان لملكة سبأ إلى الدين إلى قصة حب وغرام ورقص وشراب وسحر وأخيرا فقد اعتمد الحكيم في مسرحياته على التوراة وقصص ألف ليلة وليلة ولذلك وقع في خطأ إذ قال : أن الجن الذي كان في القمقم وقصة الصياد أخذها من ألف ليلة وليلة وهذا الجني هو الذي أحضر عرش بلقيس والحقيقة غير ذلك إذ أوضحتها الآيتان التاليتان من سورة النمل ” قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوى أمين. قال الذى عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غنى كريم ” فالذي أتى بعرش بلقيس عنده علما من الكتاب وقال المفسرون أنّه آصف بن برصيا ، وكان من الصديقين يعلم أسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وهو الذي أتى بعرش بلقيس.
هل هناك شيء آخر بخصوص مسرح توفيق الحكيم ؟ 
أنا لا أحب أن اخوض في المزيد من مسرحياته فمسرحية ” ايزيس ” هي احياء للتراث الفرعوني ومسرحية “الملك أديب ” هي احياء للتراث الأغريقي  ،واكبار آلهتهم الوثنية ومسرحية ” بجماليون ” ليست الا نرجسية فيها تقديس للفن فى ذاته “وراقصة المعبد ” صنع فيها الحكيم للفن الها يعبده ويسجد له ويتوب اليه “ونشيد الانشاد ” نسب فيه الى سيدنا سليمان هذا النشيد كما فعل اليهود مع أنّه برئ منه وفي ” رقصة الشهيد ” صور الشيطان شهيدا وفى ” الرباط المقدس ” دعوة صريحة للأدب المكشوف وهكذا . 
كانت هذه هي اراء سهيلة زين العابدين في توفيق الحكيم الذى درسته كاملا وكتبت عنه بحثا ضافيا في 750 صفحة وهذه الآراء قد لا يوافقها عليها أحد أن لم يختلف الجميع حولها ولكنها وجهة نظر على أية حال ، فالتفسير هنا تفسير ديني اسلامي باعتبار أن مهمة الانسان في الكون هي عبادة الله وحده وكل ما يفعله هذا الانسان يجب أن يكون في اطار هذا الهدف . 
قلت لها : اعرف أنّك لم تقفى بأرائك هذه عند توفيق الحكيم وحده بل شملت بها اخرين ؟ 
قالت سهيلة زين العابدين : لم ادع احدا من الكتاب والشعراء وجدت في ادبه زيغا عن الإسلام الا وتعرضت له بالنقد ابتداء من د . طه حسين ونجيب محفوظ حتى احسان عبد القدوس ويوسف ادريس . 
قلت : هل نسمع منك كما سمعنا في توفيق الحكيم ؟ 
قالت : هذا حديث طويل فإلى الحلقة القادمة ان شاء الله أما الآن فإلى القهوة العربية لأنّ رائحة الهيل تعبق المكان
في الحلقة المقبلة 
سهيلة زين العابدين حماد : 
هذا رأيي في طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف ادريس وأمل دنقل ونوال السعداوي وآخرين .
نسخه من الموضوع الى منتدى قضايا وحوار ، ولكن لا تنسى – في زحمة النقاش والحوار .
نُشر في مجلة الوطن العربي عام 1999م.


Join the discussion